‫سيرة أحمد بن طولون‬ Quotes

Rate this book
Clear rating
‫سيرة أحمد بن طولون‬ (Arabic Edition) ‫سيرة أحمد بن طولون‬ by أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي
1 rating, 4.00 average rating, 0 reviews
‫سيرة أحمد بن طولون‬ Quotes Showing 1-10 of 10
“وكان قد اتصل بلؤلؤ غلامه أن مولاه قد باع نساءه وأولاده في سوق الرقيق بمصر، وقبض على جميع ما كان له في داره، فبلغ ذلك منه كل مبلغ، وأقبل إلى الموفق فبكى بين يديه وقبل الأرض وعرَّفه ما بلغه عن حَرَمِه وأولاده، وسأله إنفاذ الجيوش معه على ما كان عزم عليه، وضمن له أنه المجهود في طاعته، حتى يأخذ له البلد، وبسط لسانه في مولاه، ولم يَدَعْ شيئًا يُغري به الموفق ويوحش به قلبه على مولاه حتى نقله، فوعده الموفق بإنفاذ الجيوش معه وخلع عليه، وحُمِل على دابَّة من دوابه، وتقدم إلى الكتاب بتجريد الجيوش معه، كل ذلك سخرية به ومدافعةً، إلى أن يرد الجواب مع الحسن بن عطاف، فيقبض حينئذ على لؤلؤ رضًا لأحمد بن طولون لما شاهده من انحرافه عن مولاه وقبح فعله بمن رباه وأحسن إليه، وكان هذا الفعل من الموفّق لما فيه من العقل والرياسة والمروءة، وعمل على أن يوكل به ويرده إلى أحمد بن طولون عند ورود جوابه عليه.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“وما انقضى أمر العباس ابنه وهو كان ابتداء انحلال أمره تنكر عليه لؤلؤ غلامه وكان عمدته وعليه كان مُعوّله، لتتم مشيئة الله عز وجل، فيه بانقضاء عمره، وزوال ملكه، كما يجري حكمه، جل اسمه على سائر خلقه عند انقضاء المدة، وتكدير المحنة، وتنغيص العيش، وإذا أراد الله أمرًا أتى بعضُه يتلو بعضًا ليؤدب بذلك المؤمنين، ويُنبه به المعتبرين، ويخفّف به عن قلوب المتقللين…”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“فقال له أحمد بن طولون: أنت الآن في العاجل قد دللتنا على عورتك، وأعلمتنا أن التجسس المنهي عنه، والظن السيئ المكروه استعماله، وقد نهي عنه أيضًا، من شيمتك، والله عز وجل، ستر على عباده لا ينتهك بما التمسته، فأنا أرى أنك إلى التأديب أحوج منك إلى التأنيب. ولعل دخائلك الردية أوضح من دخائل مَنْ فسقته ورميته بما لا يجوز في الدين أن يقطع مثله على مسلم في الحكم.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“لا تُلق بهمتك على صغار الأمور بأن تسهل على نفسك تناول يسيرها، فيمنعك ذلك عن كبارها، ولا تشتغل بما يقل قدره فلا يكون فيك فضل لما يعظم قدره…”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“وحدث أبو جعفر المروزي قال: كان أحمد بن طولون من حفاظ القرآن، [المتقنين] حفظه ومن الدارسين الحذاق، فكان يحب حفاظ القرآن ويُكثر مواصلتهم بصلاته ويطرقهم سرا في مواضعهم حتى يسمع قراءتهم، فيتبين منزلة واحد واحد في حفظه ويصلي خلفه إما الصبح وإما العتمة، يركب حمارًا ومعه غلام واحد، متنكرا لا يعلم به أحد، ولا يعرفه من يراه، حتى يصلي خلفه، ويعود في السحر إن كان صبحا أو بعد عتمة ولا يقطع برهم في كل وقت.
