مغامرة العقل الأولى Quotes

Rate this book
Clear rating
مغامرة العقل الأولى مغامرة العقل الأولى by فراس السواح
2,602 ratings, 4.19 average rating, 418 reviews
مغامرة العقل الأولى Quotes Showing 1-3 of 3
“الجنة السومرية
منذ ان زالت المشاعة الابتدائية , وفقد الفرد سلطته على وسائل انتاجه لصالح الاخرين, تحول العمل من متعه وتحقيق للذات, الى عبودية واغتراب, ومن طقس جماعي مرض, الى وحده قاسية بلا هدف او غاية الا لقمة عيش يومية تدفع للاستمرار يوماً اخر. ومع نضوج المجتمعات الابوية التسلطية وأحكام حلقاتها على الافراد, صار الانسان الى حالة احباط دائمة هي شرطه الاساسي في حياة تبدو بلا معنى ولا تسعى الى غاية, سوى موت يضع حداً لفصل مؤلم. ولكن المجتمع التسلطي استطاع ان يحرم الفرد من كل شيء إلا رغبة في التغيير بادية أو كامنة و..حلم. تجلت رغبة التغيير في ثورات البشر عبر التاريخ في سبيل حياة أفضل وحرية أكثر. وتجلى الحلم, بديلاً عن الفعل, في أدبيات البشر التي تصف عالماً قادماً, هو حرية كاملة ومساواة مطلقة وراحة من لعنة العمل المفروض على الانسان. عالم لا مرض فيه ولا عناء ولا شيخوخة ولا موت. فكانت أساطير الجنة لدى الشعوب, تعبيراً سلبياً عن رغبة في التغيير لم تخرج الى حيز الفعل, او فعل تم احباطه فصار حلماً ينتظر.

أسطورة العصر الذهبي :

عبر السومريون عن ذلك الحلم في نص جميل يصف العصر الذهبي للأنسان قبل هبوطه الى دنيا العبودية والعمل المغترب, حيث كان سيداً لنفسه وسيد الطبيعة:

في تلك الأيام, لم يكن هناك حية ولا عقرب ولا ضبع
لم يكن هناك أسد ولا كلب شرس ولا ذئب
لم يكن هناك خوف ولا رعب
لم يكن للأنسان من منافس
في تلك الايام كانت (شوبور) أرض المشرق, أرض الوفرة وشرائع العدل
وسومر أرض الجنوب, ذات اللسان الواحد, أرض الشرائع الملكية
و(أورى) أرض الشمال, الأرض التي يجد فيها كل حاجته
و(مارتو) أرض الغرب, أرض الدعة والأمن
وكان العالم أجمع يعيش في أنسجام تام
وبلسان واحد يسبح الكل بحمد انليل.

أسطورة دلمون :

أما الجنة, بمفهومها الذي تجلى, فيما بعد, في التوراة, فتحدثنا عنها أسطورة أخرى هي أسطورة دلمون :
أرض دلمون مكان طاهر, أرض دلمون مكان نظيف
أرض دلمون مكان نظيف, أرض دلمون مكان مضيء
في أرض دلمون لا تنعق الغربان
ولا تصرخ الشوحة صراخها المعروف
حيث الاسد لا يفترس أحداً
ولا الذب ينقض على الحمل
ولا الكلب المتوحش على الجدي
ولا الخنزير البري يلتهم الزرع
ولا الطير في الاعالي لا[..] صغارها
والحمامة لا [..] رأسها
حيث لا أحد يعرف رمد العين
ولا احد يعرف آلام الرأس
حيث لا يشتكي الرجل من الشيخوخة
ولا تشتكي المرأة من العجز
حيث لا وجود لمنشد ينوح
ولا لجوال يعول

