الوصيف خالد > الوصيف's Quotes

Showing 1-11 of 11
sort by

  • #1
    “إذا أمعنا النظر الآن في التقييدات التي لا تتناول سوى طبقات معينة في المجتمع، وجدنا أنفسنا أمام وضع جلي بين، لم يخف قط على أحد أصلًا. فمن الطبيعي أن تحسد هذه الطبقات المغبونة أصحاب الامتيازات على امتيازاتهم، وأن تبذل كل ما في استطاعتها لتتحرر من عبئها من الحرمانات الإضافية. وحيثما استحال ذلك برز في قلب هذه الحضارة قدر دائم من الاستياء والتذمر، الأمر الذي قد تترتب عنه فتن خطرة.

    لكن حين لا تكون الحضارة قد تخطت المرحلة التي لا سبيل فيها إلى تلبية مطالب شطر من المشاركين فيها إلا باضطهاد الآخرين، وربما الغالبية، وهذا هو شأن جميع الحضارات اليوم، فإننا نستطيع أن نفهم أن يتفجر قلب المضطهدين عن عداء حاد ومتعاظم للحضارة التي ما كانت لترى النور لولا كدهم وكدحهم، والتي لا يعود إليهم مع ذلك من مواردها سوى حصة ضئيلة للغاية. ولا يسعنا في هذه الحال أن نتوقع وجود استبطان لدى هؤلاء المضطهدين للنواهي الثقافية. وإنما هم بالأحرى على استعداد لعدم الاعتراف بهذه النواهي، وفيهم ميل إلى تدمير الحضارة نفسها، بل إلى إنكار الأسس التي تقوم عليها.

    إن هذه الطبقات لعلى درجة عالية من العداء المكشوف للحضارة بحيث يتعذر على العين، بالمقارنة، أن تفطن إلى العداء الكامن لدى الطبقات المحظوظة أكثر من غيرها. ومن نافل القول أن الحضارة التي تدع عددًا كبيرًا إلى هذا الحد من المشاركين فيها غير راضين وبلا تلبية، والتي لا تترك لهم من منفذ سوى الفتنة، هي حضارة لا أمل لها البتة في الاستمرار، ولا تستأهل ذلك أصلًا.”
    فرويد

  • #2
    كارل ماركس
    “إن حقيقة أن الرأسمالي رقم (1) يملك النقود وأنه يشتري وسائل الإنتاج من الرأسمالي رقم (2) الذي يملكها، في حين أن العامل يشتري وسائل عيشه من الرأسمالي رقم (3) بالنقود التي حصل عليها من الرأسمالي رقم (2) لا يغير في شيء من الوضع الجوهري المتمثل في أن الرأسماليين (1) و(2) و(3)، هم، معًا، مالكون حصريون للنقود ووسائل الإنتاج والعيش. إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا بأن ينتج وسائل عيشه الخاصة، ولا يمكن له أن ينتجها إلا إذا كان يمتلك وسائل الإنتاج؛ الشروط الشيئية للعمل. ومن الجلي منذ البداية أن العامل المجرد من وسائل الإنتاج هو محروم من وسائل العيش أصلًا، مثلما أن الإنسان المحروم، على العكس، من وسائل العيش، ليس في وضع يؤهله لخلق وسائل إنتاج. وهكذا، حتى في العملية الأولى، فإن ما يسم النقود والسلع بميسم رأسمال، منذ البداية، حتى قبل أن يتم تحويلها فعليًا إلى رأسمال، ليس طبيعتها النقدية ولا طبيعتها السلعية، ولا القيمة الاستعمالية، المادية، لهذه السلع كوسائل إنتاج أو وسائل عيش، بل الظرف الذي يجعل هذه النقود وهذه السلع، وسائل الإنتاج هذه ووسائل العيش هذه، تواجه قدرة العمل، المحرومة من كل ثروة مادية، كقوى ذاتية مستقلة، مجسدة كأشخاص في إهاب مالكيها. إن الشروط الشيئية الضرورية لتحقيق العمل مغَّربة عن العامل، وتتجلى كأصنام حُبيت بإرادة وروح من عندها. وباختصار تظهر السلع كشارٍ للأشخاص. فشاري قدرة العمل ليس سوى تجسيد في صورة شخص للعمل المتشيئ الذي يكرس جزءً من نفسه إلى العامل في شكل وسائل عيش كما يٌلحق قدرة العمل الحي لصالح الجزء المتبقي منه، ويُبقي نفسه سليمًا بل حتى أن ينمو متجاوزًا حجمه الأصلي بفضل هذا الإلحاق. ليس العامل هو من يشتري وسائل الإنتاج والعيش، بل وسائل العيش هي من يشتري العامل بغية دمجه في وسائل الإنتاج.”
    كارل ماركس, Das Kapital

