لماذا جاءت سورة الروم بعد سورة العنكبوت: تأمل في انسجام البناء القراني العجيب!


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلامعلى رسول الله..

تلك كانت كلمة ألقيتها في المعتكف،ليلة السابع والعشرين من رمضان، ثم استحسنها بعض السامعين، ورغب بعضهم فيكتابتها.. فها أنذا أفعل، والله المستعان..

ولقد رُزِقنا بقارئ متقن حسن الصوت،تلا علينا في الركعات الأربعة الأولى هاتيْن السورتيْن، وفتح الله عليه فيهما،فوقع في خاطري هذا المعنى الذي يجمع بين السورتين ويؤلف بينهما على نحو لم أنتبهله من قبل..

سنبدأ الكلام عن مختصر سورة العنكبوت،ثم مختصر سورة الروم، ثم نتكلم في الانسجام بينهما، وفي العلاقة التي تؤلف بينموضوعيهما..

 

(1) سورة العنكبوت

من قرأ سورة العنكبوت ظهر له فيها ملمحواضح، وهي أنها سورة "الابتلاء".. فهي تأخذ في بيان أن الابتلاء سنة منسنن الله، تقع على المؤمنين لتميز الصادق من الكاذب، ولتفصل بين المُدَّعي منالمخلص!

ولذا تراها تبدأ على هذا النحو:

{أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمناوهم لا يُفْتَنون؟!

ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن اللهالذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين.

أم حسب الذين يعملون السيئات أنيسبقونا؟! ساء ما يحكمون.

من كان يرجو لقاء الله فإن أَجَل اللهلآتٍ، وهو السميع العليم.

ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن اللهلغني عن العالمين}

وتمضي الآيات على هذا الخط، فتذكر أولبلاء ينزل بالمؤمن، وهو الذي يأتيه من أهله.. أبيه وأمه وعائلته.. وكيف أن المؤمنمأمور بأن يثبت على الحق الذي عرفه مهما كان ضغط أهله عليه، وفي نفس الوقت يجب أنيكون ثباته هذا منضبطا بغاية التأدب والتهذب والمصاحبة بالمعروف، لعِظَم حق أهلهعليه..

{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرنّعنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون. ووصينا الإنسان بوالديه حُسنا،وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتمتعملون}

وتقف الآيات عند حقيقة الابتلاء، وكيفأنه الاختبار العملي لحقيقة الإيمان.. فالمؤمن حقا هو من يستهين ويستخف بعذابالناس لأنه يؤمن أن عذاب الله أشد وأعظم، وأما غير المؤمن فيظهر منه ذلك إذا وقعبه الأذى من الناس.. اسمع:

{ومن الناس من يقول آمنا بالله. فإذاأُوذي في الله، جعل فتنة الناس كعذاب الله}

وكثير ممن يدّعي الإيمان يحاول أن يظلممسكًا بالطرفين، فهو يظهر حين تأتي المكاسب وينتصر المؤمنون

{ولئن جاء نصر من ربك ليقولُنّ: إناكنا معكم. أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ وليعلمن الله الذين آمنواوليعلمن المنافقين}

ثم تأخذ الآيات في وصف بلاء الأنبياء:نوح وكيف لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، ثمموسى..

ثم ابتلاء محمد صلى الله عليه وسلم،كيف أنه قد كُذِّب مع أن قومه يعلمون تمام العلم أنه لم يكن يكذب، ولا كان يعرفالقراءة ولا الكتابة، وأن الذي جاء به من الآيات يُدهش العقول..

ولم يقتصر تكذيبه هذا على قومه، بلكذَّبه أيضا أولى الناس أن يؤمنوا به، وهم أهل الكتاب، وذلك لما عندهم من العلمبالكتاب..

{وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذينآتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون.

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطهبيمينك، إذًا لارتاب المبطلون.

بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتواالعلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون}

ثم تأخذ السورة في طمأنة المؤمنين:

طمأنتهم بأن العذاب سيحل بالكافرين{يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}

وطمأنتهم بأن في الأرض متسعا إذا ضاقتبهم بلدهم  {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضيواسعة فإياي فاعبدون}

وطمأنتهم بأن الموت سيأتي على الجميع{كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}

وطمأنتهم بأن الجنة في انتظارهم{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا، تجري من تحتها الأنهار،خالدين فيها، نعم أجر العاملين}

وطمأنتهم أن الرزق مكفول.. فالله يرزقالدواب مهما ضعفت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم}..

ثم تختم السورة بالتأكيد على أن الجهادسبيل المؤمنين، به تنفتح معهم سبل الهداية، وبه يتغير الحال، وينقلب البلاء إلىتمكين {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}

 

(2) سورة الروم

وأما سورة الروم، فحديثها حافل عن آياتالله في كونه.. وكأن قارئها قد انغمر في مشهد كوني هائل من الآيات التي بثها اللهفي عباده.. فهم يرونها ويعيشونها وإن غفلوا عنها..

وهذه الآيات الحافلة الكثيرةالمنهمرة.. يبصر المرء فيها أمورا واضحة تشير إليها:

الأول: أنها دالة على الله ووجودهوحكمته وإحاطة علمه وإحكامه لخلقه وتدبير أمورهم.. فما يكاد يتعرض المرء لهذهالآيات بقلبه حتى يشهد أنه مخلوق ضعيف ضئيل عاجز أمام مشهد عظيم هائل، لا يصنعهإلا الإله العظيم العليم.

الثاني: أنها حافلة بمشاهد التقلبوالتغير والتبدل.. فالليل ينقلب نهارا، والتراب يصير بشرا، والحي يخرج من الميت،والميت يخرج من الحي، والأرض التي كانت جدباء نزل عليها الماء فأنبتت، والسماءالتي كانت صافية انبثت فيها الغيوم ونزل منها المطر.. أمورٌ لا تكف عن التبدلوالتنقل والتحول!!

الثالث: أنها كلها ذات أجل.. ما تلبثأن تنتهي مهما طالت، وما تلبث أن تنقضي مهما بدا أنها استقرت واستمرت.. فسائر أمورالدنيا مهما كانت ضخمة وقوية وراسخة فإنها لحظات سريعة في عمر التاريخ.. ستطوىصفحتها وإن غرَّت الناس باستقرارها..

وهكذا ترى سورة الروم تأخذ في هذاالمسار منذ آيتها الأولى وحتى الأخيرة..

تبدأ بمشهد انتصار الفرس على الروم،والذي بدا في وقته انتصارا كاسحا ساحقا.. لقد اكتسح الفرس أرض الروم حتى حاصرواعاصمتهم القسطنطينية، فما من أحدٍ عاش في ذلك الزمن إلا وظنّ أنه يكتب الصفحةالأخيرة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية..

فلما نزل القرآن يقول بأن الأمرسينقلب، كان ذلك مدهشا بل هو يشبه الجنون، حتى قال المؤرخ الشهير إدوارد جيبون وهويصف تلك اللحظة: «تنبأ محمد في خضم الانتصارات الفارسية بأن رايات الرومان ستعودترفرف مرة أخرى، وفي ذلك الوقت لم يكن شيء أبعد من تحقق هذه النبوءة».

ثم تأخذ الآيات في إدانة من ينخدعونبالمظاهر {وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرامن الحياة الدنيا}

فتأمل كيف وصفهم بالعلم ووصفهم بالجهلمعًا.. فهم جهال لأن علمهم مقتصر على "ظاهر" الحياة الدنيا.. وبذلكصاروا "لا يعلمون" مع أنهم "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا".

وتأتي على ذلك بالأدلة.. الأدلة منالنفس، والأدلة من التاريخ..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق اللهالسموات والأرض وما بينهما إلا بالحق (وأجل مسمى) وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهملكافرون؟!

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانعاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مماعمروها}

فأين ذهب هذا كله؟.. لقد انقضىوانتهى..

