هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟

 


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي ﷺ - سبتمبر 2026م

لن أخوض الآن في جواب هذا السؤال، ولنأدخل في الجدل بين المانعين والمجيزين، بل سأذكر نبذة تاريخية ربما تنفع المتكلمينفيه..

من المعروف أن النبي وصحابته والتابعينفي القرون الأولى المفضلة لم يحتفلوا بمولد النبي ﷺ، ولا يؤثر عنهم فيه لا عبادةولا عادة مخصوصة، وإنما بدأت عادة الاحتفال بالمولد النبوي في الأزمان التي فترتفيها الأمة وتوقف فيها الجهاد واتسعت الهوة بين الخلفاء وبين الرعية.

وكما قال ابن تيمية فإن النفوس خُلقتلتعمل لا لتترك، وما من شئ من المنكر نهى الله عنه إلا ووجَّه إلى معروفٍ يُغنيعنه، ولذلك فإنه ينبغي على المصلحين الاعتناء بالأمر بالمعروف وألا يقصروا همّهمفي النهي عن المنكر.

وهذه الكلمة النفيسة الذهبية"النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك" تنطوي فيها قواعد عظيمة في علوم النفسوالاجتماع، وما يهمنا منها الآن: أن الأمة التي تفتر عن الجهاد، سرعان ما تتسربطاقاتها إلى غيره، وذلك مذكور في كتاب الله، وهو قوله تعالى {فهل عسيتم إن توليتمأن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}، ومذكور في قوله ﷺ: "وما لم تحكم أئمتهمبكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم".

فإذا انصرفت نفوس الناس وطاقتهم عنالجهاد وإقامة الدين والتمكين له، ذهبت إلى شؤون الدنيا، فتنافسوها وربما تقاتلواعليها.

وباب الجهاد يُغلق بسبب انحرافالحُكّام، كما يُغلق لأن الجهاد صار عملا مخصوصا ومحصورا بفئة بعينها، وهي طائفةالعسكر. وإذا كان الحُكَّام هم طائفة العسكر وكانوا منحرفين، فقد اجتمع الشرانليصير شرًّا مستطيرا!

وها هنا يقع من التفاعلات في الناس مايُنبت ظاهرة الاحتفالات بالموالد والأعياد، فإن النفوس تحب الاحتفال ومعانيه مناللهو واللعب، وإن الحُكَّام يحبون أن يلهو الناس وينشغلون عنهم بأعيادهم، ولهذافربما شاركوا في هذه الأعياد واخترعوها وبالغوا في الاحتفال بها.

ولو فهمتَ هذا فلن تتعجب حين تعلم أنكثيرا من احتفالات الموالد والأعياد المستحدثة إنما نشأت في الدول التي كانت تفترعن الجهاد، وينحرف فيها الحكام، مثل الدولة العبيدية (الفاطمية). ومثلما هو واقعفي دُوَلنا المعاصرة التي اخترع كل منها لنفسه أعيادًا للاستقلال والتحرير والنصروالعَلَم والثورة.. وما هي من هذا كله في شيء! على أن دُوَل الأولين كانت إسلاميةفكانت أعيادها ترتبط بالنبي وأهل بيته، أما دولنا المعاصرين فدول مُتَعَلْمِنةتحتفل بما يخص الأرض والحدود والتراب!

ومن طبائع هذه الأحوال، وتفاعلاتهاالفطرية، أن ينهض أهل الخير والعلم والفضل، لتصحيح هذه الأوضاع، غير أنهم يسلكونفي تصحيحها سبلا؛ فمنهم من يرى أن مناسبة كالمولد النبوي فرصة ثمينة لتذكير الناسبالنبي وسيرته وأخلاقه، يريد بذلك أن يصرفهم عما في احتفالهم من البدع والمنكرات،إلى ما يمكن أن يوجد فيه من النفع والعلم والوعظ ومسالك البر. وتكون فرصةً لإعادةتصحيح ما أحدثوه من البُعد عن النبي ونهجه وسنته! فيجعلونها مناسبة لقراءة الكتب والأحاديثفي سيرته وشمائله وخصائصه، وإنشاد الشعر في مدحه وبيان فضله.