  • #3
    “أجد أن الروابط الشعرية - منطق الشعر في السينما - هي مرضية على نحو رائع، إنها تبدو لي ملائمة على نحو مثالي لإمكانية السينما بوصفها أكثر الأشكال الفنية صدقًا وشعرية. يقينا أشعر بالتوافق والانسجام معها أكثر مما أشعره مع الكتابة التقليدية المتكلفة التي تربط الصور من خلال التنامي الطولي، المنطقي على نحو صارم، للحبكة. هذه الطريقة المتفقة على نحو ضاج مع العرف في ربط الأحداث هي عادة تقتضي ضمنًا فرض الأحداث، على نحو استبدادي، امتثالًا لمفهوم نظري تجريدي بشأن الترتيب والنظام. حتى عندما لا يكون الأمر كذلك، حتى عندما تكون الحبكة محكومة وموجهة من قبل الشخصيات فإن المرء يكتشف بأن الروابط، التي توحدها وتجعلها متماسكة، تتكئ على تأويل سطحي لتعقيدات الحياة.

    لكن مادة الفيلم يمكن أن تتزاوج معًا بطريقة أخرى والتي تعمل، قبل كل شئ، على كشف منطق التفكير عند شخص ما. هذا هو الأساس المنطقي الذي سوف يملي تعاقب الأحداث، والمونتاج الذي يصوغها في وحدة كاملة. إن ولادة وتطور الفكر خاضعان لقوانين خاصة بهما، وأحيانا يقتضي ذلك أشكال تعبير مختلفة تمامًا عن أنماط التأمل المنطقي.

    في رأيي، الاستنباط الشعري هو أقرب إلى القوانين التي بواسطتها يتطور الفكر، وبالتالي أقرب إلى الحياة نفسها، من منطق الدراما التقليدية. مع ذلك فإن طرائق الدراما الكلاسيكية هي التي كان ينظر إليها باعتبارها النماذج الوحيدة، والتي لسنوات طويلة قد حددت الشكل الذي فيه يتم التعبير عن الصراع الدرامي.

    من خلال الصلات الشعرية يتم تصعيد وتعميق الشعور، ويصير المتفرج فعالا أكثر. أنه يصبح مشاركا في عملية اكتشاف الحياة، بلا عون أو دعم من قبل الاستنتاجات الجاهزة من الحبكة أو من تلميحات المؤلف المتعذر مقاومتها. تحت تصرفه فقط ما يساعد على اختراق المعنى الأعمق للظواهر المركبة المعروضة أمامه. إن تعقيدات الفكر والرؤى الشعرية للعالم لا ينبغي أن تكون مقحمة في بنية ما هو واضح وجلي. المنطق المعتاد، منطق التعاقبية الطولية، هو على نحو غير مريح مثل إثبات نظرية هندسية. كمنهج هو، على نحو غير صالح للمقارنة، أقل خصوبة فنيًا من الإمكانيات المتاحة من قبل الربط المتصل بالتداعي، والذي يبيح التقييم العاطفي والعقلاني معا. وكم هي مخطئة هذه السينما التي لا تستفيد إلا قليلًا جدا من الإمكانيات المتاحة، والتي لديها الكثير منها لتقديمه. إنها تملك سلطة داخلية تتركز داخل الصورة وتعبر إلى الجمهور في شكل مشاعر، محدثة توترًا في استجابة مباشرة إلى المنطق السردي للمؤلف.

    المنهج الذي بواسطته يرغم الفنان الجمهور على أن يبني من الأجزاء المنفصلة وحدة كاملة، وأن يفكر أبعد مما هو مقرر له، هذا المنهج هو الوحيد الذي يضع الجمهور في مستوى متكافئ مع الفنان في إدراكه للفيلم. وعبر الاحترام المتبادل فقط يكون ذلك النوع من التبادل جديرًا بالممارسة الفنية".