في هذا الفردوس, كان يعيش أنكي آله الماء العظيم, وزجته ننخرساج الارض - الأم, كما عاش في الفردوس التوراتي آدم وحواء. وقد أخرج انكي ماءه وسقى تربة زوجته الأرض, فحول دلمون الى جنة الهية خضراء. ومن اتحاد الماء(انكي) بالتربة (ننخرساج) يمتلئ الفردوس بالحقول والاشجار والثمار, كما تظهر مجموعة من الهات النبات يقوم انكي بأغوائهن تاركاً زوجته.
ثم ان ننخرساج تقوم بخلق ثمانية أنواع من النباتات العجيبة. وقبل ان تفرح بعملها, يرسل انكي رسوله ايسمند الذي يقطف له تلك النباتات فيأكلها جميعاً. وما ان تعلم الخالقة بذلك , حتى تغضب غضباً شديداً, وترسل على انكي لعنة مقيمة: (الى ان يوافيك الموت , لن انظر اليك بعين الحياة). إلا ان الآلهة الاخرون يجزعون لهذا الامر , ذلك ان اللعنة على انكي تعني شح المياه وغوصها الى باطن الارض تدريجياً. ويحار مجمع الالهة في كيفية معالجة الامر خصوصاً وأن ننخرساج قد غابت عن الانظار حتى لا تغير رأيها او تخضع لضغط أحد. أما انكي فتشتد عليه الامراض وتهاجمه ثمانية علل بعدد النباتات التي اكلها واخذ ينهار تدريجياً. وأخيراً ينقذ الثعلب الموقف عندما يتطوع للبحث عن ننخرساج ويجدها في النهاية. وتخضع ننخرساج لمشيئة الالهة وتقوم بشفاء انكي عن طريق خلق ثمانية آلهة . كل اله يختص بشفاء احد اعضاء انكي العليلة.

- ننخرساج : ما الذي يوجعك يا أخي
- انكي : ان فكي هو الذي يوجعني
- ننخرساج : لقد اوجدت لك الاله ننتول
- ننخرساج : ما الذي يوجعك يا اخي
- انكي : ان ضرسي هو الذ يوجعني
- ننخرساج : لقد اوجدت من اجلك الاله ننسوتو

وهكذا يتابع تعداد أوجاعه وتتابع ننخرساج خلق الهةالشفاء من أجله. الى ان يصل الى ضلعه :

- ننخرساج : ما الذي يوجعك يا اخي
- انكي : ان ضلعي هو الذي يؤلمني
- ننخرساج :لقد أوجدت من اجلك الآلهة ننتي

هذا ويناقش بعض علماء السومريات في ان كلمة (تي) في السومرية تعني ضلع, ولكنها تعني ايضاً (أحيا) أو (جعله يحيا) أما كلمة (نن) فتعني سيدة, كما رأينا سابقاً من تحليل اسم ننخرساج التي تعني سيدة الجبل. وعلى هذا يكون اسم الالهة (ننتي) يعني سيدة الضلع أو السيدة التي تحيي . وهذه السيدة شبيهة بحواء التوراة التي أخذت من ضلع آدم فهي سيدة الضلع وهي حواء بعمنى التي تحيي.”
فراس السواح, مغامرة العقل الأولى
“عندما أنتصب الأنسان على قائمتين رفع رأسه الى السماء ورأى نجومها وحركة كواكبها , وأدار رأسه فيما حوله فرأىالأرض وتضاريسها ونباتها وحيوانها .أرعبته الصواعق , وخلبت لبه الرعود والبروق . داهمته الأعاصير والزلازل والبراكين ولاحقته الضواري . رأى الموت وعاين الحياة . حيرته الأحلام ولم يميزها تماماً عن الواقع .الغاز في الخارج وأخرى في داخله .غموض يحيط به أينما توجه وكيفما أسند رأسه للنوم تعلم أستخدام اليدين وصنع الأدوات ,وفي لحظات الأمن وزوال الخوف , كان لدى العقل متسع للتأمل في ذلك كله . لماذا نعيش ؟ ولماذا نموت ؟لماذا خلق الكون وكيف ؟ من أين تأتي الأمراض؟ الى اخر ما هنالك من أسئلة طرحت نفسها عليه , كما تطرح نفسها على طفل العصر الحديث . كان العقل صفحة بيضاء لم ينقش عليها شيء , عضلة لم تألف الحركة خارج نطاق الغريزة , وبعد حدود رد الفعل . ومن أداته المتواضعة هذه , كان عليه ان يبدأ مغامرة كبرى مع الكون , وقفزة أولى نحو المعرفة , فكانت الأسطورة .وعندما يئس الأنسان تماماً من السحر , كانت الأسطورة كل شيء له .كانت تأملاته وحكمته , منطقه وأسلوبه في المعرفة , أداته الأسبق ,في التفسير والتعليل , أدبه وشعره وفنه , شرعته وعرفه وقانونه , أنعكاساً خارجياً لحقائقه النفسية الداخلية . فالأسطورة نظام فكري متكامل , استوعب قلق الانسان الوجودي , وتوقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه , والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه . انها أيجاد النظام حيث لا نظام , وطرح الجواب على ملحاح السؤال , ورسم لوحة متكاملة للوجود , لنجد مكاننا فيه ودورنا في أيقاعات الطبيعة . انها الأداة التي تزودنا بمرشد ودليل في الحياة , ومعيار اخلاقي في السلوك , انها مجمع الحياة الفكرية والروحية للانسان القديم.