هذه الحياة القصيرة، حياة النفسالواحدة، تتمثل فيها ذات السنة التي تحكم الحياة الطويلة، حياة الحضارات.. كل شيءفي هذه الحياة له (أجلٌ مسمى).. ومهما بلغ قومٌ من القوة والهيمنة والتمكن وإقامةالعمران الهائل، فإنهم لم يستطيعوا أن يخرقوا هذه السنة، ولا أن يطيلوا فيأعمارهم.. بل مات الجميع، وانقضت الحضارات!!!

ثم يأتي دفق الآيات منهمرا.. {فسبحانالله حين تمسون وحين تصبحون}

وتبدأ مجموعة منها بقوله {ومن آياته}..فتأخذ الأنظار نحو الحي الذي يخرج من الميت، والميت الذي يخرج من الحي، والأرضالتي تخصب من بعد جدب..

وهذا الرجل الذي يبدو قويا ويستطيعالحياة بنفسه كيف لا تسكن نفسه ولا تستقر إلا إذا اتخذت زوجة أنثى تبدو ضعيفة، فهوفي حاجة إليها كمثل –أو بأكثر من- حاجتها إليه!

وهذه السموات والأرض، وهذه اللغاتالكثيرة..

وهذا الاتفاق بين البشر مهما تباعدتديارهم واختلفت طباعهم وثقافاتهم على النوم بالليل والسكون فيه، وعلى العملبالنهار والسعي فيه..

وهذا البرق الذي يجتمع فيه، في اللحظةالواحدة: الخوف والرجاء.. الخوف من صعقة الموت، والرجاء في أنه مقدمة للمطر الذييحيي الأرض..

وتستمر الآيات القرآنية في وصف الآياتالكونية: السفن التي تسير في البحر، الرياح التي تدفعها، السحب التي تتجمع لتنزلالمطر، الإنسان الذي يبدأ ضعيفا ثم يقوى ثم يضعف مرة أخرى..

وفي ثنايا هذه الآيات حديث عن الإنسانوإفساده في الأرض {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعضالذي عملوا لعلهم يرجعون}

وحديث عما هو فيه من النزق والجزع{وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريقمنهم بربهم يشركون}، {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم سيئة بما قدَّمتأيديهم إذا هم يقنطون}، {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون}..

وهكذا.. ترى سورة الروم وهي تأخذ أنظارالناس إلى هذه الدنيا الحافلة بآيات الله.. تدل على علمه وحكمته، كما تدل علىقدرته وهيمنته، كما تدل على أن هذا كله إنما يتبدل ويتحول ويتغير..

وتُختم السورة بخلاصتيْن:

1.   خلاصة عن الكافرين، أنهم مهما تعددتالمشاهد والآيات أمامهم فإنهم لا يؤمنون، ولذلك طبع الله على قلوبهم.

2.   وخلاصة هي توجيه للمؤمنين ألا تغرهمالمظاهر، وألا تضغط عليهم كثرة هؤلاء الماديين المنخدعين بها، ولا يستسلموا لسطوتهم..اسمع:

{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلمثل، ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون. كذلك يطبع الله علىقلوب الذين لا يعلمون. فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}

 

(3) التناغم والانسجام بين سورتيالعنكبوت والروم

بقي الآن أن ننظر في هذا الترابطوالتآلف بين سورتي العنكبوت والروم..

نبدأ من آيتيْن في السورتيْن، هما قريبتانمن بعضهما جدًّا، حتى في اللفظ.. وذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت {ليكفروا بماآتيناهم، وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. وقوله في سورة الروم {ليكفروا بما آتيناهم،فتمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

إن في العديد من سور القرآن آياتمتشابهة جدا، تستحق أن تكون موضوعات للبحث في باب التناغم والانسجام في بناءالقرآن.. ولا أدري إن كان أحدٌ اهتم بهذا الأمر أم لا.. ولكنه يبدو بابا ثرياوعميقا..

هاتان الآيتان معناهما ظاهر: هذهالحياة الدنيا ابتلاء، وفيها يعطي الله الناس ويؤتيهم من النعم والإمكانياتوالقدرات ما يكون اختبارا لهم، فإذا بهذه النعم حين يكفر بها أصحابها ويتخذونهاللمتعة العاجلة وحدها، تكون سببا للعذاب..