فدعاني يوما وقال لي: أتعرف إمامًا يُصلي بالمنامة في موضع كذا وكذا؟ فقلت له: نعم، أنا أعرف المسجد، وما أعرف الرجل. فقال لي: إنه حَسَنُ الصوت جيد الحفظ، فخذ معك خمسين دينارًا وامض إليه، فإني لا أشك أنه في ضيقة، فصل خلفه، فإذا فرغ وخلا فوانسه حتى ينبسط إليك، والطُف به حتى يأنس بك، فإذا أنس فادفع هذه الدنانير إليه، وسله عن دَيْنٍ إن كان عليه، فإن ذكره لك فاقضه عنه، وعرفني ما يكون منك في أمره فإني أراعيه.
قال أبو جعفر : فعجبت من تغلغله في معرفة هؤلاء القوم واحدا واحدا، وهم في أطراف البلد، وفي مواضع متفرقة لا يكاد يعرف أكثرها أهل البلد، ثم علمت أن دينه ورغبته في الخير حملاه على ذلك، مع توفيق الله عز وجل له، ولن يوفق، جل اسمه، من عبيده لما يرضاه إلا من يختاره، وله عنده منزلة.
فبكرت في السَّحَر إلى المسجد، وصليت خلف الرجل، فسمعت إماما طيبا حسن الصوت، فلما فرغ من الصلاة وانصرف الناس جلست أحادثه، فلم أزال أوانسه وأذكر له أخبار الصالحين، وما يصلح أن أحدثه لمثله حتى أنس وانبسط، وسألني عن حديثي وعن حالي، وقال: قد آنستني فأحب ألا تقطع مؤانستك فقد سررت بك. فسألته عن أحواله وعن تصرف الزمان به، فشكا إضاقة وقال: أغلظ ما حل بي أني وقفت في المحراب أمس أصلي فغلطت في قراءتي وما جرى علي هذا قبلا. فقلت: هذا يدل على شغل قلب وغم. فقال لي: نعم، منزلي خلف قبلة هذا المسجد، فجئت إلى الصلاة وزوجتي تُطلق، فلما وقفت في المحراب سمعت صياحها من شدة الطلق، ففكرت أنه ليس لها في البيت دقيق ولا خبز ولا زيت ولا معي شيء أنفقه عليها فغلطت. فقلت: موضع يا سيدي ما تلام على ذلك. فأخرجت إليه الدنانير وقلت له: هذه الدنانير من جهة صالحة ترضاها، فخذها وتفرج بها، فتوقف عن أخذها، فحلفت له أنها من جهة مرضية، ليس عليه فيها تبعة، فأخذها وحمد الله، جل اسمه، وأثنى عليه، وانبسط وجهه بعدما كان كالناعس وأنا أحدثه، وكأنه في موضع آخر مشغول القلب والفكر، ثم سألته عن دين إن كان عليه، فقال: نعم، علي دين، وكان أيضًا قلبي به متعلقا لتأخيره عن أصحابه، والساعة أبتدئ بقضائه، فقلت له: كم هو ؟ فقال: خمسة عشر دينارًا فدفعتها إليه وقلت له: اقضها ولا تعلم هذه الدنانير واتسع أنت وعيالك بها. فزاد في حمد الله عز وجل، وشكرني، وسألني: من أي جهة هي؟ فلم أذكرها له، كما أمرني أحمد بن طولون.
وعدت إليه لأعرفه ما كان، فما وصلت إليه يومي، فلما كان من غد صرت إليه فخبرته بما جرى بيننا، فقال لي: صدق. ولقد وقفت خلفه مرارًا فما سمعت منه غلطا إلا أول أمس، فإني رددت عليه في ثلاثة مواضع، وصليت اليوم خلفه فقرأ القراءة التي أعرفها منه، فحمدت الله، جل اسمه على ما وفقني له في أمره. ثم أمرني بإثبات اسمه في الدفتر الذي فيه أسماء المستورين والمستورات الذين يجري عليهم في كل شهر خمسة دنانير على كل رجل وامرأة، وأجرى عليه مثلهم.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“قال: ومن أفعاله الجميلة ما كان يحمله إلى طرسوس وغيرها من الثغور من المال العين والسلاح والكراع والثياب ما لم يحمله إليها أحد قط، ولم يغيره على أهل طرسوس شيء مما أنكره من فعلهم، فيقصر عن ذلك مجازاة لهم؛ لأنه كان يقصد بفعله الله وحده جل اسمه.