    من كتاب: النحت في الزمن
    ترجمة: أمين صالح”
    أندريه تاركوفسكي

  • #4
    György Lukács
    “إن ثلاث زمر رئيسية تنتج عن هذا الموقف التاريخي [التطورات التاريخية التالية على الثورة الفرنسية واللاحقة على هزيمة ثورة 1848، لجهة علاقتها بالفلسفة]. فالبحث عن الموضوعية هو المسيطر في ميدان نظرية المعرفة، وهناك محاولة لإنقاذ الحرية والشخصية على صعيد الأخلاق، وأخيرًا فإن هناك شعورًا بالحاجة إلى آفاق جديدة في المعركة ضد العدمية، من وجهة نظر فلسفة التاريخ.

    والصلة بين هذا الزمر الثلاث من المشاكل وثيقة جدًا ويتوجب فلسفيًا أن تحل معًا.

    إن مفهوم تبادل التأثير المشترك ولا انفصال المطلق عن النسبي، هذا المفهوم الذي أنشأه هيغل وأقامه ماركس على أسس عادلة، هو وحده القادر على إيجاد حل لزمر المشاكل الثلاث. إن مشكلة موضوعية المعرفة لم تحل إلا بالنظرية الجدلية للوعي الإنساني العاكس لعالم خارجي موجود بشكل مستقل عن الذات، وهذا المذهب هو الذي يجيب أيضًا على المشكلة المطروحة في نظرية المعرفة من قبل وظيفة الذاتية والطابع المطلق لمعرفتها دون إلغاء موضوعية العالم الخارجي. ويظهر الطرح العيني، المادي-الجدلي للمسألة، علاوة على ذلك وظيفة الذاتية في التاريخ؛ باعتبارها وظيفة للفعالية الإنسانية العينية في تظور الإنسانية وخلقها الذاتي. وهكذا تظهر مشكلة الشخصية كعنصر من عناصر علم اجتماع تاريخي عام.

    أما فيما يخص أخيرًا العدمية، فإنها مرتبطة أوثق الارتباط بجميع هذه المسائل [وتنحل ضمنًا بحلها]، و[ترتبط] قبل كل شيء بالوعي، الذي يميل التطور التاريخي أكثر فأكثر إلى فرضه على البشر؛ وعي الطابع الانتقالي لأسس وجودهم الاجتماعي والفردي. وهذا الوعي، المجرد من كل منظور عيني حقيقي هو الذي يولد العدمية. إن الضرورة الاجتماعية لولادة الأساطير تفسر، على الصعيد العقائدي، بعدم قدرة المفكرين على القطيعة الجذرية مع بقايا الفلسفة اللاهوتية. إن الإبقاء على هذه التصورات اللاهوتية في الأصل يشكل جزءً من الجهد - اللاواعي غالبًا - الذي يتوجب عليه أن يمنع تحقيق العقيدة لنتائج تنبع من الطابع الانتقالي للمقومات الاجتماعية للشخص الإنساني".

    من مقدمة الكتاب (باقتطاع من سياق طرحه عن الوجودية دون إخلال بالمضمون).
    ترجمة: جورج طرابيشي”
    György Lukács, ماركسية أم وجودية؟

  • #5
    Jean-Paul Sartre
    “لا أحب الحديث عن الوجودية. طبيعة المباحث الثقافية أن تكون غير معرفة بدقة [بينما تتخلق عبر الباحثين]. أن تسميها وتعرفها هو أن تغلفها بإطار أنيق وتربط عقدته. ماذا يبقى بعد ذلك: نمط من الثقافة قد انتهى وخرج عن حركة العصر، شيء كنوع محدد من الصابون – وبعبارة أخرى: محض فكرة.”
    Jean-Paul Sartre, Search for a Method

  • #6
    Jean-Paul Sartre
    “أخيرًا، ثمة سؤال واحد أود طرحه – فقط سؤال واحد: هل لدينا الآن من الوسائل ما يمكننا من وضع أسس أَنْثرُبُولُوجيا تاريخية؟ لتلك الأنثربولوجيا أن تجد مكانها بين طيات الفلسفة الماركسية، لأنني – كما سيتضح لاحقًا – أعتبر الماركسية فلسفة عصرنا التي لا نقدر على تجاوزها، ولأنني أحمل أيديولوجيا الوجودية ومنهجها الشامل لتصبح مُكتَنَفة داخل الماركسية التي تجمع في وقت واحد بين استدعائها ورفضها.
    منحت الماركسية الوجودية ميلادًا جديدًا، وورثت الأخيرة منها حتميتين – كانت الماركسية قد اشتقتهما من الهيجلية: إن كان ثمة حقيقة في الأنثربولوجيا، فيتعين أن تكون قد تحققت، وعلى هيئة تعميم. من البديهي أن المتطلب المزدوج ذاك يعرِّف تلك الحركة من الوجود والمعرفة (الجامعة لهما) التي أسماها هيجل "الديالكتيك".”
    Jean-Paul Sartre, Search for a Method

