الصمود الذي غيَّر التاريخ!

 


هذه سطور في فضائل الصمود، ليست حديثا نظريا، بل وقائععملية مُختارة من صفحات التاريخ، نرى فيها كيف أن صمود رجل أو جماعة قليلة في لحظةما، استطاعت تغيير مجرى التاريخ، وتسجيل نتائج حاسمة عاشت لقرون طويلة!

من هذه القلة الصامدة تبدأ التحولات التاريخية الكبيرة،مع أنهم في الأغلب لا يدركون بأنفسهم عظمة ما يصنعون ولا اتساع تأثيره ولا امتدادآثاره عبر القرون!

إن القدرة على المقاومة في لحظة الضعف وانتشار اليأس أمرلا يتمتع به إلا نوادر الناس. وأولئك هم الذين يكونون ملاذ الأمم وبذرة انتهاضهامن جديد! هذا الصنف من الناس هم الذين يصمدون فيقاتلون ويقاومون مهما كانت الظروف،ومهما كانت موازين القوى.

وفي الذروة من هذا الصنف من البشر، أولئك الذين منحهمالنبي ﷺ وسام “سيد الشهداء”، وهو الوسم الذي احتفظ به رجل يقاوم في الظرفالمستحيل، قال ﷺ: “ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”.

إنه الرجل الذي يجابه السلطان الجائر بكلمة الحق، وهويعلم أنه سيموت.. الرجل الذي يقاوم ويعرف أنه سيدفع الثمن لا محالة، وربما يدفعه دونأثر كبير في المعادلة الكبرى.. الاستشهادي الذي سيكون هو أول شهيد في عمليتهالفدائية.. الانغماسي الذي يُلقي بنفسه وسط العدو رجاء أن يُنكِّل بهم ويفتح طريقالأصحابه من بعده.. أولئك الناس الذين يخرجون عن قانون البشر هم الذين يغيِّرونالتاريخ أو يكونون بذرة تغييره!

ولمثل هذا تخشى السلطات والتقنيات الأمنية مما يسمونه “الذئبالمنفرد”.. لهم تسميتهم ولنا تسمية نبينا بأنه “سيد الشهداء”! أولئك الذين يقاومونفي الظروف المستحيلة، كان إيمانهم بقضيتهم أعلى من كل أمل مشهود أو منشود، وفيحالتنا نحن المسلمين، كان إيمانهم بالله وبوعد الآخرة وبالجنة أقوى من كل نتيجةمرتقبة في هذه الدنيا، ولهذا أُطلق على الذين يُقتلون في سبيل الله: شهداء.. أيأنهم شهدوا بأرواحهم على حقيقة الله واليوم الآخرة، وهو أسمى مراتب الإيمانواليقين، فالروح أغلى ما يملكه الإنسان.

أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة هم الذينيمهدون الطريق لمن بعدهم، ولذلك وصفهم النبي بالغرباء.. لأنهم غرباء بين الناسكأنهم ليسوا منهم.

إلا أن هؤلاء هم من يجدد الأمل في نفوس المغلوبين، ويجددالفزع في نفوس الغالبين، يعلنون بأعمالهم هذه أن المعركة لم تنتهِ والاستسلام لميقع، وما زال ثمة أمل للمغلوب، وما زال ثمة خطر يتهدد الغالب! فهم بتضحيتهم هذهيعلنون أن الأمل لم يمت، وأن اليأس لم يهيمن!

والإسلاميُجَهِّز أبناءه ليكونوا على أعلى قدر من الاستعداد والفعالية، لقد حفل القرآنالكريم والسنة النبوية بما ينتشل الإنسان من لحظة الضعف والهزيمة، حين ينهزمبالمعصية أمام نفسه وأمام الشيطان، أو حين ينهزم أمام عدوه من الكافرين، ويمتلئالقرآن بما ينتشل المسلم من اليأس والاستسلام، ويحفزه ويحضه ويحثه على الجهادوالصبر والمثابرة، كما في قوله تعالى ﴿لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّاٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْأَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُلَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]، ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓأَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ﴾ [الزمر: 53]، ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًاصَٰلِحًا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٍ﴾ [الفرقان:70]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْوَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، ﴿لَا يُكَلِّفُٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَمَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].