ومن ذلك بناؤه حصن يافا؛ لأنها لم يكن لها حصن، ومات قبل الفراغ منه، وأتمه من بعده ابنه أبو الجيش.
ومنها ما كان يحمله إلى الحرمين من المال والعين والحنطة والشفوف والثياب وكل ما يحتاج إليه أهلوها.
ومنها تفقد أهل الستر والمتجملين وضعفاء النواحي ممن يلزم المساجد، ويسأل عن النساء المستورات في منازلهن ومحالهن، فيُجريهنَّ مجرى الرجال من معروفه ويُفضلهن.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“حتى إذا هو تبين اضطلاعي بما يسنده إلى سلم إلى ديوان البريد، وقال لي: يا بني احفظ ما أُوصيك به، احذر أن أراك في دار غير داري، ولا تسكن إلى أحد سكونك إلى؛ فإن تفويضي إليك يوجب لي ذلك عليك، وليكن إيثارك لحسن الذكر أكثر منه لكسب المال، وطلبتك للصواب أكثر منه لحسن الذكر، وإن شَقَّ عليك تحمله فإنه أحمد عاقبة فيما تأتيه من غيره، مما لا مشقة عليك فيه، ولا تنزعن إلى إنفاق ما تكتسبه بابتياع الأعراض النفيسة والملابس الرائعة؛ فإنك لا تزيد بذلك إلا في عين ناقص الفهم والحال؛ لأن مَنْ قوي تمييزه إنما يطالع ما صدر عنك من فضل، واستعرضه فيك من طبع، فإذا غلب عليك إيثار شيء يحسن به ظاهرك فطالع يمنه في حاصلك، واعلم أنه في يدك متى شئت من غير أن تغري بك كل حاسد أو باغ، ولا تذكرن لأحد من حديثي ما يسهل عليك إذاعته، فيجترئ بذلك على إذاعة ما يقف عليه من سري، واطو ما تستعرضه مني طي الصحيفة، واحذر أن يسبقك أحد إلى مطالعتي بما أتوكفه وقد أمرت لك بكذا وكذا دينارًا، لتتأمل بها زيادة عطيتي على عطية خيانتي واشتَمِلْ على أمري، وقابل ما ابتدأتك به بما يُقصي عنك سوء الفيء لديك، وفقك الله وسدَّدَك. (قاله حسين الخادم لحسن بن مهاجر)”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“ولم يزل أحمد بن طولون يكاتبه في مهماته وحوائجه وما يحتاج إليه من مخاطبة الموفق، فيبلغ له في جميعه ما يُحبه إلى أن مات أحمد بن طولون، فلما مات بلغ القطان موته فحزن عليه واغتم غما عظيمًا، وبلغ الموفق ذلك عنه فلم ينكره عليه، وكان يحضره في كل وقت ويسأله إعادة أخباره عليه، فيذكر كل ما كان يُشاهده منه ومن سيرته، وحسن سیاسته في داره وحاشيته، وحسن مملكته وعظيم هيبته، وكثرة صدقاته ومعروفه وتفقده المستورين وأولاد النعم، وإجرائه عليهم الرزق، وما يعمل من الأطعمة في كل يوم جمعة، وحضور الضعفاء وغير الضعفاء من المستورين، وإشرافه على ذلك بنفسه حتى يأكلوا، ويؤمرون ألا يخرج أحد أو يزل معه ما يقدر على حمله، ينصرف به إلى عياله، وما كان يجد في ذلك من اللذة والسرور والفرح، وأنه جعل ذلك عوضًا من القصف والشراب وسماع الغناء وما يستعمله مثله من ذلك. وكلما سمعه الموفق يذكر من هذا شيئًا يبكي ويترحم عليه، ويبكيان جميعًا؛ فلم يكن للموفق أحد يعاضده على الغم بأحمد بن طولون إلا القطان، ويستر ذلك الموفق عن الناس كلهم إلا القطان، فكان هذا الفعل من الموفق للفضل الذي كان في الموفق، فعرف به فضل أحمد بن طولون؛ فإنه ليس لهم في مملكتهم أنصح منه ولا أوثق، ولا أضبط ولا آمن، وإنما كان ذلك الفعل من الموفق من الانحراف عنه، غيرةً عليه ألا يكون ما يفعله للمعتمد له.