ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!
لم يجتمع على الأمة في تاريخها تحالفٌ من الأعداء ومنالمنافقين كما هو حاصل في هذا الزمان، فلا تدري أيهما يكون الوصف الأكثر دقة، أنتقول: لبس العدو جلدنا واتخذ لساننا، أم أن تقول: دخل في بعضنا روح العدو وعقله،فهما واحدٌ في النفس والعقل والروح والشعور، وإن اختلف منهم اللون واللسان!
نحن تحت حكم أنظمة تبدو أنها منا، ولكنها العدو كله، لقدكانت هذه الأنظمة حاضرة دائما كممثل للغرب وحارس لمصالحه، منذ محمد علي باشا فيمصر، وهي التجربة التي جرى تعميمها بعد الحرب العالمية الأولى في العالم العربيحتى صار عسيرا أن يُشار إلى نظام محلي باعتباره إفرازًا طبيعيًّا لمجتمعه أوتعبيرا حقيقيا عن أمته الإسلامية، وقد أسفرت النتائج خلال هذا القرن الماضي عن أنهذه الأنظمة قامت بدور أكثر كفاءة من الاحتلال المباشر في تحطيم المجتمع الإسلاميوتحديثه، وبكلفة أقل كثيرا من كلفة الاحتلال نفسه.
لقد كثر الكلام مني في هذا حتى ملَّني الناس، فعزمت أنأسكت فلا أتكلم، وأكتفي في هذا المقال بالتقاط بعض المقولات التي قالها هذاالتحالف نفسه، وثقتها من كتبهم وتقاريرهم برقم الطبعة والصفحة، كي لا يكون عليَّحرج، وليهلك من هلك عن بينة!.. وما أنقله هنا ليس إلا شذرات مختارة، وأما التفرغلجمع هذا فيملأ مجلدات عديدة!
خذ هذه في باب دعم الغربيين لأنظمة الحكم المحليةالعلمانية الطغيانية وتقويتها، وكيف أنه صار سياسة ثابتة:
· قال هنريكيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية، فيمذكراته، عن وقوف الأمريكان وتهديدهم بالتدخل العسكري لإبقاء نظام الملك حسين فيالأردن أثناء أحداث أيلول الأسود: "دورنا الأكثر جدوى يقوم على سرعة إرسالقواتنا إلى البحر المتوسط وبشكل قوي والقيام بمساندة قوية للملك. أرسلت توجيهاتللوزارات، طالبتها إعداد مخططات عسكرية ودبلوماسية مفصلة للتمكن من مواجهة الأمورالمتوقع حدوثها وهي تزويد القوات الأردنية بالعتاد، الهجوم الجوي أو البريالأمريكي لمساندة حسين، أو الموافقة الأمريكية على هجوم إسرائيلي جوي أو أرضيلمساندته".
· ويقول نتنياهوفي مذكراته: "تقابلنا للمرة الأولى، لقد أكدت له (الملك حسين) أن بقاءالمملكة الأردنية الهاشمية بمثابة مصلحة حيوية لإسرائيل، ولو اقتضى الأمر، فسننزلبجيوشنا للحيلولة دون سقوطها".
· ولا نعدم أن نجد مثل هذا الاعتراف في مذكرات القادةالعرب أنفسهم، فهذا الملك حسين بن طلال ملك الأردن، يورد في مذكراته "مهنتيكملك" أنه في العديد من المواقف طلب المعونة الأمريكية والإنجليزية لتثبيتنظامه، ولم يبخلوا عليه بها، يقول: "لم ينسنا الإنجليز والأمريكان، فقددعمونا ليس بالكلام وبالتصويت في الأمم المتحدة فحسب، بل بعثوا إلينا بالأسلحةوالمعدات، فوصلت بكميات جسيمة إلى مينائنا في العقبة".
ولأن القوم أهل زخرفة للقول وتلبيس وتدليس، فهم يُلبسونهذه المعاني الخيانية ألفاظا من نوعية دعم الأمن والاستقرار، مكافحة التطرفوالإرهاب، تأمين المصالح الحيوية، ولا يقصدون بهذا كله إلا أمنهم هم ومصالحهم همومكافحة من يهدد نفوذهم، حتى لقد استقر في بيئة العلوم السياسية مصطلح"الدولة الفاشلة"، وهو في حقيقته يعني: الدولة الفاشلة في السيطرة علىشعبها، وهي من ثم فاشلة في حماية المصالح الأجنبية! وخذ بعض أمثلة:
· قالت كونداليزارايس التي شغلت منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية "الدولالضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيعالسيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين، لذلك فإن إعادة بنائها يشكلمهمة ضخمة وهامة في آن".
· يذكر هنريكيسنجر أيضا في كتابه "النظام العالمي" أنه "عندما لا تكون الدولمحكومة بكليتها، يبدأ النظام الدولي أو الإقليمي نفسه بالتفكك. فضاءات خالية موحيةباللاقانون تطغى على أجزاء من الخريطة. من شأن انهيار أي دولة أن تقلب أرضها إلىقاعدة للإرهاب".
· وفي نهاية مذكراته، يتحدث الدبلوماسي الأمريكي الشهير،زلماي خليل زاده، عما يجب أن تكون عليه سياسة الأمريكان فيقول: "تشكل مشاكلالصراعات الإقليمية والنزاعات الطائفية وانهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أكبرالتحديات الراهنة وأكثرها صعوبة، وأعتقد أن الحلول الجوهرية تتمثل في الترويجلميزان القوة الإقليمي وتقوية الدول المعتدلة والتقدمية... يتعين أن تكون الخطوةالأولى في هذا المضمار هي تقوية أصدقائنا وشركائنا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسياالوسطى... تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستمرار في جهودها الهادفة إلىمحاربة الإرهاب. ولكن يتعين عليها التركيز أكثر على تعبئة القوى المحلية التيتقاوم الإرهاب والتطرف".
