إشكاليات القراءة وآليات التأويل Quotes

Rate this book
Clear rating
إشكاليات القراءة وآليات التأويل إشكاليات القراءة وآليات التأويل by Nasr Hamid Abu Zaid
116 ratings, 3.87 average rating, 7 reviews
إشكاليات القراءة وآليات التأويل Quotes Showing 1-3 of 3
“أي قراءة لا تبدأ من فراغ, بل هي قراءة تبدأ من طرح أسئلة تبحث لها عن إجابات. وسواء كانت هذه الاسئلة التي تتضمنها عملية القراءة صريحة أو مضمرة, فالمحصلة في الحالتين واحدة وهي أن طبيعة الاسئلة تحدد للقراءة آلياتها. ويكون الفارق بين السؤال المعلن والسؤال المضمر أن آليات القراءة في الحالة الأولي تكون آليات واعية بذاتها وقادرة علي استنبات أسئلة جديدة تقوم بدورها بإعادة صياغة آليات القراءة, وبذلك تكون القراءة منتجة. أما آليات القراءة في حالة السؤال المضمر فتكون آليات مضمرة بدورها, تتظاهر غالباً بمظهر الموضوعية لإخفاء طابعها الأيديولوجي النفعي وتقع من ثم في أسر ضيق النظرة والتحيز غير المشروع. وأحياناً ما تتعقد القراءة فتطرح بعض الاسئلة وتضمر بعض الاسئلة وعلي ذلك تزدوج آلياتهاوتتناقض فتكون قراءة منتجة علي المستوي الجزئي ومتحيزة أيديولوجياً علي المستوي الكلي العام”
نصر حامد أبو زيد, إشكاليات القراءة وآليات التأويل
“إن دراسة التراث مهمة تحوطها صعوبات عديدة، أخطر هذه الصعوبات عدم الوعي بأن موقفنا الراهن من واقعنا يحكم نظرتنا لهذا التراث، ويلون حكمنا عليه، ولقد انتهت -تقريباً- من أفق حياتنا الثقافية النظرة التقديسية للتراث، تلك النظرة التي تراه كمالاً كله، وجمالاً كله، وتراه كتلة واحدة لا تمايز بين اتجاهاته وعناصره. منذ ألقى "طه حسين" في أفق حياتنا الثقافية قنبلة "في الشعر الجاهلي". لم يكف وعي المثقف العربي عن التساؤل عن ماهية التراث وعن علاقته به. ولقد تأسس -منذ ذلك الحين- وعي جديد مؤداه أن الماضي -شأنه شأن الحاضر- ليس خيراً كله، بل هو مزيج من الخير والشر، من الخطأ والصواب، من عناصر التقدم وقوى التخلف. وانه -شأن مجتمعنا الراهن- يقوم على الصراع بين هذه العناصر. ومن ثم انتفت نظرتنا السكونية إلى التراث لتحل محلها نظرية ديناميكية ... (انظر على سبيل المثال، لا الحصر، "صراع اليمين واليسار ف الإسلام" لأحمد عباس صالح، "الحركات السرية في الإسلام" لمحمود إسماعيل، "محمد رسول الحرية" لعبد الرحمن الشرقاوي).

غير أن هذه النظرة الديناميكية -بوعيها الجديد وموقفها العملي مع عناصر الخير والتقدم والصواب- ما زالت- على المستوى النظري- محجوبة عن قانون العلاقة الجدلية بين الحاضر والماضي. وما زالت تدور في إطار الوهم التقليدي الذي يفصل بين الموقف الراهن للمفكر وبين رؤيته لتراث أمته. ما زال مفكرو هذا الاتجاه الجديد يظنون أنهم يقدمون صورة "موضوعية" للتراث والماضي وهم في هذا الوهم لا يحققون تميزهم الكامل عن الاتجاه التقليدي الذي يرفضونه في واقع الأمر. إن مفكري هذا الاتجاه -بكلمات أخرى- يناقضون أنفسهم حين يسلمون بإمكانية "الدراسة الموضوعية" للماضي كما لو كان الماضي شيئاً محايداً مستقلاً عن وعينا الحاضر وموقفنا الراهن. أن للماضي وجوده المستقل دون شك بمعنى أن له وجوداً تاريخياً في الماضي (وجوداً بالمعنى الأنطولوجي)، أما بالمعنى المعرفي (الابستمولوجي) فالماضي مستمر يشكل الحاضر، كما يعيد وعينا الراهن إعادة تشكيله.