فتأمل هنا كيف ارتبط معنى الابتلاءبالنعم على الوجهيْن اللتيْن تناولتهما السورتان..

1.   في العنكبوت التي هي سورة الابتلاء..أشير إلى أن النعم أيضا ابتلاء!

2.   وفي الروم التي هي سورة النعموالآيات.. أشير إلى أن الغرق في هذه النعم والتمتع بها دون فهم ما وراءها من الإلهالقادر الحكيم، هو من التعلق بالمظاهر الخداعة، وهو من الاغترار بالدنيا!

ثم تأمل أيضا كيف أن صيغة الخطاب فيسورة العنكبوت، وهي التي تخاطب المؤمنين، كانت صيغة الغائب.. فهي حديث عن القومالكافرين {وليتمتعوا، فسوف يعلمون}.. بينما صيغة الخطاب في سورة الروم، التي تخاطببالأساس المتعلقين بالمظاهر كانت بالمُخاطَب {فَتَمتَّعوا، فسوف تعلمون}.

وقريب من هاتين الآيتين في التشابهأيضا، قوله تعالى في العنكبوت {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يأسوا منرحمتي، وأولئك لهم عذاب أليم} وفي سورة الروم {وأما الذين كفروا بآياتنا ولقاءالآخرة فأولئك في العذاب محضرون}..

فتأمل كيف كان حضور الآخرة ولقاء اللهمناسبا لأهل الإيمان والابتلاء ليتصبروا في الدنيا وليستهينوا بما فيها من العنتفلا ييأسوا من رحمة الله في الدنيا ولا في الآخرة.. وكان كذلك تحذيرا لأهل التعلقبالدنيا والانشغال بها من أنهم يغفلون عنه، وأنهم يعرضون أنفسهم للعذاب!

وفي السورتيْن خطٌّ ناظمٌ عامٌ، وهو:الزمن.. كيف ذلك؟!

إنك إن تأملت رأيت سورة العنكبوت تفيدمعنى واضحا يقول: البلاء مهما بدا طويلا فإنه قصير.. والطغاة الجبابرة مهما تمكنوازمنا فإنه في الحقيقة ضئيل..

فسورة العنكبوت تبث في نفس قارئها أنآلة الزمن تعمل بسرعة.. ما يلبث الطغاة أن ينتقلوا ويتبدلوا ويذهبوا مع ريح الزمانوتنطوي صفحاتهم مع التاريخ..

وأما سورة الروم، فهي تضرب المثلبهؤلاء الذين لم يفهموا هذا المعنى وتعلقوا، أو بالأحرى: وعلقوا بزمنهم الحاضرولحظتهم الآنية، فغفلوا عن الزمن، فاغتروا وخُدِعوا، ولن يستفيوا إلا يوم القيامةحين تكون الصدمة الصاعقة..

تأمل في سورة العنكبوت تجد أنها علىهذا النحو..

حكايات سريعة عن الأنبياء، ليس فيهاحوار بين الأنبياء وأقوامهم، وليس فيها أخذ ورد وجدال.. إلا عبارة أو عبارتيْن معإبراهيم ولوط!

حتى نوح، أطول الأنبياء عمرا، انطوتحكايته كلها في آيتين {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسينعاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}

كيف انطوت ألف سنة في عبارتيْنسريعتيْن هكذا؟!.. ذلك الذي أقوله لك في معنى الزمن كما يظهر في سورة العنكبوت..آلة زمن سريعة، وصورٌ متتابعة!

{وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال: يا قوماعبدوا الله وارجو اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فكذبوه فأخذتهم الرجفةفأصبحوا في دارهم جاثمين}

ثم تتابع الصور.. الحكايات الطويلة توجزفي كلمات..

{وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم،وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسىبالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}

حتى العقوبات التي نزلت بالمكذبين،جاءت على هذا النحو من السرعة..

{فكلًا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلناعليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا بهم الأرض، ومنهم من أغرقنا،وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}

حتى قصة إبراهيم، لا تذكر الآياتحوارا، بل يقول إبراهيم ما عنده من الرسالة، ثم تأخذ الآيات في إدانة الذين غفلواعن مبتدأ الخلق ومنتهاه {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على اللهيسير . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ، ثم الله ينشيء النشأة الآخرة،إن الله على كل شيء قدير}.