فلهذا استقر شأن الاحتفال بالمولدالنبوي عبر القرون الإسلامية، شارك فيه الأئمة والعلماء الكبار، وجرت عليه العادةحتى اندرج الأمر في "عمل المسلمين" أو "ما جرى عليه العمل" أو"العُرف" أو نحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها الفقهاء والأصوليون عنتقبل المسلمين لهذا العمل.

وحين تثار مسألة: هل هذا من البدعة؟يرى الكثيرون، وربما الأكثرون، أنه من البدعة الحسنة طالما أنه يخلو من المنكرات!

ولما جاء الاستعمار إلى بلادنا أضيفعلى هذه المسألة بابٌ آخر..

فإن الاستعمار الحديث، الذي يمكن أننؤرخ له بالحملة الفرنسية على مصر (1897م)، حمل سياسة جديدة في التعامل مع الشعوب،ومن بين هذه السياسة المخادعة والمراوغة وادعاء تحرير الشعوب وتحضيرها، ومن لوازمهذا: إعلان التصالح مع أديان الشعوب وثقافاتها، ولهذا فلا تعجب إن رأيتَ هذاالموقف:

كان مشايخ الأزهر قد عطلوا الاحتفالبالمولد النبوي، ومعنى هذا التعطيل في ذلك الوقت أنه نوع من المقاومة السلبيةوالسلمية، فهو مثلما نفهم اليوم من معنى "الإضراب، العصيان المدني، إلغاءالاحتفالات، إعلان الحداد، تنكيس الأعلام... إلخ! ولكن نابليون لما علم بهذا طفقيستدعي مشايخ الأزهر ليستفسر منهم عن سبب تعطيلهم، فتعللوا بالحال وقلة المال،فأبى هذا وأنفق من أموال الفرنسيين لإقامة المولد وتعليق الزينات، وحضره بنفسه بلوأوقف جنوده يضربون الطبول ويؤدون التحية العسكرية للنبي ﷺ!! والتفاصيل تطول!

فها هنا ترى كيف كانت المقاومة للمحتلفي الامتناع عن الاحتفال بالمولد، وكان الاحتفال به من أدوات الاحتلال السياسيةلإثبات استقرار الأمور وانتفاء العداوة بين المحتل وبين الدين!

بعد زمن آخر سترى رجلا مثل عباس باشاالأول، وهو الوحيد من أسرة محمد علي الذي كان فيه ميل للدين وحب للعرب والمسلمين،وكانت له وقفات في نصرة أهله، فقد هرَّب بعض الوهابيين من سجن جده، وكان يجلس إلىشيخ الأزهر ليستمع إليه في الجامع، وكان يبغض الأجانب ويحرص على أن يواظب أولادهعلى الصلاة، وأمور أخرى لا يتسع لها المقام.. هذا الباشا هو نفسه الذي قرر أن يزيدفي أيام الاحتفال بمولد السيد البدوي! وما ذلك إلا لأنه يرى هذا من نصرة الدينومقاومة الأجانب الكافرين!!

وفي أزمنة الاحتلال سترى أن جمهرةالمصلحين والمجاهدين كانوا حريصين على مناسبات مثل الاحتفال بالمولد النبوي،وغيرها من المناسبات، وما ذلك إلا لأنها فرصتهم لجمع الناس ووعظهم والكلام معهم،ومقاومة ما تغرسه فيهم دولة الاحتلال من التغريب والعلمنة.. سترى ذلك في مصروالشام وبلاد المغرب وتركيا.. لقد كان يُراد أن تتعلق هذه الأمة بشخصيات أخرى، لقداخترعت أعياد أخرى تتعلق بمولد أو وفاة أو تنصيب أمثال محمد علي باشا وأتاتوركوالملك فلان والسلطان فلان.. فكان أهل الدين في هذه الأنحاء يرون في مناسبةالاحتفال بالمولد فرصة لا تفوَّت في تذكير الأمة بهويتها ودينها ورسولها الذي هوزعيمها الأعظم ومؤسس مجدها الديني والدنيوي!