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“لأن الإنسان الكامل يتفرج إلى صاحبه بما لا يتفرج به إلى أخيه ولا ولده ولا خاصته وإن كانت حظية عنده.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬
“وكانت قد حصلت بيني وبين أحمد بن طولون بطول مقامه بالثغر، مودة وعشرة وصحبة على الخير، وكان يطوي أيامًا ويُحيي الليل بالصلاة إلى الصبح، فأحبه قلبي وقلب كل من شاهد ذلك منه، فلم أحب مخالفته، ومضيتُ فعَمِلتُ كما رسم لي، فقال لي بانكسار منه وكثرة حياء: يجيء متى شاء. وانصرفت عنه فلقيت أحمد بن طولون في الطريق، وهو يريد المجيء راجلا، وليس معه غلام واحد كان خصيصًا به، فأخبرته بما جرى فردني معه إليه، فلما دخلت إليه قلت: لقيني فردني إليك، فلما قرب منه أحمد قام إليه وقال: هذا ما توجبه الطاعة لأولي الأمر وتاركه يخطئ. فبكى أحمد بن طولون فقال له ما استقر به المجلس: يا أخي، ما الذي أنكرته من ربك حتى شردت عنه، وأنت مع تباعدك عنه لا تخرج من قبضته، فارحم نفسك من تحميلها ما لا تحتمل، واعلم أن جده يُمحص هَزْلَك وطاعته تزيل اجترامك ولا تستكثر من الدنيا مالا يخف معك حمله، ولا ينفعك إذا دعا بك ربك، وتيقن أنك مردود إليه بعملك وحده، وما سواه متخلف عنك. وأحمد بن طولون لا يزيد على البكاء الكثير شيئًا.
قال أبو العباس: فالتفت إلي الشيخ وقال: يا أخي ما ترى الناس كيف يبطرون تحت الأقدار ؟ ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بصره رشده، وارحمه من سخطك عليه ثم قال له: انصرف في حفظ الله فإني أخاف أن تُعديني بحب الدنيا وطاعة الائتمار، ولست أنساك عند ذكري إن شاء الله.

فقيل لأبي العباس: كيف حفظت هذا الكلام؟ فقال: كان الغلام الذي كان مع أحمد بن طولون هو الذي كان كاتب السر الذي كان يكتب كل ما يجري من أحمد بن طولون مع مَنْ يُخاطبه وما يجري من مخاطبه له، ولا يُسقط من ذلك شيئًا، فإذا خلا عرض الغلام عليه مجملاً بما يجري يومًا يومًا وليلة ليلة، فكتب الغلام جميع ذلك على الرسم فلما انصرفت مشيعًا له إلى مضربه سألته أن يأمر الغلام أن يُطلق لي نسخة فأمره بذلك فنسخته.
قال مؤلف هذا الكتاب وكذا كان أحمد بن طولون إذا أنفذ رسولا في حاجة برسالة قال له: أعد على ما قلت. فإن أعاده ولم يخرم منه حرفًا أنفذه، وإن قصر عن ذلك استبدل به وأمر بحبسه.”
أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي, ‫سيرة أحمد بن طولون‬