ثم تُختم قصص الأنبياء بهذه الآيةالعجيبة {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهنالبيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهوالعزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}

هكذا إذن.. سائر ما فعله هؤلاء الطغاةمن الحضارات والعلوم والعمران والقصور المشيدة والآثار المهيبة، ليس في ميزانالزمن الحقيقي عند الله إلا كبيت العنكبوت!!

العنكبوت الذي يرهق نفسه في تشييدبيته، فهو يعمل فيه ليل نهار، فما تلبث أن تأتي نسمة من الهواء، أو غمزة إصبع منطفل، حتى تطيح ببنيانه كله في غمضة عين، إنما هو {أوهن البيوت}!!

وكان الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله،كتب في مذكراته يقول: سمّى الله السورة التي ذكر فيها الطغاة بسورة العنكبوت، ليدلعلى هذا المعنى!

فالقصد هنا أن قارئ سورة العنكبوت-التي تتحدث عن الابتلاء- يرى نفسه إزاء مشهد الزمان الذي سرعان ما ينتقل ويتغير،والطغاة الذين يتتابعون في آية وبعض آية.. فما هم إلا كالعناكب التي اجتهدت أنتبني بيوتها، وهي تحسبها خالدة تالدة، فما هي حتى صاروا أحاديث، وطويت صفحاتحضاراتهم، وصار عمرانهم بين مهدوم ومطمور ومطموس ومخرب.. وحتى ما بقي منه شاخصا،إنما بقي آية ودليلا وعبرة، تخبر الناس أن بناة هذا كله قد بادوا وماتوا، ولميستطيعوا أن يخلدوا ولا أن يتمتعوا بما صنعوه!

وأما سورة الروم.. فهي تتوقف عند القومالذين علقوا في لحظتهم الحاضرة وغفلوا عن الحياة الآخرة.. فالزمن متضخم في أذهانهموضمائرهم، يحسبون أنه كل الزمن، ويحسبون الحياة الدنيا هي كل الحياة.. فلذلك أخذتالسورة تلفت نظرهم إلى ما في هذه الحياة الحاضرة نفسها من آيات ضخمة يجب أن تدلهمعلى أنها حياة فانية ومتحولة، وأنها تدلهم على خالق حكيم عليم قد صنع هذه الآيات..

{أولم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق اللهالسموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى؟! وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهملكافرون.

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانعاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مماعمروها؟! وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أنكذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليهتُرجعون}

ولذلك جاءت الآيات الكونية صريحة في أنالله هو الخالق {فسبحان الله.. يخرج الحي.. ويخرج الميت.. ومن آياته.. خلقكم.. خلقلكم.. يريكم.. وله من في السموات والأرض.. يبدأ الخلق ثم يعيده.. له المثلالأعلى.. الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم}.. وهكذا!

وحتى الإشارة إلى أن الربا مما يكرههالله (لاحظ أن سورة الروم مكية، ولم يكن الربا قد حرم) جاءت على هذه الصيغة {وماآتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس، فلا يربوا عند الله}.. فتأمل في أن القرآن،ومنذ العهد المكي، ينصب ميزانيْن: ميزان الدنيا وميزان الله.. فالمال الذي يبدوكثيرا في ميزان الدنيا ليس كذلك في ميزان الله، بل العكس صحيح {وما آتيتم من زكاةتريدون وجه الله، فأولئك هم المُضْعِفون}.. فالذي يقرض بالربا لن يجد ذلك في الآخرة،ولكن الذي يتصدق فيبدو كأنه خسر ماله في الدنيا فهذا الذي سيجده مضاعفا يومالقيامة!

حتى من ظنَّ أن الانشغال بالدنيا سينتجعمارتها ونهضتها، تأتيه الآية فتقول {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيديالناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}.. فصلاح الدنيا وعمارة الأرض علىالحقيقة لن تكون صحيحة ونافعة إلا لو كانت على يد الذين ينشغلون بالآخرة!!