وكل واحد من هؤلاء المصلحين والمجاهدينقام بحسب ما استطاع من مقاومة البدع والمنكرات في الموالد، فبعضهم كان يزاحمالمنكرات بغيرها من المعروف، وبعضهم كان يعتزل المنكرات ويقيم احتفالاته على نمطآخر، وبعضهم يخلط هذا بذاك، ولكلٍ منهم في هذه الأمور نظرة وطريقة تتعلق بما هومقبول وما هو مرفوض، ولكل منهم طريقة في علاج المرفوض: هل يكون بالإنكار والمجاهرةأم بالتدرج في نزعه أم بمزاحمته أو باعتزاله وإقامة غيره!

وكذلك كانت الموالد فرصة لاستثماراجتماع الناس، وكم وُضِعت فيها بذور جمع الأموال لمقاومة المحتل والطاغية، أولاجتماع القوم المطلوبين المطاردين، واختلطت مشارب المصلحين والمجاهدين بما تيسرلهم من وسائل وظروف، ومن هذه الوسائل والظروف الطرق الصوفية السائدة والمنتشرة فيالبلدان.

خلاصة الكلام والمقصد أن الاحتفالبالمولد النبوي صار عملا لا يمكن وصفه بقول واحد ضربة لازب، بل مثلما كانت بعضمظاهره تمكينا للاحتلال والطغيان وإلهاء للناس وإبعادًا لهم عن السياسة والجهاد،كانت مظاهره الأخرى من وسائل الإصلاح وفرصة لمقاومة التغريب والتعلق بالأصولوالجذور، وتذكيرا بالمجد التليد!

وإذا أردنا أن نقيم خطًّا بين المصالحوالمفاسد في مثل هذه الأمور.. فسيكون على هذا النحو:

إن النبي ﷺ هو قدوة المسلمين، هكذايراه المسلمون جميعا، غير أن معنى القدوة هذا يجري تحريفه على يد المحتلين والطغاةالمجرمين، وهذا هو الأمر الذي يجب تصحيحه، وإذا حصل التصحيح فقد استقامت بهالأمور.

لقد كان النبي ﷺ قدوة للمسلمين، ولكنهلم يكن فحسب قدوة لهم في أخلاقه الشريفة السامية: الصدق والأمانة والعفو واللينوالرفق ونحوها، بل هو قدوة لهم في إقامة الدين وتأسيس الدولة والتمكين للدين فيهذا الأرض وتحويله من كلام نظري مسطور في الكتب إلى واقع عملي شاخص في حياة الناس!

وذلك هو الفارق الذي يُفرق بين غرضالمصلحين وغرض المفسدين، وإن التقى عملهم على الاحتفال بالمولد النبوي..

المحتل والطاغية يريد مولدا يتمايل فيهالناس ويطربون، يأكلون ويشربون ويرقصون، فإذا تحدثوا عن النبي فلا بأس أن يقتصرعملهم على وصف جماله وعيونه وشعره وثيابه، فإذا زادوا فليتحدثوا في معجزاتهوخوارقه، فإذا زادوا في الاقتداء فليتحدثوا في صدقه وأمانته ونبله ورحمتهورفقه!!.. فهذا كله مما لا يبتئس المحتل والطاغية أن يسمعه الناس!

أما المجاهد والمصلح فهو يريد مولدايتذكر فيه الناس كيف أن النبي هو القائد المجاهد، الزعيم المؤسس، الذي أقام الدينفي الدنيا، وهو صاحب الشريعة الحاكمة، الرئيس الذي حمل السيف وجاهد في سبيل اللهحتى تحول المسلمون معه من دعوة إلى دولة، ومن دولة إلى قوة إقليمية، ثم ترك صحابتهمن بعده ليحولونها من قوة إقليمية إلى قوة دولية، ثم إلى القوة العظمى العالمية!

محمد ﷺ، في الموالد التي يرضى عنهاالمحتلون والطغاة، شخصية الدرويش.. أي: الزاهد الرقيق الرفيق، ذي الثياب البيضاءوالنور المشع من الجبين، المتبسم الهادئ الوادع اللين، صاحب المعجزات والخوارقوالفضائل، الذي تسرح حوله الطيور ويسلم عليه الحجر ويئن له الجذع وينشق له القمر!!