وتكتظ السنة بهذه المعاني كذلك، فالجهاد ذروة سنامالإسلام،والشهيد في أعلى درجات الجنة حتى ما من أحد يتمنى أن يعود إلى الدنيا بعد دخوله الجنةسوى الشهيد، يريد أن ينال شهادة أخرى،وفي الحديث القدسي يقول ربنا: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفرالذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم”،وأخبر النبي عن ربه أنه لا يزال يغفر لعباده ما داموا يستغفرونه،وأخبر أن الله “يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءالليل”.

هذا هو الأمل الذي لولاه لما كان في المسلمين مجاهد ولاشهيد.. أملٌ عريقٌ راسخٌ من صميم الإيمان لا ينفلت عنه ولا ينفصم، ولهذا كانالإسلام هو الخطر الكبير على الجبابرة والمتكبرين، ولا تزال أحلامهم وآمالهم فيتغيير نصوصه وتحريف معانيه وتأويل كلامه تسيطر على مجهودهم، يريدون أن يبدلوا كلامالله.

نضرب الآن أمثلة من التاريخ على ضرورة الصبر والصمود،وكيف أفضى هذا إلى نتائج فارقة وخطيرة، ليرى العامل لهذا الدين كيف يجب عليه أنيتسلح بالصبر والصمود، لا سيما ونحن الآن في أزمنة استضعاف وهزيمة لا بد لنا فيهامن هذا الصبر والصمود.

 

(1)

أولى الناس بالصبر والصمود من أقاموا الأديان منالأنبياء والمرسلين، لا سيما أولي العزم من الرسل، ومثلهم في هذا الجانب أولئكالزعماء الكبار الذين أسَّسوا دولا وممالك، فإن هذا أمر لا يتم بغير عزيمة هائلةوصبر لا ملل معه ولا نكوص عنه، فما من مؤسس دولة ومملكة إلا وهو آية وقدوة فيالصبر والصمود، وبذلك استطاع أن يقلب أوضاع زمنه وينشئ دولته، ويغير التاريخ فيحياته ومن بعده!

وأعظم هؤلاء قاطبة: نبينا محمد ﷺ، إذ هو الوحيد في تاريخالبشر الذي أقام دينا عظيما، وأقام حضارة عظيمة أيضا، ولهذا وضعه مايكل هارت كأعظمرجال التاريخ، لأنه “نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي، وهو قد دعا إلىالإسلام، ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد13 قرنا من وفاته فإن أثر محمد ﷺ ما يزال قويا متجددا”.

وتتعدد مواقف صموده وصلابته ﷺ في سيرته، فمنها:

§     اشتد ضغط المشركين على أبي طالب ليكف النبي ﷺ، فأرسلإليه أبو طالب في شدة حر الظهيرة، فلما جاءه قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنكتؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماءفقال: “ترون هذه الشمس؟”. قالوا: نعم. قال: “فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أنتشتعلوا منها بشعلة”.

§     حديثه ﷺ لخباب بن الأرت حين جاء إليه يشكو ما نزل بهم منالعذاب، فكأن النبي ﷺ رأى في كلامه بعض الضعف، فقال له: “كان الرجل فيمن قبلكميُحْفَر له في الأرض، فيُجْعَل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُشَقّ باثنتين،وما يصدّه ذلك عن دينه، ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عَصَب، ومايصده ذلك عن دينه، والله لَيتِمَنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلىحضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.

ومن ذلك ما قام به صاحبه وخليفته من بعده، والمؤسسالثاني لدولة الإسلام، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثباته وصلابته الهائلة فيأحداث الردة، وهي الوقفة التي حفظ الله بها الإسلام والمسلمين، فقد أصرَّ رضي اللهعنه على إنفاذ بعث أسامة، لأن النبي ﷺ أوصى بإنفاذه، وأصرَّ على مقاتلة المرتدينجميعا: من انخلع منهم من الإسلام بالكليّة، ومن منع منهم الزكاة، وقال مقالتهالشهيرة: “والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم علىمنعها”، وكانت وقفته هذه من القوة والرسوخ بحيث قال عمر: “فما هو إلا أن رأيت أن اللهشرح صدر أبي بكر رضي الله عنه بالقتال فعرفت أنه الحق”.