لقد صوَّر الله المنشغلين بالدنياتصويرا غريبا.. صَوَّرهم كالموتى! وكالعُمْي الذين ينطلقون هاربين، وكالصُمِّالذين لا يسمعون {فإنك لا تُسمع الموتى، ولا تُسمع الصمّ الدعاء إذا ولَّوْامدبرين . وما أنت بهادِ العمي عن ضلالتهم، إن تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهممسلمون}.

ثم تأتي الآية التي تقرب صورة الحياةكلها بأقرب تشبيه.. فالدنيا كلها مثل الإنسان الواحد، {الله الذي خلقكم من ضعف، ثمجعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة}.. قانون الزمن لا يقف له أحد..

لو كان أحدٌ يملك أن يقبض على الدنيالكان أهون عليه أن يقبض على أيامه هو، وأن يمنع فِعْل الزمن في نفسه هو.. لو أنهاستطاع أن يمنح جسده القوة ليكبر، أو يمنع جسده من أن ينحط إلى الشيخوخة بعدماكبر، لو أنه استطاع ذلك فلربما كان مفهوما أن يفكر في أن يحتفظ بالدنيا ويقبضعليها.. ولكن هيهات!

من عجز عن تدبير أمر نفسه وجسده فهوعما فوقها أعجز وأصغر وأضأل وأقل!

ولقد سمعت بعض إخواننا ومشايخنا يذكرأن سر تسمية هذه السورة بسورة الروم هو هذا المعنى: الغربيون (وهم الروم) هم أصحابالحضارة المادية التي غرقت في متع الدنيا وملذاتها، ولم تحفل كثيرا بالدارالآخرة.. فطالما أنهم أقوياء متمكنون فهم يتشربون الدنيا ويترعون بها، ولا يفكرونفي الآخرة.. منذ اليونان والرومان وحتى نسختهم الحديثة المعاصرة!

وهذا القول لمع في ذهني حين لاحظت أن سورةالروم هي السورة الوحيدة في كتاب الله التي جاءت فيها آية تقرن العلم بالإيمان،لأن العلم وحده بغير إيمان إنما يكون سببا في الغفلة والانشغال بالدنيا، فحينيتفاجأ المنشغلون في الدنيا بيوم القيامة يسمعون هذه العبارة {وقال الذين أوتواالعلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتملا تعلمون}

وهنا يتذكر المرء الآية التي في أولالسورة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا}.. فهؤلاءالذين أوتوا العلم بالدنيا، ولم يكن عندهم إيمان فوجئوا بالحقيقة الصادمةالصاعقة.. يوم البعث..

ولكن، كيف شعروا ساعتها؟!

هذا ما تخبرنا به الآية السابقة: {ويومتقوم الساعة، يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}..

ها هي الآن حقيقة الزمن.. الزمن فيميزان الدنيا، والزمن الحقيقي.. سيكتشف الذين انشغلوا بالدنيا أنها كانت قصيرة..قصيرة جدا جدا.. بل إنهم سيُقسمون على ذلك! ويا لها من صدمة ومن صعقة ومن هول رهيبوموقف شديد شديد شديد!!

وهكذا يأتي الختام {فاصبر إن وعد اللهحق. ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}..

تلك الحياة هي معركة بين الذين يوقنون،والذين لا يوقنون.. من يوقنون بأن الزمن أوسع من اللحظة الحاضرة، وأن المنتهى فييوم القيامة، ولهذا فهم يصبرون على البلاء ولا تغرهم الحياة ولا يستخفنهم سطوةالذين علوا في الأرض..

إن حقيقة البلاء وحقيقة الصبر مكنونةفي حقيقة الإيمان بأن هذه الدنيا ساعات، وأن هذا البلاء ساعات، وأن الأجر يقينًاموجود في يوم القيامة.. وكما قال الإمام ابن القيم: بالصبر واليقين تُنال الإمامةفي الدين، كما قال تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوابآياتنا يوقنون}.


نشر في مجلة أنصار النبي  ﷺ  - إبريل 2026م

1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on April 02, 2026 14:04
No comments have been added yet.