هذا وإن كان حقا، إلا أن نصف الصورةوحدها، النصف الذي لا يمثل خطرا عليهم..

أما محمد ﷺ في الموالد التي يريدهاالمصلحون والمجاهدون فهو –مع ذلك، وفوق ذلك- المجاهد الذي يقيم الدين ويشيد الدولةوينفذ الشريعة، ولا يرضى بالظلم، ولا يسكت على الضيم، ولا يقبل سيادة إلا لله، ولاولاء إلا للمؤمنين..

وهذا الصراعنفسه بين هذين السبيليْن هو مما نفهم به واقعنا وحالنا الآن..

الطاغية الذييحارب دين النبي ويطارد أهله بالقتل والسجن والتعذيب الشديد، يحتفل بالمولدالنبوي.. لكن على طريقته! يريد من المسلمين أن يفهموا من الدين ما يكون توطيدالحكمه، أو بعبارة أكثر صراحة: يريد أن يستخدم ذكرى النبي وسيلة لمصلحته!

وهذا يفسر لك:لماذا تنحو الموالد المقامة الآن إلى أن تكثر فيها البدع والضلالات، ولماذا تقتصرعلى حديث الخوارق والمعجزات وأوصاف النبي الخَلْقِية دون غيرها من صفاته الخُلُقيةوسنته العملية؟!

إن الأمةالحبيسة المقهورة المكبلة بأيدي هؤلاء الطغاة عاجزة أن تعبر عن حبها لنبيها فيذكراه إلا بقدر ما يسمح به الطاغية الذي يكبلها، ومن هذه الأمة مِن علماء السوءمَن غَرَّه أولئك الطغاة السفاحون فانحاز إليهم فهو وسيلتهم في تزوير حقيقة النبي،وحرف الناس عن فهم حقيقته!

كنت قبل أيامفي معرض اسطنبول للكتاب العربي، وأجلس يوميا على الانترنت.. إن مؤلفات السيرة تزداد غزارة، وفوق المؤلفات مايجتهد فيه المسلمون من المواقع والتطبيقات ونحوها، ولكن: أين الفاعلية؟!

تلك أمة محبوسة، والحبس يدفع طاقتهاإلى ما هو متاح لها، التأليف وإنشاء المواقع والتطبيقات والبرامج العلمية، وإذاكان ثمة انحراف فإن الطاقة تنصرف إلى ما ليس مفيدا ولا نافعا، بل إلى ما هو مضرمثلما نراه من مشاهد الرقص والطرب والتمايل والاكتفاء بالأشعار في مدح النبي ﷺ!

فالحق أن هذا هو التفسير الأهم لمايحدث في المولد من البدعيات!!

إنه ما من رجل تعظمه أمته وترتبط بهكما تعظم أمة محمدٍ محمدًا، فما من قائد ولا زعيم ولا مؤسس دولة، بل ولا حتى نبيٍّآخر، قد عاش في وجدان أمته تلك القرون المتطاولة، وكانت أمته على هذه الحفاوة بهوبذكراه مثلما هي أمة محمد مع نبيها المعظم المكرم ﷺ. ولكن المحتلين والطغاة لماعجزوا عن نزع محمد من صدور أمته، اجتهدوا جهدهم في تزييف حقيقته، فرفعوا من ارتضواأن يكون حظهم من النبي ﷺ الرقص والأكل والطرب، وطاردوا من أرادوا الاقتداء بالنبي ﷺحقا وحقيقة!

فليس الحق أن نتجادل ونتعارك حول ما إنكان الاحتفال بالمولد بدعة أم لا؟ وهل هو من البدعة الحسنة أم لا؟.. الحق أننتجادل: كيف نكافح تزييف صورة النبي في عقول المسلمين؟ وكيف تكون ذكراه مواطن قوةونهضة وذكرى نافعة لأمة مستضعفة؟ وكيف نصرف طاقة الأمة في أفعال حقيقية بدل كونهممحبوسين في كثرة "الكلام" عن النبي ﷺ؟!

 

1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 03, 2026 04:02
No comments have been added yet.