"أنصار النبي ﷺ" تدخل عامها الخامس
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركافيه..
بهذا العدد تدخل مجلة "أنصارالنبي ﷺ" عامها الخامس، وتلك مناسبة نُذَكِّر فيها برسالة هذه المجلة وبعض الأمورالمتعلقة بها.
تصدر المجلة عن "الهيئة العالميةلأنصار النبي ﷺ"، وهي الهيئة التي جاءت ثمرة لاستجابة شعبية واسعة وغاضبةتجاه الرسوم المسيئة لنبينا الأعظم ﷺ، تلك الرسوم التي بدأت في فرنسا ثم تبنتهاالحكومة الفرنسية، فاندلعت انتفاضة شعبية على شبكات التواصل لمقاطعة المنتجاتالفرنسية، وبعد مرور عامٍ على هذه الحملة تداعى بعض العلماء والرموز والمشايخلتأسيس "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ".
كان الغرض من هذا التأسيس أن تتحولعملية نصرة النبي ﷺ من ردة فعل، هي بطبيعتها وقتية متفاعلة مع الحدث، ولا بد أنهاستنتهي وتخفت وتذبل مع مرور الأيام، إلى أن تكون مهمة مستمرة ودائمة، وهيئة لهاواجباتها العملية الناتجة عن تفكير وتخطيط ومتابعة ومثابرة.
وبعد انطلاق "الهيئة العالميةلأنصار النبي ﷺ" بستة أشهر، وُلِدت مجلة "أنصار النبي ﷺ"، لتكونأول فرع من هذه الشجرة، ثم تلتها فروع متعددة، مثل: "القبة الخضراء" وهومشروع لحفظ سنة النبي ﷺ، و"مشروع بصيرة الدعوي" وهو يعني بدعوة غيرالمسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين باللغة العربية، و"سفراء النبي ﷺ"وهم جمع كريم من المشايخ والدعاة والشباب المتطوعين الذين أخذوا على عاتقهم حملرسالة هيئة أنصار النبي ﷺ والعمل بها في بلدانهم، و"وقف الأنصار" الذييُعنى برعاية الأسر المحتاجة ودعمها، ومؤخرا جرى إطلاق "دار الإفتاءالإلكترونية" ردًّا على قانون تضييق الإفتاء في العالم العربي، ليكون منبراحرًّا للمستفتين والمفتين، ومؤسسة مستقلة عن الخطوط الحمراء الحكومية.
وفيما يخص هذه المجلة، التي تدخل الآنعامها الخامس بفضل الله تعالى، فقد حملت على عاتقها أن تقوم بمهمة النصرةالمستمرة، من خلال بيان قدر النبي ﷺ وعظمته وفضله على العالمين، وكيف أن ما جاء بهالنبي ﷺ من نور الوحي هو الكفيل بحل مشكلات العالم، الجليل منها والحقير!
ومن هذا المنطلق اتخذت المجلة موضوعالكل عددٍ منها، مع فتح الباب للكتابة في موضوعات أخرى، وكل موضوعٍ من هذهالموضوعات كان متعلقا بمشكلة جاء النبي ﷺ بحلّها، أو بنموذج ارتبط بالنبي ﷺ هوقدوة للعالمين.
ورأينا من واجبنا في هذه المجلة أننفسح فيها المساحة لصنفيْن من الناس حُرِموا أن يخوضوا معركة نصرة النبي ﷺالمعاصرة، وهما: العلماء والدعاة الراحلون، والعلماء والدعاة الأسرى.
فأما الراحلون فقد عنينا بهم العلماءوالدعاة الذين ماتوا خلال هذيْن القرنيْن الأخيريْن فحسب، وذلك أنهما قرنا الهزيمةوالنكبة، فمن وُجِد فيهما فقد تحقق له أمران كلاهما يجعل شأنه مختلفا:
الأول: أن الراحلين في هذين القرنين منأعلام الأمة هم في الغالب ممن لم يأخذوا حقهم في التعريف بهم ونشر تراثهم، وذلك أنهاتيك القرنيْن قد غلبت عليهما العلمانية والأحكام غير الإسلامية والحكومات غيرالشرعية، فدُثر كثير من تراثهم ولم يحظ بالاهتمام اللائق به، فالواجب على خَلَفهمممن تربى وتعلم على أيديهم وعلى كتبهم أن يوفي لهم بعض حقهم ويعيد التعريف بهموبمآثرهم!