  • #7
    György Lukács
    “يصف هيجل، في "علم نماذج الأعمار" الموقف العقلي للمراهقة بالطريقة التالية: "إن المراهقة تحل الفكرة المتحققة في العالم بطريقة تعزو بها إلى نفسها تحديد الجوهري الذي يخص طبيعة الفكرة – الحق والخير – في حين أنها تعزو العارض والطارئ إلى العالم".

    إن وجود معظم الرومانتيكيين موسوم بخاتم الإرادة المأساوية-الهزلية في تأييد هذا الموقف العقلي للمراهقة. وأقصد بشكل خاص الذين أتيحت لهم الفرصة ليعيشوا، أثناء شبابهم، فترة بطولية، "أسطورية" من التاريخ. إن الرومانتيكيين يرفضون أن ينثنوا أمام الضرورة التي تريد أن يخلف نثرُ التحقيق والإنجاز شعرَ الانقلاب أو السرية البطولية. يشعرون بالقرف، وكأنهم كمراهقين على عتبة النضج – كما يثير هيجل في كتابه المذكور – من الاهتمام بالمشكلات المحددة التي يميل الواقع إلى فرضها عليهم.

    (بتصرف بسيط)
    ترجمة: جورج طرابيشي”
    György Lukács, ماركسية أم وجودية؟

  • #8
    “السينما بين الأدب والموسيقى (1/2)


    أرغب في أن أبدأ بالعودة إلى المقارنة، أو بالأحرى التباين، بين الأدب والسينما.

    الميزة البارزة التي يتقاسمها هذان الشكلان الفنيان المستقلان تمامًا، من وجهة نظري، هي حريتهما المدهشة في استخدام المادة كما يشاءان.

    كتبت سابقًا عن الاعتماد المتبادل للصورة السينمائية وتجربة المبدع والجمهور. النص الأدبي أيضًا يعتمد على تجربة القارئ العاطفية والروحية والفكرية مثلما يفعل كل شكل فني. والأمر المثير للاهتمام بشأن الأدب هو أنه مهما كانت دقة التفاصيل التي يضعها المؤلف في كل صفحة، فإن القارئ سوف يظل "يقرأ" و"يرى" فقط ما هيأته له تجربته الخاصة وما صاغته شخصيته، نظرًا لأن هذه هي التي شكلت الميول والخاصيات والحساسيات في الذائقة التي أصبحت جزءً منه. حتى المقاطع المفصلة والأكثر طبيعية في النص لا تبقى ضمن سيطرة وتحكم الكاتب: كل ما يحدث سوف يدركه ويعيه القارئ على نحو ذاتي.

    السينما هي الشكل الفني الوحيد الذي يستطيع فيه المبدع أن يرى نفسه بوصفه خالقًا لواقع تام، غير مشروط، ولعالم خاص به. في السينما، الدافع المتأصل إلى توكيد المرء لذاته يجد إحدى وسائله الأكثر مباشرة لتحقيق ذلك. الفيلم هو واقع عاطفي. هكذا يستقبله الجمهور: كواقع ثان. الرؤية المقبولة على نحو واسع للسينما بوصفها نظامًا من الإشارات تبدو لي بالتالي مخطئة جوهريًا.

    نحن هنا نتحدث عن أنواع مختلفة من التعالق مع الواقع الذي على أساسه كل شكل فني يبني وينمّي مجموعة خاصة به من التقاليد المتميزة وواضحة المعالم. في هذه النقطة، أنا أصنف السينما والموسيقى بين الأشكال الفنية المباشرة نظرًا لأنها لا تحتاج أي لغة وسيطة أوغير مباشرة. هذا العامل المحدد الجوهري يعيّن حدود القرابة بين الموسيقى والسينما، ولنفس السبب يقصي السينما عن الأدب، حيث كل شئ يجد تعبيره بواسطة اللغة، بواسطة نظام من الإشارات. العمل الأدبي لا يمكن تلقيه إلا من خلال الرموز والمفاهيم، نظرًا لأن ذلك هو ما تكونه الكلمات. غير أن السينما، مثل الموسيقى، تتيح إدراكًا حسيًا وعاطفيًا مباشرًا تمامًا للعمل.”
    Tarkovsky, Sculpting in Time

  • #9
    “السينما بين الأدب والموسيقى (2/2)

    بواسطة الكلمات يصف الأدب حدثًا ما، عالمًا داخليًا، واقعًا ظاهريًا، يرغب الكاتب في إعادة إنتاجه. السينما تستخدم المواد التي تقدمها الطبيعة نفسها، والزمن في مروره، والتي تتجلى ضمن المكان الذي نحن نلاحظه من حولنا.