 

(2)

كانانتصار الإسلام في موجة الفتوح الأولى كاسحا وهادرًا، ولم تزل قوة المسلمين عظيمةتلقي المهابة في نفوس الأعداء، ولم يحدث أن فكر الروم في استرجاع الشام منالمسلمين إلا بعد ثلاثة قرون، ثم انتهت دون تحقيق كبير نجاح، حتى جاءت موجةالحملات الصليبية في القرن الخامس الهجري، فاستطاعت الحملة الصليبية الأولى أنتحتل الساحل الشامي، وأن تؤسس أربعة إمارات صليبية، كانت مراكزها في: الرهاوأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس.

وجاءتهذه الموجة في وقت عصيب انقسم فيه المسلمون بين خلافتيْن: الخلافة العباسية فيبغداد، والخلافة العبيدية (الفاطمية) في القاهرة، وكان خط الاحتكاك بينهما فيالشام الذي انقسم في الولاء بين العباسيين والعبيديين. ثم إن كلا الخلافتيْن كانتاقد دخلتا في طور من الضعف، فالعباسيون كانوا تحت السيطرة الفعلية للسلاجقة فيماعُرِف بعصر سيطرة السلاجقة، والعبيديين كانوا تحت السيطرة الفعلية لوزرائهم فيماعُرف بعصر الوزراء. ومما زاد في الخطورة أن دولة السلاجقة أيضا قد دخلت في انكسارمفاجئ بعد موت وزيرها الأقوى والأشهر نظام الملك الطوسي، وموت أميرها القوي السلطانملكشاه في شهرين متتالين (رمضان وشوال 485ه)، فترتب على هذا انقسام الدولةالسلجوقية الكبيرة إلى عدة دول، ثم انقسام ولايات الشام بين الأمراء السلاجقةالذين ضربهم التنازع.

فيهذا الوضع الممزق جاءت الحملة الصليبية الأولى..

ومعذلك، فإن النظر في تفاصيل ما جرى من المعارك يشير إلى أن بعض الأمراء لو بذلمزيدًا من الصمود والصبر، لكان مصير الحملة الصليبية هو الفشل، ولو فشلت هذهالحملة الأولى، لظل المسلمون قرنًا آخر على الأقل لا يجرؤ الروم على التفكير فياستعادة الشام منهم، ولكن صبر الساعة المفقود هذا قد أورث الأمة قرنيْن من الكفاحالدامي، والذي كانت له نتائج فارقة في كل التاريخ الإنساني، فإن الحروب الصليبيةهي واحدة من أهم الأحداث الفارقة في تاريخ هذا العالم.

لايسعنا التوقف هنا عند كل اللحظات، ولكن اخترنا من بينها هذه اللحظة:

كانأمير أنطاكية يسمى ياغيسيان، وكان ذا ذكاء وبطولة، ولما سمع بتوجه الجيش الصليبيإليه، خشي من خيانة نصارى أنطاكية، فتحايل على إخراجهم منها حتى تمكن من ذلك، وجاءالجيش الصليبي فظلّ محاصرًا للمدينة تسعة أشهر لم يستطيعوا أن يفعلوا فيها شيئالما أظهره ياغيسيان من القوة والمهارة، حتى هلك أكثرهم موتا وجوعا وعطشا، يقول ابنالأثير واصفا نتيجة هذا الصمود بأن الفرنجة “لو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيهالطبقوا بلاد الإسلام” أي لاحتلوا الكثير من البلدان وليس الشام فحسب.

ولكنالخيانة جاءت من حارس أحد الأبراج، استطاع الفرنجة أن يعدوه بالمال والإقطاع، فخانالمسلمين، وفتح لهم الطريق، فانتهزوا فرصة فاقتحموا البلد من هذا المكان!

هناانهار صمود ياغسيان دفعة واحدة، ففزع واستولى عليه الرعب، وفتح باب البلد وخرجهاربا هائما على وجهه، فكان هروبه هذا، كما يقول ابن الأثير، “معونة للفرنج، ولوثبت ساعة لهلكوا”.