الثاني: أن الراحلين في هذيْن القرنيْنكانوا أقرب إلى قضايانا المعاصرة وطبيعة التحديات التي واجهتها أمتنا ممن سبقهم،فالذين عاشوا في عصور الاستضعاف والاحتلال والعلمانية عالجوا من الأمور ما لم يكنقائما لدى أسلافهم الذين عاشوا في عصور استقرار الإسلام وسيادته، فقُرب هؤلاء منقضايانا يجعل كلامهم أقرب إلى قارئنا المعاصر: عقله ونفسه وروحه!
ولهذا رأينا أنه ينبغي أن يُفسح لهؤلاءفي مجال النصرة، توفية لحقهم وتعريفا بهم واستفادة منهم.
وأما الأسرى، فأولئك قوم حُرموا حينسُجِنوا من البذل والعطاء في معركة نصرة النبي ﷺ، وقد كانوا أحق بها وأهلها، بل إنتقدمهم في باب النصرة هذا هو ذاته السبب الذي جعلهم الآن أسرى، فإن الحكوماتالقائمة تبغض كل قائم لله بالحجة، وتبغض كل من كان ولاؤه لله ورسوله متقدما علىولائه للسلطة والنظام.
وحيث كان ذلك كذلك، فإن في بعث تراثهؤلاء المحبوسين المحرومين، واجبا على إخوانهم الأحرار، تعريفا بهم، وتذكيرا بهم،واستفادة من إنتاجهم، وتوفية لحقهم، فلو قد كانوا طلقاء لخاضوا معركة النصرة،فآثرنا أن نكون من أسباب الله التي يُكرمهم بها، فنعيد نثر نفحهم ومسكهم وطيبهم،وقد أريد له أن يكون مأسورا.
وعسى الله أن يهيئ لنا إن متنا أوأُسِرنا من يبث للناس كلامنا، فيكون من العلم الذي يُنتفع به.
على هذه الأقسام الثلاثة انبثقت المجلةفي عددها الأول، واستمرت على ذلك في عامها الأول..
وشرعنا ننظر في القضايا التي ينبغي أننعالجها، فمنها ما يكون مناسبة حاضرة: كالإسرائ والمعراج وتحويل القبلة وشهر رمضانوالحج وبداية العام الهجري وذكرى المولد النبوي، ومنها ما يكون انتقاءً لمشكلةحاضرة.. فنأخذ في الاستكتاب لها، ثم في انتقاء ما كُتب فيها من تراث الراحلينوالأسرى، حتى صارت المجلة وجبة فكرية دسمة!
ثم ما زلنا نرى من كرم الله وألطافهوتيسيره، ما جعل المجلة تكبر وتتوسع، مع أن فريقها لا يجاوز ثلاثة أفراد بالعدد،حتى كانت المجلة في عامها الرابع قد بلغت سبعة أقسام، ثلاثة ذكرناها وهي: القسمالذي يكتبه علماء الهيئة ودعاتها ومعهم علماء الأمة ودعاتها، وقسم الراحلين، وقسمالأسرى..
ثم أضفنا إليها أربعة أقسام أخرى، هي:
قسم يكتبه المهتدونالجدد الداخلون في الإسلام عبر مشروع "بصيرة" الدعوي، المنبثق عن الهيئةالعالمية لأنصار النبي ﷺ، يقصون فيها كيف كانت "بصيرة" سببا في اهتدائهموتعلمهم الإسلام، فلقد فوجئنا في أثناء اجتماعات أقسام الهيئة بقصص عجيبة وطريفةللغاية، كلٌّ منها في ذاته يصلح أن يكون مقالا جميلا، بل حدثنا بعض المهتدين أنهمإنما اهتدوا حين قرؤوا قصص الذين سبقوهم إلى الهداية، فكان القرار أن نصطنع قسمالهؤلاء المهتدين، وهو ما كان، ولا يزال هذا القسم واحة هنيئة ومميزة بين صفحاتالمجلة، وهو بماثية الدوحة الإيمانية الصافية الرقراقة بين معترك القضايا الفكرية!