    إن صورة ما للعالم تنشأ في وعي الكاتب الذي، بواسطة الكلمات، يدونها على الورق. لكن "بكرة" الفيلم تطبع آليًا أشكال العالم غير المشروطة والتي دخلت في مجال بصر الكاميرا، و من هذه الأشكال تبنى فيما بعد صورة ذات وحدة كاملة.

    الإخراج في السينما يعني ببساطة أن تكون قادرًا على عزل الضوء عن الظلام، واليابسة الجافة عن المياه. إن سلطة المخرج هائلة الى حد أنها قادرة أن تخلق له الوهم بكونه قوة خلاقة، ولهذا السبب تمارس مهنته إغواءات خطيرة، ويمكن أن تقوده بعيدًا جدًا في الاتجاه الخاطئ. وهنا تواجهنا مسألة المسؤولية الضخمة والخطيرة في ما تتضمنه. هذه المسؤولية التي يتعين على المخرج أن يتحملها. إن تجربته تصل إلى الجمهور على نحو تصويري وفوري، بدقة فوتوغرافية، بحيث أن انفعالات الجمهور تصبح مماثلة لانفعالات شاهد عيان، إن لم تكن حقًا انفعالات مبدع.

    أريد أن أؤكد مرة أخرى بأن السينما، مع الموسيقى، هي الفن الذي يعمل مع الواقع. لهذا السبب أنا أعارض المحاولات البنيوية للنظر إلى الكادر بوصفه إشارة لشيء آخر، والذي معناه يتلخص في اللقطة. المناهج أو الطرائق النقدية لفن ما لا يمكن أن تنطبق آليًا، وعلى نحو غير مقيد، على فن آخر. مع ذلك، هذا ما يحاول أن يفعله تعامل كهذا. خذ أصغر جزء من الموسيقى، ستجده هادئًا وحرًا من الإيديولوجيا.

    كذلك الأمر مع الكادر السينمائي الذي هو دائمًا مجرد ذرة من الواقع، ولا يحمل أية فكرة. فقط الفيلم ككل يمكن أن يُزعم بأنه ينطوي على ترجمة إيديولوجية للواقع. لكن الكلمة، من جهة أخرى، هي بذاتها فكرة، مفهوم، وإلى حد ما فكرة تجريدية. الكلمة لا يمكن أن تكون صوتًا فارغًا.

    في "حكايات من سفاستوبول" يصف ليف تولستوي حالات الرعب في مستشفى عسكري بتفصيل واقعي. لكن مهما كانت دقة وصفه لهذه التفاصيل الرهيبة فإن بإمكان القارئ أن يشتغل على الصور الطبيعية من أجل تعديلها وتكييفها وفقًا لتجربته ورغباته ورؤاه الخاصة. النص دائمًا يؤخذ، ويتم تناوله، على نحو انتقائي من قبل القارئ، الذي يربط النص ذهنيًا بقوانين المخيلة الخاصة به.

    الكتاب الذي يقرأه ألف شخص مختلف يصير ألف كتاب مختلف. القارئ ذو المخيلة الناشطة، الحية، يستطيع أن يرى ما هو أبعد من الوصف الموجز، وأبعد من تصوير الكاتب نفسه.

    (في الواقع، غالبًا ما يتوقع الكاتب من القارئ أن يمضي إلى أبعد مدى في التفكير). من جهة أخرى، القارئ الذي هو مكبوت ومكبوح بقيود أخلاقية وتابوات، سوف لا يرى الوصف القاسي، الأكثر دقة والشديد العناية بالتفاصيل، إلا من خلال المرشح (الفلتر) الأخلاقي والجمالي الموجود بداخله. نوع من التنقيح يحدث ضمن الإدراك الذاتي، وهذه العملية متأصلة في العلاقة بين الكاتب والقارئ. إنه أشبه بحصان طروادة الذي في جوفه يشق الكاتب طريقه إلى روح قارئه. الاختباء فيه هو واجب أو تعهد لا مفر منه لكي يقوم القارئ بتأدية دور في إبداع العمل.