ومن شدةفزعه ورعبه، لم ينتبه إلى ما حصل إلا “لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكانكالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعةفراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالما، ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يُقْتَل،وجعل يتلهف، ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين، فلشدة ما لحقه سقط عن فرسهمغشيا عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه، فلم يكن فيه مسكة فإنه كانقد قارب الموت فتركوه وساروا عنه، واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخررمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية”.

وهكذاسقطت أنطاكية، وانفتح الطريق إلى بيت المقدس!

 

(3)

نجح صلاح الدين في سلسلة انتصارات قوية على جيوشالصليبيين، حتى توَّج ذلك بدرة انتصاراته في معركة حطين التي حطَّم فيها الجيشالرئيسي للصليبيين، ولم يبق بعدها إلا أن يفتح المدن والمعاقل، ففتح بيت المقدس،وسار من فتح إلى فتح، حتى اصطدم بمدينة صور، فحاصرها، وفشل في اقتحامها وتحريرها،لتكون أول إخفاق له بعد سلسلة طويلة من الانتصارات المظفرة!

كان أهم أسباب هذا الإخفاق ذلك الصمود الصلب الذي أظهرهفارس صليبي باسل يدعى كونراد دي مونتفرات، حيث قاد فلول المهزومين من الصليبييناللاجئين إلى صور، وحيث كان العفو الواسع الذي أصدره صلاح الدين عن فرسانالصليبيين وقادتهم –وهذه من أخطائه الفادحة- قد جعل كثيرا من هؤلاء يجددون القوةالصليبية من جديد، ويواجهون بها جيوش المسلمين، ومن هؤلاء كثيرون ذهبوا إلى صوروانضووا تحت قيادة كونراد دي مونتفرات.

أظهر كونراد قيادة ذكية، فأوقع بالأسطول الإسلامي الذيجاء يحاصره من البحر، فضمن بذلك خط إمداد بينه وبين الصليبيين، وصمد حتى دخلالشتاء الذي كان مطيرا باردًا، فاضطر صلاح الدين إلى فكّ الحصار!وتحولت صور إلى مركز المقاومة الصليبية، ومنها انطلقت الأخبار والمبعوثينليستنهضوا ملوك أوروبا في حملة صليبية جديدة،حتى أثمرت جهودهم فجاءت الحملة الصليبية الثالثة ذات الجيوش الهائلة، وانقلب بهاالموقف تماما!! وهكذا “فبفضل هذا الرجل القوي أضحى لصور، الناجية من نكبة الاجتياحالكبرى، في الأيام القادمة دور المنطلق لإعادة الغزو الفرنجي من جديد”.

ليس هذا فحسب، بل يقدر بعض المؤرخين أن صور التي أفلتت “بمايشبه المعجزة” من اجتياح صلاح الدين، كانت نقطة تحول في كل تاريخ الحملاتالصليبية، بحيث أن صلاح الدين إذا استطاع فتحها فلم يكن ليقع حصار عكا، ولا حتىكانت الحملة الصليبية الثالثة قد استطاعت المجيء أصلا!

 

(4)

كانصلاح الدين سخيا في العفو عن الأسرى، بمن في ذلك الملوك والقادة، وقد أتاح هذا لهمفرصة جديدة للانقلاب على عهودهم والتجمع مرة أخرى للانقضاض عليه، وقد دفع جراء ذلكثمنا فادحا ومريرا مع الحملة الصليبية الثالثة، التي هي أقوى الحملات الصليبيةقاطبة.

ومثلماكان صمود كونراد دي مونتفرات نقطة تحول في مسار الحروب الصليبية، فلقد كان صمودصلاح الدين أمام هذه الحملة الرهيبة نقطة تحول كذلك، ففيها اتحد ملوك أوروبا، وعلىرأسهم فريدريك ملك ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا،وأنفقت عليها أموال طائلة من بينها ضريبة خاصة جُمِعت على يد الباباوات، سُمِّيت “ضريبةصلاح الدين”.