إن العلاقة بين الماضي والحاضر -بهذا الفهم- علاقة جدلية، وكذلك العلاقة بين التراث والباحث. لا يكفي أن يتبنى الباحث في تراثه الاتجاهات التقدمية الخيّرة، بل عليه أن يعي -بنفس الدرجة- جدلية علاقته مع هذا التراث، وأن يتخلص من وهم النظرة الموضوعية، أن أهمية هذا الوعي تضع أساساً "موضوعياً" لموقف الباحث من التراث؛ أنها تؤصل اختياره بدلاً من أن تجعله في منطقة "الأهواء" و"النوازع" و"الأغراض الشخصية"، وهي الاتهامات التي يوجهها عادة من يعتبرون أنفسهم سدنة للتراث، وأصحاب الحق الوحيد في فهمه وتفسيره. إن هذا الوعي -من جانب آخر- يكون قادراً على كشف الأساس النظري لموقف "الآخرين" من التراث. إنه يفسر "فهمهم الخاص" أو "تأويلهم" الذي يعتبرونه "الفهم" الوحيد و"التفسير الصحيح".

إن رفض وهم "الفهم الموضوعي" هو نقطة الانطلاق الأولى للتحكم في الأهواء والنوازع والأغراض، ومواجهتها بدلاً من تركها تعمل في الخفاء. وهذا الوعي يُمَكِّن الباحث من السيطرة على موقفه وفهمه وتقنينه، مما يعطي رؤيته بعداً أعمق، ويجنبه مزالق الشطح والوثب والربط الميكانيكي بين الظواهر.

انطلاقاً من الوعي بهذه العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر، وبين الباحث وموضوعه، لا بد من التسليم -مع لوى آلتوسير- بأنه "لا توجد ثمة قراءة بريئة".

يبدأ الباحث من موقعه الراهن وهمومه المعاصرة محاولاً إعادة اكتشاف الماضي، والباحث في هذه الحالة يسلم بما يربطه بالماضي من علاقة جدلية، وينطلق من حق الحاضر في فهم الماضي في ضوء همومه، كما أنه يسلم بأن هذا الماضي ليس كتلة واحدة، وإنما هو اتجاهات، تعكس قوى ومصالح طبقات. وهو -من ثم- يفتش في اتجاهات الماضي عن سند لموقفه الراهن. إنه بكلمات أخرى لا يتبنى الماضي ككل، قدر ما يختار منه نافياً بعض عناصره ومثبتاص بعضها الآخر. إن الماضي في هذه الرؤية له استمرار في الحاضر، وإن يكن استمراراً غير تشابهي”
نصر حامد أبو زيد, إشكاليات القراءة وآليات التأويل
“نحتاج في هذه القراءة إلى تأكيد حقيقة مهمة لا نمل من تكرارها وتأكيدها؛ حقيقة ترتبط بطبيعة العلاقة بين التراث - في أي مجال من مجالاته المتعددة - ووعينا المعاصر؛ إذ ليس للتراث وجود مستقل خارج وعينا به، وفهمنا إياه. ووجوده المستقل -إن صحَّ له هذا الوجود- إنما يتمثل في شكل من أشكال الوجود الفيزيقي العيني الذي يمكن أن يُدْرّك بالحس ويخضع لمقاييس الفراغ المكاني الذي يحتله على رفوف المكتبات في شكل مجلدات مطبوعة أو مخطوطة. وليس هذا الوجود العيني هو ما يعنينا؛ وإنما الذي يعنينا وجوده في معرفتنا وفي وعينا الثقافي. وهذا الوجود في الوعي هو الذي نصفه بعدم الاستقلال؛ وكيف يوصف التراث بالاستقلال عن الوعي المعاصر، وهو لا يوجد إلا فيه وبه؟”
نصر حامد أبو زيد, إشكاليات القراءة وآليات التأويل