    لكن هل لدى جمهور السينما أي حرية في الاختيار؟

    كل كادر، كل مشهد أو جزء، ليس مجرد وصف إنما صورة طبق الأصل لفعل ما، أو منظر، أو وجه. المعايير الجمالية هي بالتالي مفروضة على الجمهور. الظواهر المادية الملموسة معروضة على نحو بيّن لا لبس فيه، والفرد غالبًا سوف يوجه مقاومة شديدة إلى هذه المعايير معتمدًا على قوة تجربته الشخصية.

    لو انتقلنا إلى الرسم على سبيل المقارنة، نجد أن هناك دائمًا مسافة بين اللوحة والمتفرج، مسافة كانت مرسومة ومعينة التخوم سلفًا، والتي تبدي نوعًا من التوقير تجاه ما هو مرسوم، والوعي بأن ما يوجد أمام الناظر- سواء وجدها قابلة للفهم أو عصية على الفهم - هو"صورة" للواقع: سوف لن يخطر أبدًا لأي شخص أن يطابق اللوحة مع الحياة. تستطيع أن تتحدث عما إذا كان الموجود على الكانفاس شبيه بالحياة أو يحاكي الحياة الواقعية بدقة. لكن في السينما، الجمهور لا يفقد أبدًا الإحساس بأن الحياة معروضة على قماش الشاشة هناك "فعلا". الفرد في أحوال كثيرة سوف يحكم على الفيلم بقوانين الحياة الواقعية، مستبدلًا الافتقار إلى الإدراك بتلك التي عليها بنى المبدع فيلمه، قوانين مستمدة من تجربته العادية، الرتيبة، اليومية. ولهذا السبب نجد تناقضات ظاهرية محتومة في الطريقة التي بها يدرك أو يقدّر الجمهور فيلمًا ما.”
    Tarkovsky, Sculpting in Time

  • #10
    “النحت في الزمن. السينما؛ الإيقاع، وروح الإخراج، ودور "المونتاج" (1/2)
    ---------------

    أنا أرفض مبادئ "سينما المونتاج" لأنها لا تتيح للفيلم أن يستمر ويمتد وراء حدود الشاشة: إنها لا تتيح للجمهور أن يخلق ذلك الاتصال بين التجربة الشخصية وما يوجد أمامهم على الشاشة. "سينما المونتاج" تقدم إلى الجمهور أحاجي وألغازًا، تجعلهم يحاولون حل شفرة الرموز، ويجدون متعة في التعرف على المجازات والاستعارات، محتكمين طوال الوقت إلى تجربتهم العقلية، الفكرية. مع ذلك، فإن كل لغز من هذه الألغاز يتضمن الحل الصحيح والدقيق، بالتالي فأنا أشعر بأن ايزنشتاين يمنع الجمهور من السماح لمشاعرهم بأن تتأثر حسب تفاعلهم الخاص تجاه ما يشاهدونه. في فيلمه " أكتوبر"، عندما يجاور الآلة الموسيقية – البالالايكة – مع شخصية كيرينسكي، فإن منهجه يصبح هدفه، بالطريقة التي قصدها فاليري. إن بناء الصورة يصبح غاية بذاته، وخالق العمل يباشر في شن هجوم شامل على الجمهور، فارضًا عليهم موقفه الخاص تجاه ما يحدث.

    لو يقارن المرء بين السينما وفنون مبنية على أساس الزمن، مثل الباليه أو الموسيقى، فإن السينما تبرز بوصفها الفن الذي يعطي الزمن شكلًا مرئيًا وحقيقيًا. ما أن يتم تسجيل الزمن على الفيلم حتى تكون الظاهرة موجودة هناك؛ محددة، ثابتة، وغير قابلة للتغيير، حتى عندما يكون الزمن ذاتيًا على نحو مكثف.

    الفنانون ينقسمون إلى فئتين: أولئك الذين يخلقون عالمهم الداخلي الخاص، وأولئك الذين يعيدون خلق الواقع. يقينًا، أنا أنتمي إلى الفئة الأولى، لكن ذلك لا يغير شيئًا. إن عالمي الداخلي قد يكون ذا فائدة وأهمية للبعض، وقد يسبب للبعض الآخر الفتور واللامبالاة أو حتى السخط. القصد هو أن العالم الداخلي الذي تخلقه الوسيلة السينمائية ينبغي قبوله أو إدراكه بوصفه الواقع، حيث أنه مؤسس على نحو موضوعي في مباشرية اللحظة المسجلة.