كذلك يتضخم الحديث عن دور الأنظمة المحلية في تقاريرالحالة الأمنية وتقارير مكافحة التمرد، والتمرد هنا هو التمرد الإسلامي طالما كانتالبيئة المقصودة هي المجتمعات المسلمة، ومن أمثلة ذلك:
· جاء في دليلالحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: "خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند علىعدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكونعسكرية (على الرغم من أن الأمن هو الشرطالأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكوميةمحلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلهاالشركاء الأجانب"، "إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحةتمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثرأشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكهلاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومةالمتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخياكانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة).وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحةالتمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين،نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوىالعملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة".
· وجاء في دليلالميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد: "في عمليات مكافحة التمرد تعملالقوات الأمريكية عادة مع قوات الأمن التابعة للسكان المحليين أو التابعة للدولةالمضيفة... تجلب العديد من القوات العسكرية التابعة لدول أخرى الخلفيات الثقافيةوالخبرات التاريخية وغيرها من الإمكانيات التي يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة لجهودمكافحة التمرد"، "نادرا ما تكون لدى وكالات الحكومة الأمريكية والمنظماتالدولية الموارد والإمكانيات اللازمة لأداء جميع مهام مكافحة التمرد، فالنجاحيحتاج إلى قادة متأقلمين على استعداد لأداء المهام المطلوبة بالموارد المتاحةعندهم، ويفهم هؤلاء القادة أن الأمن طويل المدى لا يمكن فرضه بالقوة العسكريةوحدها، فهو يتطلب التطبيق المتكامل والمتوازن للجهد من قبل جميع الشركاء بهدف دعمالسكان المحليين وتحقيق الشرعية لحكومة الدولة المضيفة"، "المفتاحلإنجاز كل هذه المهام يتمثل في تطوير قوة أمن فعالة بالدولة المضيفة، وفي بعضالحالات قد تشترك القوات الأمريكية بفاعلية في قتال المتمردين، بينما تساعد في الوقتنفسه الدولة المضيفة على بناء قواتها الأمنية".
· وجاء في دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليلالتمرد: "يمكن لمكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعةلإشرافها، مثل الميليشيات، من أجل تعزيز القوات الحكومية، وبالأخص للجمع بينالاستخبارات وتوفير الدفاع الثابت. يجب أن تسلم القيادة الأجنبية لمكافحة التمردمسؤولياتها في نهاية المطاف إلى القوات الوطنية".
وتشيرالعديد من المصادر الأمنية الغربية إلى أن الأنظمة العربية قد بلغت أحيانا أن تكونهي الأستاذ الذي يتعلم منه الغربيون أساليب مكافحة "الإرهاب"، ومن ذلكما كشف عنه هنري كرامبتون، من أبرز مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكان، في كتابه"فن التجسس"، حيث يذكر أنه بعد أن جمع فريقا من الاختصاصيين ضم علماءنفس ومحللين ومجندين اكتشف أنه لا زال ينقصهم شيء، يقول: "احتجنا إلى خبرةأوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدربا. امتعض بعضُ من فيالجهاز الخفي بما يعكس غرورا في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججتُبأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض مندربناهم؟ تكرَّم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحدا من أكثر ضباط مكافحةالإرهاب خبرة لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير منهاجنا".
وهذافضلا عما صار معروفا ومؤكدا من أن الأنظمة العربية قامت بدور تعذيب المتهمين لحسابالأجهزة الأمنية الغربية، لا سيما أجهزة الأمن في مصر والأردن وسوريا والمغرب.
هلنحتاج الآن لنسأل أو نستغرب كيف أمسى هذا حالنا في بلادنا؟!
نشر في مجلة أنصار النبي - أغسطس 2026م
هنريكيسنجر، مذكرات هنري كيسنجر، ترجمة: عاطف أحمد عمران، ط1 (عمان: الأهلية للنشروالتوزيع، 2005م)، 1/549، 550 باختصار.
Benjamin Netanyah, BIBI:My Story, 3rd edition (New York: oct. 2022), p. 296.
الملكحسين، مهنتي كملك، ترجمة: غالب طوقان، (د. م: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1978م)،ص207.
كونداليزارايس، أسمى مراتب الشرف: ذكريات من سني حياتي في واشنطن، ترجمة: وليد شحادة، (بيروت:دار الكتاب العربي، مايو 2012م) ص139.
هنريكيسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة: د. فاضلجتكر، ط1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2015م)، ص146.
زلمايخليل زاده، السفير: من كابول إلى البيت الأبيض – رحلتي عبر عالم مضطرب، ترجمة:بسام شيحة وسعيد الحسنية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، نوفمبر 2017م)،ص448.
دليلالحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد، ترجمة: خالد أحمد وأحمد مولانا، (اسطنبول:المعهد المصري للدراسات، 28 مارس 2018م)، ص5، 9.
ديفيدبتريوس وجيمس ف آموس، دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد، ترجمة: أحمدمولانا، (مركز تنمية الفكر الاستراتيجي، 2019م)، ص91، 98، 254.
دليلالمخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز حازملترجمة الدراسات الاستراتيجية، إبريل 2008م)، ص36.
هنريكرامبتون، فن التجسس: الجهاز الخفي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ترجمة:أنطوان باسيل، ط1 (بيروت: شركة المطبوعات، 2014م)، ص163.


