العار الذي نتقيه
لو أنجب الملك لايوس ابناً فإن ابنه سيقتله ويتزوج من أمه . وعندما أنجبت جوكاستا الابن. قيد الأب كاحليه وأعطاه لراع وأمره أن يتخلص منه في أحد الجبال لتأكله الضواري. لكن الراعي أعطاه لآخر بلا أبناء. وسماه الأب الجديد أوديب "متورم القدمين" من أثر ربط كاحليه.
يكبر أوديب ويعرف بالصدفة أنه ليس ابن الراعي. وينكر الراعي ذلك فيذهب أوديب لكاهن أبوللو ليتأكد من شخص أبيه. وهو نفس الكاهن الذي تنبأ بقتله أبيه و زواجه من أمه فيخبره بالنبوءة دون أن يعلمه من الأب والأم فيظن أوديب أن المعنيان هما أبواه بالتبني. يهرب أوديب من بلده ليذهب لطيبة في فرار آخر من النبوءة إليها.
"يلتقي الإنسان قدره في الطريق الذي سلكه فراراً من قدره."
تنطبق هذه المقولة على الاثنان "لايوس وأوديب" إذ يلتقيان في طريق رحلة أوديب لطيبة . يلتقيان في طريق ضيق ويختلفان من يمر أولاً. يتبارزان فيقتل أوديب لايوس ويكمل طريقه نحو طيبة. يلتقي بوحش السفنكس "أبي الهول" الذي يأكل الغرباء إذا لم يجيبوا على أحجيته ما هو الكائن الذي يسير على أربع في الصباح وعلى اثنتين في الظهيرة وعلى ثلاث بالليل. يجيب أوديب :الإنسان يحبو على أربع في الطفولة ويسير على قدمين في الشباب . ويستند على عكاز في الكهولة. يقتل سفنكس نفسه إذ كان أوديب أول من يهزمه. وتكريما لهازم الوحش يضعه أهل طيبة مكان الملك المقتول ويتزوج من زوجته "أمه" وينجب منها .
"هذا الذي يجادلون فيه / قولي لهم عن أمّه ، و من أبوه/أنا و أنت /حين أنجبناه ألقيناه فوق قمم الجبال كي يموت ! /لكنّه ما مات /عاد إلينا عنفوان ذكريات /لم نجتريء أن نرفع العيون نحوه/لم نجتريء أن نرفع العيون /نحو عارنا المميت."
لم أجد وصفاً أفضل لقصة أوديب من كلمات أمل دنقل. ولم أجد أفضل من القصة لوصف ما وصل إليه حالنا الآن . وصارت جملة "العار الذي نتقيه" هي الجملة التي أرددها كلما سمعت عن عار العرب والإسلام الجديد. داعش. فلا سبيل للإنكار والتنكر لداعش. فهي عارنا الذي نتقيه. داعش هي المحصلة النهائية لكل جرائمنا التي ارتكبناها منذ الحرب العالمية الأولى. بل ربما كانت الجريمة أقدم من ذلك. من يوم أن انقسم المسلمون انقسامهم الأول في الفتنة الكبرى. ثم تتالت الحروب والممالك "المسماة خلافة" ثم الدويلات وغزوات التتار و حكم المماليك حتى عادت الأمور للدولة الواحدة على يد السفاح سليم الأول. ثم التفكك الذي ساهم فيه شيوخ القبائل عندما تعاونوا مع بريطانيا ضد رجل أوروبا المريض من أجل قطعة أرض يصيرون عليها ملوكاً فصارت هناك عراق وسوريا والأردن والحجاز التي صارت السعودية. وأخذ الانجليز في المقابل فلسطين ليضعوها تحت تصرف الصهاينة. فماذا تنتظرون بعد كل هذا؟ ألم تبدأ أول قطرات السيل في تنظيم الإخوان الذي خرج للنور لهدف واحد هو إعادة الخلافة التي محاها أتاتورك؟ ألم يتغلغل فكر الإخوان في النسيج المصري عاماً بعد عام يتم اعتبارهم فصيل وطني بينما هم على موائد الملك يأكلون؟ كان باستطاعة عبد الناصر أن يقضي عليهم ويؤسس دولة قوية قائمة على العلم والمعرفة ونبذ العنف والتفرقة لكنه فضل الجعجعة والهزيمة وتركنا لقمة سائغة للإخوان ومعهم الجماعات. ألم نصمت على مبارك لأنه "يحارب الإرهاب" ؟ ألم نطبل للأفغان العرب الذين سيحمون الإسلام من الخطر الشيوعي؟ ثم نتنكر لهم بعد الحرب لأن أمريكا قد قررت التخلي عنهم ليتحولوا لتنظيم القاعدة. ألم نصفق لصدام حسين "السني" لأنه يحارب إيران "الشيعة" ونعتبره بطلاً مغواراً؟ ألم نقبل أن تدخل أمريكا إلى الشرق الأوسط ونكتفي بدور التابع لأوامرها بدلاً من ردع صدام بأنفسنا؟ ألم نوافق على بقاء الأنظمة الفاسدة لمجرد أنها تحمينا من البعبع الإسلامي دون أن نحاول أن نقي أنفسنا شر ذلك اليوم الذي يخرج فيه البعبع ليلتهمنا؟ ألم نترك الأمور للسلفيين والإخوان والوهابيين ليصلوا للقرى والنجوع يزرعون فيهم بذور الشر والجهل والتخلف؟ ألم نقف مكتوفي الأيدي أمام المد الديني دون أي مراجعة أو اجتهاد أو فقه إلا ما يمليه علينا شيوخ السلطة؟ ألم نترك العراق لأمريكا وللتقسيم الطائفي والإرهاب دون أدنى بادرة للتدخل ؟ ألم نقضي على الربيع العربي بأيدينا بانقسامنا لإخوان وليبراليين وسلفيين وجهاديين وحازمون و و و. ماذا كنا ننتظر بعد كل هذا؟ غير أن ذلك العار الذي حاولنا طويلاً أن نتقيه بأن نرميه بعيداً ليموت، فيعود ثانية ليحقق قدره بأن يهلكنا كلنا. لأننا كل تلك القرون لم ننتبه لذلك الوحش الذي نغذيه بجرائمنا.
الآن داعش مثل أوديب . هذا القدر الذي نحاول الهروب منه بطريقة ملتوية فنجده أمامنا. ومثل أوديب تعود دون أن تعرف قدرها لتحقق عارها وعارنا. ستنتصر داعش لأننا تربة خصبة لها . دين يدعو شيوخه للكراهية والقتل. انقسام. طائفية. ذل. احتلال. ستنمو وتنتشر مثل الطاعون حتى نقرر نحن أن نوقفها. ليس بهزيمة الجيوش ولكن يوم أن ندرك عوارنا الوطني والديني والإنساني.
يكبر أوديب ويعرف بالصدفة أنه ليس ابن الراعي. وينكر الراعي ذلك فيذهب أوديب لكاهن أبوللو ليتأكد من شخص أبيه. وهو نفس الكاهن الذي تنبأ بقتله أبيه و زواجه من أمه فيخبره بالنبوءة دون أن يعلمه من الأب والأم فيظن أوديب أن المعنيان هما أبواه بالتبني. يهرب أوديب من بلده ليذهب لطيبة في فرار آخر من النبوءة إليها.
"يلتقي الإنسان قدره في الطريق الذي سلكه فراراً من قدره."
تنطبق هذه المقولة على الاثنان "لايوس وأوديب" إذ يلتقيان في طريق رحلة أوديب لطيبة . يلتقيان في طريق ضيق ويختلفان من يمر أولاً. يتبارزان فيقتل أوديب لايوس ويكمل طريقه نحو طيبة. يلتقي بوحش السفنكس "أبي الهول" الذي يأكل الغرباء إذا لم يجيبوا على أحجيته ما هو الكائن الذي يسير على أربع في الصباح وعلى اثنتين في الظهيرة وعلى ثلاث بالليل. يجيب أوديب :الإنسان يحبو على أربع في الطفولة ويسير على قدمين في الشباب . ويستند على عكاز في الكهولة. يقتل سفنكس نفسه إذ كان أوديب أول من يهزمه. وتكريما لهازم الوحش يضعه أهل طيبة مكان الملك المقتول ويتزوج من زوجته "أمه" وينجب منها .
"هذا الذي يجادلون فيه / قولي لهم عن أمّه ، و من أبوه/أنا و أنت /حين أنجبناه ألقيناه فوق قمم الجبال كي يموت ! /لكنّه ما مات /عاد إلينا عنفوان ذكريات /لم نجتريء أن نرفع العيون نحوه/لم نجتريء أن نرفع العيون /نحو عارنا المميت."