    المقطوعة الموسيقية يمكن عزفها بطرق مختلفة، ويمكن أن تدوم لفترات زمنية متفاوتة. هنا، في الموسيقى، الزمن هو ببساطة حالة من الأسباب والنتائج المعلنة في نظام معين. إن لها صفة فلسفية، تجريدية. السينما، من جهة أخرى، قادرة على تسجيل الزمن في علامات ظاهرية ومنظورة، يمكن أن تميزها المشاعر. هكذا يصبح الزمن الأساس الفعلي للسينما: كما الصوت في الموسيقى، واللون في الرسم، والشخصية في الدراما.

    الإيقاع، إذن، ليس هو التعاقب القياسي، الموزون، للأجزاء. إن حركة الزمن ضمن الكادرات هي التي تخلق الإيقاع. وأنا مقتنع بأن الإيقاع وليس المونتاج، كما يعتقد البعض، هو العنصر المكون الرئيسي للسينما.

    المونتاج يوجد في كل شكل فني، بما أن المادة ينبغي أن تكون دائمًا منتقاة ومتصلة ببعضها. ما هو مختلف بشأن المونتاج السينمائي هو أنه يقدم الزمن على نحو متصل، مطبوعًا في أجزاء الفيلم. المونتاج يستلزم جمع وتركيب أجزاء صغيرة وأخرى كبيرة، كل منها تنطوي على زمن مختلف، وهذا التجميع والتركيب يخلق إدراكًا جديدا لوجود ذلك الزمن، المنبثق كنتيجة للفواصل، لما هو محذوف، للمنحوت في المعالجة. لكن الصفة المميزة للتجميع والتركيب، كما قلنا سابقًا، هي حاضرة قبل الآن في الأجزاء. المونتاج لا يولّد، لا يعيد خلق نوعية جديدة، إنه يظهر خاصية سبق وأن كانت متضمنة في الكادرات التي يربطها ويوحدها. المونتاج متوقع أثناء التصوير. إنه مفترض سلفًا في سمة ما هو مصور، و مبرمج من البداية. المونتاج له علاقة بامتدادات الزمن، ودرجة الكثافة التي بها توجد، كما تسجلها الكاميرا، وليس برموز تجريدية أو تكوينات منظمة بعناية، وليس بمفهومين متشابهين واللذين من اتحادهما ينتج – كما يقال لنا – "معنى ثالث".”
    Tarkovsky, Sculpting in Time

  • #11
    “النحت في الزمن. السينما؛ الإيقاع، وروح الإخراج، ودور "المونتاج" (2/2)
    --------------------------------

    الإيقاع في السينما يتم توصيله بواسطة حياة الشيء المسجل على نحو منظور في الكادر. ومثلما تستطيع أن تقرر، من اهتزاز قصبة، أي نوع من التيار المائي وأي ضغط يوجد هناك في النهر، كذلك، وبالطريقة نفسها، نعرف حركة الزمن من تدفق عملية الحياة المعاد إنتاجها في اللقطة.

    إنه، قبل كل شيء، من خلال الإحساس بالزمن، من خلال الإيقاع، يكشف المخرج عن شخصيته المستقلة، عن فرادته. الإيقاع يلون العمل بعلامات وسمات أسلوبية. الإيقاع ليس نتاج تفكير أو تأمل، و ليس مركبًا على أساس نظري واعتباطي، بل ينشأ تلقائيًا في الفيلم استجابة للوعي الفطري بالحياة عند المخرج، و"بحثه عن الزمن". ويبدو لي بأن الزمن في اللقطة ينبغي أن يتدفق على نحو مستقل وبوقار، عندئذ سوف تجد الأفكار مكانها في الزمن بلا جلبة ولا اهتياج ولا تهور. الإحساس بإيقاعية اللقطة هو بالأحرى أشبه بالإحساس بالكلمة الصادقة في الأدب. الكلمة غير الصحيحة في الكتابة، مثل الإيقاع غير الصحيح في الفيلم، تدمر صحة وصدق العمل.

