بلا مكياج

متى ستنتهي هذه الحرب التي تشتعل منذ زمن

بين قلبين هرمين.
متى سيتوقف قرع الطبول في رأسي، كلما قلت إنه الوقت الملائم لنجلس سوياً أنا وأنتِ، على طاولة واحدة. طاولة كبيرة واسعة، نضع عليها قلبينا، وكل مانخبئه في جيوبنا. دفاترنا، الندم، عملات معدنية، المكابرة، مفاتيحنا، الألم، أقلامنا، الخيبات، سجائرنا، الغضب، هواتفنا النقالة، الخوف، مكياجك، الخيانات، إسورتي، الخسارات، شالك الارتجاف، نظاراتنا، التعب. كلها على الطاولة. ونتفاهم. 
هناك مانستطيع فعله دائماً. أن تسرقين دفتراً صغيراً من على الطاولة مثلاً وتقرأين نصاً وحيداً لم أستطع إكماله منذ أيام، كنت كتبت منه جملة واحدة فقط، “هناك دائماً مانستطيع فعله"، أو أن أسحب هاتفك لأرى كيف تحتفظين بي داخلك في صندوق سري محكم الغلق.
أن ترفعين رأسك لتزرري قميصي المفتوح دائماً من الأمام، أو أن أتوقف عن الكلام لأرفع شعرك المرتبك دائماً من الخلف. أن تتلامس أقدامنا من تحت الطاولة في محاولة للتحايل علينا لئلا نلفت انتباهنا إلى أننا عاشقان، أو أن تُنزلين إسورتي عن معصمي قليلاً كما تحبين أن ترينها، واضحة من أكمام القميص. أن أشرب تماماً من موضع أحمر شفاهك على طرف الكوب، أو أن تؤجلين مسح نظاراتي قليلاً، “لكي لاترى غيري بوضوح” تقولين. أن ألفَّ كل ذكرياتنا بشالك الأزرق لكي لاتقع من على الطاولة بينما نخوض معركتنا الأخيرة هذه، أو أن نسرق من عراكنا الطويل هذا بضع دقائق، و ندخن.
تعالي ندخن،

تعالي ننهي هذه الحرب الطويلة، وندخن.
تعالي نرمي كل خيباتنا من على الطاولة بدفعة يد واحدة 
ونستلقي عليها ..
وندخن.

سيبدو الأمر ممتعاً 
هنالك دائماً ماتستطيعين فعله 
أن تأخذي مني هذا التعب كله بقبله
أن تمسكي غضبي من أذنه كولد مشاغب فيهدأ
أن تعودي إليّ كما تفعلين دوماً، 
رغم أن الباب مغلق
وهاتفي مغلق، 
والوقت مغلق .. 
تقولين : "لكن قلبك مفتوح”.
أن تغضبي من مكالمة “ليس لها داع” أخذتني منك
نصف ساعة، ثم تصفحين لأني كما يجب، “شعرت بالذنب”.
أن تخبريني أنك تحبيني “بما يكفي"
- بما يكفي لاختياري؟.
- بما يكفي و بس.
وهذا غير كافٍ .. بالنسبة لي على الأقل. 
أن أدفعك على الأرجوحة بقوة من الخلف، على سبيل المزاح، ترتفعين عالياً، ورغم أنها أسوأ مخاوفك، تعودين.
أن تشتري كوبي قهوة، وتطلبي من النادل - على سبيل المزاح أيضاً- أن يكتب اسمي على الكوب. 
"جعفر” .. تماماً كما لا أحب أن يكتب. ولكننا وكما اعتدنا أن نخوض حروبنا بالمزاح، نضحك.
غير أن هذه الحرب 
التي تقرع طبولها في رأسي الآن ..
لم تعد مزحة .. 
وبدل أن نرمي الوسائد على بعضنا، صرنا نرمي بعضنا بالخيبات. بدل أن نعض أصابع بعضنا لنختبر مقدار مانتحمل من الألم، صرنا نعض أصابع ندمنا دون أن نصرخ.
وبدل أن نخبيء هواتف بعضنا حتى لاننشغل بها عنا، صرنا نختبيء الآن من كل هذه الذكريات.
كنا نتأخر “قليلاً” عن مواعيدنا
وصرنا لانأتي ..
أبداً.

“إذاً الأمر لم يعد مزحة!؟”.
يقول خاتمك الذي يختبيء في درجي، 
وتقول خصلات شعرك التي أدسها تحايلاً تحت الكنبة. 
وتقول فردة كعبك الأحمر، الملقاة على الأرض حين دستها بحذائي عن طريق الخطأ، ثم حاولت تنظيفها وإخفاء الأثر بكمّ قميصي. 
يقول نادل القهوة حين طلبت منه كوباً واحداً فقط. 
تقول الأرجوحة التي لايدفعها أحد 
تقول كاميرات المرور التي كنا نتعمد تقبيل بعضنا أمامها
تقول رائحة عطرك العالقة في عنق قميصي. 
يقول الساقي الذي اختارني بدلاً عنك
يقول مشغّل الأغاني 
تقول “زهرة المدائن"
تقول الكراسي الأخيرة في الحانة
يقول العجوز عازف العود المزعج في الشارع
فأنتبه فجأة إلى أن الأمر فعلاً لم يعد مضحكاً، 
فهذه ليست ورطتي بأحمر شفاهك المتعمّد على طرف قميصي، وهذا ليس انشغالي بإخفاء قبلتكِ الواضحة على عنقي. ولم يعد بإمكاني الآن، أن ألفّ شالاً على عنقي لأخفي ارتجافي الواضح من غيابك كما كنت أفعل لإخفاء أثر القبلة.
الأمر إذاً ليس مضحكاً على الإطلاق ..
حتى أن حبّتا بندول لم تعودا تكفيان لتخفيف ألم رأسي بعد هذا العراك، وقميصك الإضافي لم يعد يكفي لإزالة هذا البرد الذي يرتجف وحيداً في روحي. ولأول مرة أجد أنه ليس هنالك سبب مقنع لغيابك. وبخصوص اعتذارك الدائم بأن المكياج "يأخذ وقت"، أقول لك إنني مستعد لإخبارك اليوم كما أفعل كل يوم، أنني أنتظرك منذ زمن أن تأتي "بلا ولاشي”. 
بلا خوف، وبلا هواجس .. وبالتأكيد بلا مكياج.
تعالي بلا مكياج



لننهي هذه الحرب التي لاتريد أن تنتهي

هذه الحرب الحقيقية جداً

التي لاتريد أن تنتهي

تعالي ..

أو على الأقل
امنحيني وقتاً لهدنة أطول
لأرفع فيها راية بيضاء ممزقة
هدنة أطول .. 
أدفن فيها هذه الجثة
وأعود .. 
من حيث أتيت.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on November 24, 2015 09:26
No comments have been added yet.