“إن دراسة التراث مهمة تحوطها صعوبات عديدة، أخطر هذه الصعوبات عدم الوعي بأن موقفنا الراهن من واقعنا يحكم نظرتنا لهذا التراث، ويلون حكمنا عليه، ولقد انتهت -تقريباً- من أفق حياتنا الثقافية النظرة التقديسية للتراث، تلك النظرة التي تراه كمالاً كله، وجمالاً كله، وتراه كتلة واحدة لا تمايز بين اتجاهاته وعناصره. منذ ألقى "طه حسين" في أفق حياتنا الثقافية قنبلة "في الشعر الجاهلي". لم يكف وعي المثقف العربي عن التساؤل عن ماهية التراث وعن علاقته به. ولقد تأسس -منذ ذلك الحين- وعي جديد مؤداه أن الماضي -شأنه شأن الحاضر- ليس خيراً كله، بل هو مزيج من الخير والشر، من الخطأ والصواب، من عناصر التقدم وقوى التخلف. وانه -شأن مجتمعنا الراهن- يقوم على الصراع بين هذه العناصر. ومن ثم انتفت نظرتنا السكونية إلى التراث لتحل محلها نظرية ديناميكية ... (انظر على سبيل المثال، لا الحصر، "صراع اليمين واليسار ف الإسلام" لأحمد عباس صالح، "الحركات السرية في الإسلام" لمحمود إسماعيل، "محمد رسول الحرية" لعبد الرحمن الشرقاوي).
غير أن هذه النظرة الديناميكية -بوعيها الجديد وموقفها العملي مع عناصر الخير والتقدم والصواب- ما زالت- على المستوى النظري- محجوبة عن قانون العلاقة الجدلية بين الحاضر والماضي. وما زالت تدور في إطار الوهم التقليدي الذي يفصل بين الموقف الراهن للمفكر وبين رؤيته لتراث أمته. ما زال مفكرو هذا الاتجاه الجديد يظنون أنهم يقدمون صورة "موضوعية" للتراث والماضي وهم في هذا الوهم لا يحققون تميزهم الكامل عن الاتجاه التقليدي الذي يرفضونه في واقع الأمر. إن مفكري هذا الاتجاه -بكلمات أخرى- يناقضون أنفسهم حين يسلمون بإمكانية "الدراسة الموضوعية" للماضي كما لو كان الماضي شيئاً محايداً مستقلاً عن وعينا الحاضر وموقفنا الراهن. أن للماضي وجوده المستقل دون شك بمعنى أن له وجوداً تاريخياً في الماضي (وجوداً بالمعنى الأنطولوجي)، أما بالمعنى المعرفي (الابستمولوجي) فالماضي مستمر يشكل الحاضر، كما يعيد وعينا الراهن إعادة تشكيله.
إن العلاقة بين الماضي والحاضر -بهذا الفهم- علاقة جدلية، وكذلك العلاقة بين التراث والباحث. لا يكفي أن يتبنى الباحث في تراثه الاتجاهات التقدمية الخيّرة، بل عليه أن يعي -بنفس الدرجة- جدلية علاقته مع هذا التراث، وأن يتخلص من وهم النظرة الموضوعية، أن أهمية هذا الوعي تضع أساساً "موضوعياً" لموقف الباحث من التراث؛ أنها تؤصل اختياره بدلاً من أن تجعله في منطقة "الأهواء" و"النوازع" و"الأغراض الشخصية"، وهي الاتهامات التي يوجهها عادة من يعتبرون أنفسهم سدنة للتراث، وأصحاب الحق الوحيد في فهمه وتفسيره. إن هذا الوعي -من جانب آخر- يكون قادراً على كشف الأساس النظري لموقف "الآخرين" من التراث. إنه يفسر "فهمهم الخاص" أو "تأويلهم" الذي يعتبرونه "الفهم" الوحيد و"التفسير الصحيح".
إن رفض وهم "الفهم الموضوعي" هو نقطة الانطلاق الأولى للتحكم في الأهواء والنوازع والأغراض، ومواجهتها بدلاً من تركها تعمل في الخفاء. وهذا الوعي يُمَكِّن الباحث من السيطرة على موقفه وفهمه وتقنينه، مما يعطي رؤيته بعداً أعمق، ويجنبه مزالق الشطح والوثب والربط الميكانيكي بين الظواهر.
انطلاقاً من الوعي بهذه العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر، وبين الباحث وموضوعه، لا بد من التسليم -مع لوى آلتوسير- بأنه "لا توجد ثمة قراءة بريئة".
يبدأ الباحث من موقعه الراهن وهمومه المعاصرة محاولاً إعادة اكتشاف الماضي، والباحث في هذه الحالة يسلم بما يربطه بالماضي من علاقة جدلية، وينطلق من حق الحاضر في فهم الماضي في ضوء همومه، كما أنه يسلم بأن هذا الماضي ليس كتلة واحدة، وإنما هو اتجاهات، تعكس قوى ومصالح طبقات. وهو -من ثم- يفتش في اتجاهات الماضي عن سند لموقفه الراهن. إنه بكلمات أخرى لا يتبنى الماضي ككل، قدر ما يختار منه نافياً بعض عناصره ومثبتاص بعضها الآخر. إن الماضي في هذه الرؤية له استمرار في الحاضر، وإن يكن استمراراً غير تشابهي”
―
إشكاليات القراءة وآليات التأويل
Share this quote:
Friends Who Liked This Quote
To see what your friends thought of this quote, please sign up!
2 likes
All Members Who Liked This Quote
This Quote Is From
Browse By Tag
- love (101906)
- life (80068)
- inspirational (76460)
- humor (44548)
- philosophy (31240)
- inspirational-quotes (29067)
- god (26995)
- truth (24863)
- wisdom (24825)
- romance (24505)
- poetry (23483)
- life-lessons (22776)
- quotes (21229)
- death (20651)
- happiness (19111)
- hope (18689)
- faith (18531)
- inspiration (17599)
- spirituality (15857)
- relationships (15761)
- life-quotes (15663)
- motivational (15588)
- religion (15457)
- love-quotes (15415)
- writing (14997)
- success (14233)
- motivation (13514)
- travel (13364)
- time (12919)
- motivational-quotes (12668)