وقسمٌ يكتبه"سفراء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، أولئك الذين ينبعثون برسالةالهيئة في بلدانهم، ويقيمون فيها من الأنشطة والفعاليات ما يجعلهم جنودا دائمين فيهذه المهمة الشريفة، ومنهم من خرج في قافلة الصمود البحرية لفك الحصار عن غزة، ومنهممن أجرى حوارات مع أعلام بلده أو غيرهم من الأعلام، فكانوا إضافة جليلة لمادةالمجلة، وثراءً جديدا فوق ثرائها!
وقسمٌ جديدصرنا نختاره وننتقيه من تراث المستشرقين والمؤرخين غير المسلمين ممن أنصفوا الإسلاموالنبي ﷺ والحضارة الإسلامية، وقد وجدنا بالتجربة أن الكلام الذي يقوله أعلامالغرب في النبي مؤثر في أمتنا، ومؤثر في غير المسلمين أكثر من تأثير كلام المسلمينفي نبيهم، وهذا حقٌّ من جهتيْن، فهي من جهة أولى: شهادة غير مجروحة، على سبيل{وشهد شاهد من أهلها}، وعلى سبيل: "والفضل ما شهدت به الأعداء"، ولا ريبأن شهادة الخصم والعدو خير من شهادة التابع والحليف والنصير. ثم هي من جهة ثانيةشهادة غربيٍّ جاء من عالم الغالبين المتفوقين المتألقين، في حق دينٍ ونبيٍ وحضارةهي الآن في حالة استضعاف، والنفس مجبولة على الإعجاب بالغالب والاستماع منهوتقليده! وقد أبدع مؤرخنا وحكيمنا ابن خلدون وهو يشرح كيف أن "المغلوب مولعبالاقتداء بالغالب"، فمن ها هنا كان هذا القسم تثبيتا للمسلم، وتقريباوتأليفا وجذبا لغير المسلم أيضا. وقد صرنا نختار من مقالاتهم وإنتاجهم ما يناسبموضوع العدد أيضا!
وقسم آخرأفردناه لمقالات القراء، حيث صارت المجلة تستقبل مقالات لأقلام واعدة من شبابالكُتَّاب والباحثين.
فاستوى الأمرعلى سبعة أقسام: قسم الهيئة، وقسم بصيرة، وقسم السفراء، وقسم الراحلين، وقسمالأسرى، وقسم المنصفين، وقسم بريد القراء!
ومع دخولالمجلة عامها الخامس، بفضل الله، فقد أضفنا إليها قسما جديدا، هو قسم"الإفتاء"، وفيه نختار عددا من الفتاوى التي أجابت عنها "دارالإفتاء الإلكترونية" التابعة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، كي ننشر فيه أهمالفتاوى الشهرية المتعلقة بأحوال الأمة!
وبهذا تصيرأقسام المجلة ثمانية أقسام.. والحمد لله رب العالمين!
وكانت للشيخمحمد الصغير، رئيس الهيئة، عبارة أساسية في بيان منهج الهيئة وتفصيلها، وهي:"لن تكون نصرتنا للنبي ﷺ نصرةً علمانية"، والمعنى: لن نظل نتحدث عنالنبي وأخلاقه وما جاء به من حيث هو معنى بعيد لا ينبني عليه عمل ولا واقع، بلنصرتنا للنبي هي اشتباك حقيقي مع قضايا أمته، وانتصارا حقيقيا لأتباعه، ومعالجةومعاناة حاضرة وتنفيذا عمليا لرسالته!