والأسطورة حكاية , حكاية مقدسة , يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة , احداثها ليست مصنوعة او متخيلة , بل واقع حصلت في الأزمنة الأولى المقدسة , أنها سجل افعال الآلهة , تلك الأفعال التي أخرجت الكون من لجة العماء , ووطدت نظام كل شيء قائم , ووضعت صيغة أولى لكل الأمور الجارية في عالم البشر. فهي معتقد راسخ , الكفر به فقدان الفرد لكل القيم التي تشده الى جماعته وثقافته , وفقدان المعنى في هذه الحياة.

والأسطورة , حكاية مقدسة تقليدية , بمعنى أنها تنتقل من جيل الى جيل , بالرواية الشفهية . مما يجعلها ذاكرة الجماعة , التي تحفظ قيمها وعاداتها وطقوسها وحكمتها , وتنقلها للأجيال المتعاقبة , وتكسبها القوة المسيطرة على النفوس . فهي الداة الأقوى في التثقيف والتطبيع والقناة التي ترسخ من خلالها ثقافة ما وجودها واستمرارها عبر الأجيال وحتى في فترات شيوع الكتابة . لم تفقد الأسطورة الشفهية قوتها وتأثيرها .ذلك ان الألواح الفخارية , كانت محفوظة في المعابد وفي مكتبات الملوك , ولا تلعب الا دور الحافظ للأسطورة من التحريف بالتناقل . وبقي السمع هو الوسيلة الرئيسية في تداولها . وفي أكثر من مناسبة دورية , كانت الساطير تتلى أو تنشد في الاحتفالات الدينية العامة , من ذلك مثلاً , أعياد رأس السنة في بابل , حيث كانت تتلى وتمثل أسطورة التكوين البابلية . وأعياد الربيع حيث كانت تتلى وتمثل عذابات الاله تموز .

والأسطورة نص أدبي , وضع في أبهى حلة فنية ممكنة , وأقوى صيغة مؤثرة في النفوس , وهذا مما زاد في سيطرتها وتأثيرها .وكان على الأدب والشعر , أن ينتظرا فترة طويلة , قبل ان ينفصلا عن الأسطورة . لقد وضعت معظم الأساطير السورية والسومرية والبابلية في أجمل شكل شعري ممكن . وقام هوميروس بصياغة معظم أساطير عصره المتداولة , شعراً في الأوديسة والالياذة . والى جانب الشعر والأدب , خلقت الأسطورة فنوناً أخرى كالمسرح ,الذي ابتدأ عهده بتمثيل الأساطير الرئيسية في الأعياد الدينية . كما دفعت فنوناً أخرى كالغناء والموسيقى وغيرهما.”
فراس السواح, مغامرة العقل الأولى
“والأسطورة السومرية المتعلقة بخلق الأنسان , هي أول أسطورة خطتها يد الانسان في هذا الموضوع . وعلى منوالها جرت اساطير المنطقة , والمناطق المجاورة التي أستمدت منها عناصرها الاساسية , وخصوصاً فكرة تكوين الانسان من طين , وفكرة تصوير الانسان على صورة الآلهة.
اما لماذا خلق الانسان ؟ فان الاسطورة السومرية لا تتردد في الاجابة على هذا السؤال ولا توارب . فالانسان خلق عبداً للآلهة , يقدم لها طعامها وشرابها , ويزرع أرضها ويرعى قطعانها. خلق الأنسان لحمل عبء العمل ورفعه عن كاهل الآلهة. فمنذ البدء كان الآلهة يقومون بكل الاعمال التي تقيم أودهم وتحفظ حياتهم. ولكنهم تعبوا من ذلك فراحوا يشتكون لأنكي الحكيم , ليجد لهم مخرجاً ولكنه , هو المضطجع بعيداً في الأغوار المائية , لم يسمع شكاتهم. فمضوا الى أمه الآلهة -نمو- المياه البدئية التي أنجبت الجيل الأول من الآلهة , لتكون واسطتهم اليه , فمضت اليه قائلة :
أي بني , انهض من مضجعك , انهض من ]..[
واصنع امراً حكيماً
اجعل للآلهة خدماً , يصنعون لهم معاشهم