استطاعتهذه الحملة استرداد سائر المدن الساحلية من عكا إلى يافا، واستطاعت إنقاذ المدنالتي لم تسقط بعد مثل أنطاكيا وطرابلس، واستماتت في سبيل انتزاع بيت المقدس –الهدفالأساسي الذي خرجت من أجله- التي استمات صلاح الدين في الدفاع عنها، ثم انتهت إلىالصلح الشهير المعروف باسم “صلح الرملة”.

لونظرنا إلى هذه النتائج بعين أوروبا الصليبية وفي ضوء قوة الحملة وضخامتها فهينتائج ضئيلة، وإذا نظرنا إليها بعين المسلمين وفي ضوء موازين القوة فهي حملة خطيرةهددت كل نتائج الجهاد الإسلامي السابق في سبيل تحرير بيت المقدس، وكانت على وشك أنتسترد بيت المقدس مرة أخرى، لولا استماتة صلاح الدين في الدفاع عنها!

لقدأعادت هذه الحملة حالة التوازن من جديد بين المسلمين والصليبيين، من بعد ما كادالمسلمون يزيلون الوجود الصليبي كله، واستطاعت الحملة أن تمدّ في عمر الوجودالصليبي قرنا آخر من الزمان، وهذه النتائج الضخمة الفارقة يمكن أن نعود بها إلىلحظتيْ صمود: لحظة صمود كونراد دي مونتفرات وهو في قلة وضعف أمام قوة صلاح الدينالعاتية، ثم لحظة صمود صلاح الدين وهو في قلة وضعف أمام جيوش أوروبا المتحدة!

 

(5)

أختم بهذا المثال الفارق في موضوع الصمود، وهو صمودالقسطنطينية!

حين بُعث النبي ﷺ كانت القوى العالمية القائمة هي: فارسوالروم، والروم المقصودون هنا هم الروم البيزنطيون، وهم القسم الشرقي منالإمبراطورية الرومانية، فلقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية الضخمة إلى قسمين:القسم الشرقي وعاصمته القسطنطينية (اسطنبول الآن) وديانته المسيحية الأرثوذكسيةولغته اليونانية، والقسم الغربي وعاصمته روما وديانته المسيحية الكاثوليكية ولغتهاللاتينية!

لكن القسم الغربي عصفت به الفوضى، وهاجمته قبائل الشمال،ودخل في طور من الضعف والتمزق، بينما بقيت قوة المسيحية السياسية والعسكريةوالحضارية في القسم الشرقي الذي عاصمته القسطنطينية.

ولما بشَّر النبي ﷺ بفتح القسطنطينية ورومية كان يبشربسيادة الإسلام على العالم المسيحي كله، ولهذا سأل الصحابة: أيها تفتح أولا؟ فقال:مدينة هرقل(أي القسطنطينية). ولهذا اندفع المسلمون إلى فتح القسطنطينية، وقد كانت الأقربإليهم جغرافيا، وظلوا يحاولون فتحها إلا أنها صمدت أمامهم ثمانية قرون، ولم يمكنفتحها إلا في منتصف القرن التاسع الهجري على يد السلطان محمد الفاتح في زمن الدولةالعثمانية.

ماذا ترتب على صمود القسطنطينية ثمانية قرون؟!

ترتب على ذلك أنها وفَّرت الوقت والفرصة للغرب، القسمالغربي من الإمبراطورية الرومانية القديمة، الذي نسميه الآن: أوروبا الغربية،لينهض ويتقوى ويبزغ من جديد.. ومنذ ذلك الوقت، ونحن نعاني من هذا الغرب الويلاتتلو الويلات!

لو أن القسطنطينية لم تصمد كل هذا الوقت، ولو أنهافُتِحت في موجة الفتوحات الأولى في زمن الخلافة الراشدة أو الدولة الأموية، لكانالإسلام قد عمَّ وانتشر في أوروبا كلها: شرقها وغربها، إذ لم يكن ثمة قوة أخرىيمكن أن تقف في وجه الجيوش الإسلامية آنذاك!