ومن هذاالباب، فقد كانت المجلة لسانا حاضرا في حرب الطوفان المبارك في غزة، على مدارسنتيْن، وجنَّدت نفسها في هذا الباب، ونثرت من الفتاوى القديمة ومن المقالاتالجديدة للراحلين والأسرى والمنصفين –فوق مقالات أعضاء الهيئة وسفرائها- ما استوعبهذه القضية وتطوراتها.. ولم ننس غيرها من قضايا المسلمين في السودان والهندوأفغانستان وطاجكستان وبورما وغيرها، وكنا قبل ذلك ومع ذلك نناقش كيف جاء النبيبعلاج مشكلات الفقر والطغيان وحتى البيئة!
وكما ساهمنافي نصرة النبي ﷺ في وجه الصليبيين والملحدين والعلمانيين، فقد ساهمنا كذلك فينصرته ﷺ في وجه الضالين والمبتدعين، فأفردنا أعدادًا عن صحابته وعن أمهات المؤمنينوعن رفيقه أبي بكر الصديق، ونحسب –ولله وحده الحمد- أننا وقفنا في كل ما عرض لنامن قضايا الأمة وقفة حق وصدق، لم نخش فيها لومة لائم، ولم نرض فيها بالموقفالمائع، وتجاوزنا فيها الخطوط الحمراء التي يفرضها المتسلطون والمتجبرون!
ولهذا، فقدرضينا وسعدنا واحتسبنا عند الله، ما أصابنا من جراء ذلك من حملات تشويه وشيطنةواسعة قامت بها وسائل إعلام عديدة: عربية وأجنبية، وحتى هندية، وليس هذا بعجيب ولاغريب، وقد صدق الشاعر لما قال:
إذا رضيت عنيكرام عشيرتي .. فلا زال غضبانا علي لئامها
ونحن نرضىونحب أن نكون في هذا الموقف، ونرضى أمام الله أن يكون محبونا من فريقنا، وأن يكونمبغضونا من خصومنا، فتلك قسمة نرى أن فيها رضا الله تعالى، وذلك انحياز نزداد بهإيمانا، فحتى يوم الناس هذا لم نر فيمن حاربنا ولا أبغضنا من كنا نحب أن يكونمعنا، ولم نر فيمن أحبنا وانحاز إلينا من كنا نخشى ألا يكون كذلك.. وكما قيل:الطيور على أشكالها تقع!
نسأل اللهتعالى الإخلاص والسداد والرشاد والقبول، وغاية الأمل والمنى أن نندرج في قول اللهتعالى لنبيه {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِوَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِيالْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَبَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُوَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَيَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَالَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَاللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌصَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواأَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 62 - 66].
بقي أن نتوجهبرسالة إلى القارئ الكريم..
هذه المجلةتحتاج منك أمورًا، أقلها: الدعاء للقائمين عليها، وما فوق ذلك فأنت أعلم به! ومايستطيع أحدٌ أن يحيط بإمكانياتك ومواهبك وقدراتك إلا أنت.. فأنت خبير نفسك، وأعلمبما تبذل لله منها!
فمن استطاع أنينشرها فنحتسب عند الله أن يكون له أجر فريق العمل، فالدال على الخير كفاعله!
ومن استطاع أنيترجم ما فيها وينشره إلى ألسنة العالمين فنحتسب عند الله أن يكون له أجر الأمةالتي ترجم إلى لسانها، وكم في الناس من خير مكنوز، وما تدري ماذا يفعل رجل وصلتإليه كلمة خير، كان الحاجز بينه وبينها هو حاجز اللسان واللغة!
ومن استطاع أنيدعم بماله أو بجاهه أو بما تيسر له، فكل ذلك –إن شاء الله- في ميزان حسناته، وخيرالمقامات مقام نصرة النبي ﷺ، فهو حبيب الله، وهو رحمة الله للعالمين..
وآخر دعواناأن الحمد لله رب العالمين..
نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - يونيو 2026