    لكن سيكون لدينا هنا معضلة يتعذر اجتنابها. لنقل بأنني أريد أن يكون هناك زمن يتدفق عبر الكادر في وقار واستقلالية بحيث لا أحد من الجمهور سوف يشعر بأن إدراكه الحسي موضع إكراه، وبحيث يسمح لنفسه بأن يؤخذ أسيرًا، طوعًا وعن طيب خاطر، من قبل الفنان، فيما يبدأ هو في التسليم بمادة الفيلم كما لو أنها مادته، مستوعبًا وهاضمًا هذه المادة، وجاذبًا إياها داخل نفسه بوصفها تجربة جديدة وشخصية جدًا. مع ذلك، لا يزال هناك انقسام جلي: إذ أن إحساس المخرج بالزمن يصل دائمًا إلى نوع من إكراه الجمهور. الشخص الذي يشاهد إما أن ينسجم مع إيقاعك (عالمك) ويصبح حليفًا لك، أو لا ينسجم. وفي هذه الحالة لا يحدث أي اتصال. هكذا، البعض يصبحون "أشقاء" لك، والبعض الآخر يظلون غرباء. وأنا لا أظن بأن هذا ليس طبيعيًا تمامًا فحسب، بل محتومًا ومتعذرًا اجتنابه.

    عندئذ أرى أن من عملي المهني هو أن أخلق جريان الزمن المميز، الخاص بي، وأواصل في اللقطة الإحساس بحركة الزمن؛ من الحركة الكسولة والبطيئة إلى الحركة العاصفة والرشيقة.

    التركيب، المونتاج، يقاطع مرور الزمن، يعترضه، وعلى نحو متزامن يمنحه شيئًا جديدًا. إن تحريف الزمن يمكن أن يكون وسيلة لإعطائه تعبيرًا إيقاعيًا.

    لكن الربط المدروس للقطات ذات الضغط الزمني المتفاوت لا يجب تقديمه عرضًا واتفاقًا. ينبغي أن يأتي هذا من الضرورة الداخلية، من العملية العضوية الجارية في المادة ككل. في اللحظة التي تتشوش فيها العملية العضوية للمقاطع الانتقالية، فإن توكيد المونتاج (الذي يريد المخرج أن يواريه) يبدأ في البروز إلى العيان، يتكشف ويثب نحو العين. إذا تباطأ الزمن أو تسارع على نحو متكلف وليس استجابة لنمو باطني، وإذا كان تغير الإيقاع خاطئًا، فإن النتيجة ستكون زائفة وحادة.

    إن ضم أجزاء ذات قيمة زمنية غير متكافئة يحطم بالضرورة الإيقاع. لكن، لو أن هذا التحطيم تعززه قوى فعالة ضمن الكادرات المركبة، فعندئذ قد يكون عاملًا أساسيًا في نحت التصميم الإيقاعي الملائم. أن نأخذ ضغوطات الزمن العديدة المتنوعة - التي يمكننا تعيينها وتصنيفها مجازيًا كغدير، فيضان، نهر، شلال، محيط - ونضمها معًا، فإن ذلك يولّد ذلك التصميم الإيقاعي الفريد الذي هو إحساس مبدع العمل بالزمن، والمتخلق ككينونة متشكلة من جديد.

    بقدر ما يكون الإحساس بالزمن وثيق الصلة بإدراك المخرج الفطري للحياة، والمونتاج تمليه الضغوطات الإيقاعية في أجزاء الفيلم، فإن بصمة المخرج ينبغي أن تكون مرئية في مونتاجه. إنه يعبّر عن موقفه تجاه مفهوم الفيلم، وهو التجسيد الجوهري لفلسفته في الحياة. وأظن أن صانع الفيلم الذي يركب أفلامه بسهولة، وبطرق مختلفة، لابد وأن تبدو أعماله سطحية، وبلا عمق، بعكس مونتاج بيرجمان أو بريسون أو كيرو ساوا أو أنتونيوني، الذي يمكن تمييزه والتعرف عليه دائمًا. لا يمكن أبدًا الخلط بين واحد من هؤلاء وبين شخص آخر، ذلك لأن إدراك كل منهم للزمن، كما هو منعكس في إيقاع أفلامه، هو نفسه دائمًا.

    طبعا يتعين عليك أن تعرف قوانين المونتاج، تمامًا مثلما يتعين عليك أن تعرف كل قوانين مهنتك الأخرى. لكن الخلق الفني يبدأ في النقطة التي تلتوي فيها هذه القوانين أو تتعرض للنقض والانتهاك.”
    Tarkovsky, Sculpting in Time



Rss