وذات الكلام يمكن أن يقال عن صمود فيينا أمام الجيوشالعثمانية، لقد صمدت مرتين في عهد السلطان سليمان القانوني، وهو ذروة الدولةالعثمانية، في عامي (1529، 1532م)، ومرة ثالثة في عهد السلطان محمد الرابع، في عام(1683م). وكان هذا الإخفاق الأخير في فتح فيينا هو بداية الانقلاب والتحول في قوةالدولة العثمانية، التي دخلت من بعد ذلك في طور الجمود! لقد كانت فيينا القلعةالتي احتمت وراءها فرنسا وبريطانيا وبروسيا وإسبانيا، ووفَّر صمودها الوقت والفرصةلهذه القوى الصاعدة الناهضة لتؤسس أنظمتها السياسية والاقتصادية الجديدة التيستجعل منها قوى عالمية ضخمة، ستبتلع فيما بعد الدولةَ العثمانيةَ ذاتَها!

فلو تصورنا أن فيينا قد فُتِحت في زمن سليمان القانونيأو في زمن محمد الرابع، لكان تاريخ الإسلام وأوروبا مختلفا تماما، ولكان الإسلامهو اليد العليا في أوروبا لقرن آخر على الأقل!

وحتى اللحظات الأخيرة في فتح القسطنطينية، كانت المدينةتبدو مستعصية، وقد هلك في فتحها عدد ضخم من الجنود العثمانيين، وعُرِض على السلطانالفاتح ما شاء من الأموال لكي يتراجع عن فتح المدينة، ولكن صموده وإصرارهواستماتته في فتحها هو ما جعل الفتح ممكنًا، ولعل الله قد اطلع على إخلاصه وصدقعزيمته ففتح عليه بهذه الفكرة العسكرية العبقرية التي كانت سببا في الفتح، وهوتسيير السفن فوق الجبل في الخطة العسكرية المشهورة في فتح القسطنطينية، وأيدهبهؤلاء الجنود الأشاوس الأبطال الذين تم على أيديهم النصر.

ولو تخيلنا أن القسطنطينية لم تُفْتَح في زمن الفاتح،لكانت النتائج أشد سوءا بكثير على مستوى انتشار الإسلام في شرق أوروبا، وعلى مستوىقوة الدولة العثمانية ونموها بالنسبة إلى بقية القوى الأوروبية الأخرى في ذلكالوقت.

تلك النتائج الفارقة التي نعيشها وتؤثر في تاريخالإنسانية كله، كانت ثمرة صمود بذله الآحاد من الزعماء، أو العشرات من القادة!

نشر في مجلة أنصار النبي - مايو 20206


الحاكم (4884) وقال: صحيح الإسناد. وصححهالألباني في السلسلة الصحيحة (374).

أحمد (22121)، الترمذي (2616)، وقال: حسن صحيح،النسائي (11394)، ابن ماجه (3973)، وصححه الألباني.

البخاري (2642)، مسلم (1877).

مسلم (2577).

أحمد (11255) بإسناد حسن، الحاكم (7672) وصححهووافقه الذهبي

مسلم (2759).

مايكل هارت، الخالدون مائة أعظمهم محمد ﷺ،ص13.

الألباني، صحيح السيرة النبوية، ص144؛ إبراهيمالعلي، صحيح السيرة النبوية، ص57. وجاءت رواية أخرى ضعيفة السند بذات المعنىولكنها مشتهرة، وهي ما روى عنه ﷺ أنه قال: "يا عم، والله لو وضعوا الشمسفي يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ماتركته".

البخاري (6544).

البخاري (1388)، مسلم (20).

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 9/14 ومابعدها.

ابن شداد، النوادر السلطانية، ص137، 138، 156وما بعدها.

ابن شداد، النوادر السلطانية، ص208؛ ستيفانرنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: السيد الباز العريني، (بيروت: دارالثقافة، 1997م)، 3/19 وما بعدها.

رنيه غروسيه، موجز تاريخ الحروب الصليبية،ترجمة: د. أحمد إيبش، ط1 (أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2014م)، ص66.

ستانلي لين بول، تاريخ مصر في العصور الوسطى،ترجمة: د. أحمد سالم سالم، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2014م)، ص402، 403.

أحمد (6645)، والدارمي (486)، والحاكم (8301)وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on May 05, 2026 14:17
No comments have been added yet.