فتأمل أنكي ملياً في الامر , ثم دعا الصناع الآلهيين المهرة وقال لأمه نمو:
ان الكائنات التي ارتأيتخلقها , ستظهر للوجود
ولسوف نعلق عليها صورة الآلهة
امزجي حفنة طين ,من فوق مياه الأعماق
وسيقوم الصناع الآلهيون المهرة بتكثيف الطين وعجنه
ثم كوني انت له اعضاءه
وستعمل معك ننماخ يداً بيد
وتقف الى جانبك , عند التكوين , ربات الولادة
ولسوف تقدرين للمولود الجديد , يا أماه , مصيره
وتعلق ننماخ عليه صورة الآلهة
]..[ في هيئة انسان ]...[
بعد ذلك يتشوه اللوح الفخاري , حامل النص. ثم نجد انفسنا , بعد وضوح الكتابة , مع انكي يحتفل بانجازهالمبدع في وليمة مع الآلهة .

وفي أسطورة سومرية اخرى تحكي خلق الماشية والحبوب , نجد رواية اخرى لقصة خلق الانسان

كالبشر , عندما خلقوا اول مرة .
لم يعرف الانوناكي أكل الخبز
لا ولم يعرفوا لبس الثياب
بل أكلوا النباتات بأفواههم
وشربوا الماء من الينابيع والجداول .
في تلك الايام , وفي حجرة الخلق
في دلكوج بيت الآلهة , خلق لهار و اشنان
ومما انتج لهار واشنان
اكل الانوناكي ولم يكتفوا
ومن حظائرها المقدسة شربوا اللبن
شربوا ولكنهم لم يرتوو
لذا ومن اجل العناية بطيبات حظائرهما
تم خلق الانسان

تسربت العناصر الرئيسية لهذه الاسطورة , الى معظم اساطير الشعوب المجاورة . ففي الاساطير البابلية اللاحقةيتم خلق الانسان من الطين , ويفرض عليه حمل عبء العمل . وفي سفر التكوين العبراني ,نجد اله اليهود يهوه , يقوم بخلق الانسان من طين , بعد انتهائه من خلق العالم , ويجعله على شاكلته : (وجبل الاله آدم تراباً من الارض , زنفخ في انفه نسمة الحياة , فصار ادم نفساً حية ) . ورغم ان الهدف الذي يقدمه النص التوراتي لخلق الانسان , هو السيطرة على ( سمك البحر , وطير السماء , وعلى البهائم , وعلى كل الأرض , وعلى جميع الدابات التي تدب على الارض ) .ألا انه يعود فيفرض عليه عبء العمل , تماماً كالنص السومري : (لانك سمعت لقول امرأتك , وأكلت من الشجرة , التي أوصيتك قائلاً لا تاكل منها . ملعونة الأرض بسببك . بالتعب تأكل منها كل ايام حياتك ... بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود الى الارض التي اخذت منها . لانك من تراب والى التراب تعود ) .وفي الاساطير المصرية نجد ترداداً لنفس الفكرة . وكذلك الامر في الاساطير الاغريقية , التي تعزو لبروميثيوس خلق الانسان . فقد قام هذا الاخير بخلق الانسان من تراب وماء , وعندما استوى الانسان بالوسائل التي تعينه على البقاء والاستمرار , فسرق له النار الآلهية من السماء , ضد رغبة زيوس كبير الآلهة , وأفشى له سرها وكيفية توليدها واستخدامها , فنال بذلك غضب زيوس وعقابه .”
فراس السواح, مغامرة العقل الأولى