لم أجد وصفاً أفضل لقصة أوديب من كلمات أمل دنقل. ولم أجد أفضل من القصة لوصف ما وصل إليه حالنا الآن . وصارت جملة "العار الذي نتقيه" هي الجملة التي أرددها كلما سمعت عن عار العرب والإسلام الجديد. داعش. فلا سبيل للإنكار والتنكر لداعش. فهي عارنا الذي نتقيه. داعش هي المحصلة النهائية لكل جرائمنا التي ارتكبناها منذ الحرب العالمية الأولى. بل ربما كانت الجريمة أقدم من ذلك. من يوم أن انقسم المسلمون انقسامهم الأول في الفتنة الكبرى. ثم تتالت الحروب والممالك "المسماة خلافة" ثم الدويلات وغزوات التتار و حكم المماليك حتى عادت الأمور للدولة الواحدة على يد السفاح سليم الأول. ثم التفكك الذي ساهم فيه شيوخ القبائل عندما تعاونوا مع بريطانيا ضد رجل أوروبا المريض من أجل قطعة أرض يصيرون عليها ملوكاً فصارت هناك عراق وسوريا والأردن والحجاز التي صارت السعودية. وأخذ الانجليز في المقابل فلسطين ليضعوها تحت تصرف الصهاينة. فماذا تنتظرون بعد كل هذا؟ ألم تبدأ أول قطرات السيل في تنظيم الإخوان الذي خرج للنور لهدف واحد هو إعادة الخلافة التي محاها أتاتورك؟ ألم يتغلغل فكر الإخوان في النسيج المصري عاماً بعد عام يتم اعتبارهم فصيل وطني بينما هم على موائد الملك يأكلون؟ كان باستطاعة عبد الناصر أن يقضي عليهم ويؤسس دولة قوية قائمة على العلم والمعرفة ونبذ العنف والتفرقة لكنه فضل الجعجعة والهزيمة وتركنا لقمة سائغة للإخوان ومعهم الجماعات. ألم نصمت على مبارك لأنه "يحارب الإرهاب" ؟ ألم نطبل للأفغان العرب الذين سيحمون الإسلام من الخطر الشيوعي؟ ثم نتنكر لهم بعد الحرب لأن أمريكا قد قررت التخلي عنهم ليتحولوا لتنظيم القاعدة. ألم نصفق لصدام حسين "السني" لأنه يحارب إيران "الشيعة" ونعتبره بطلاً مغواراً؟ ألم نقبل أن تدخل أمريكا إلى الشرق الأوسط ونكتفي بدور التابع لأوامرها بدلاً من ردع صدام بأنفسنا؟ ألم نوافق على بقاء الأنظمة الفاسدة لمجرد أنها تحمينا من البعبع الإسلامي دون أن نحاول أن نقي أنفسنا شر ذلك اليوم الذي يخرج فيه البعبع ليلتهمنا؟ ألم نترك الأمور للسلفيين والإخوان والوهابيين ليصلوا للقرى والنجوع يزرعون فيهم بذور الشر والجهل والتخلف؟ ألم نقف مكتوفي الأيدي أمام المد الديني دون أي مراجعة أو اجتهاد أو فقه إلا ما يمليه علينا شيوخ السلطة؟ ألم نترك العراق لأمريكا وللتقسيم الطائفي والإرهاب دون أدنى بادرة للتدخل ؟ ألم نقضي على الربيع العربي بأيدينا بانقسامنا لإخوان وليبراليين وسلفيين وجهاديين وحازمون و و و. ماذا كنا ننتظر بعد كل هذا؟ غير أن ذلك العار الذي حاولنا طويلاً أن نتقيه بأن نرميه بعيداً ليموت، فيعود ثانية ليحقق قدره بأن يهلكنا كلنا. لأننا كل تلك القرون لم ننتبه لذلك الوحش الذي نغذيه بجرائمنا.
الآن داعش مثل أوديب . هذا القدر الذي نحاول الهروب منه بطريقة ملتوية فنجده أمامنا. ومثل أوديب تعود دون أن تعرف قدرها لتحقق عارها وعارنا. ستنتصر داعش لأننا تربة خصبة لها . دين يدعو شيوخه للكراهية والقتل. انقسام. طائفية. ذل. احتلال. ستنمو وتنتشر مثل الطاعون حتى نقرر نحن أن نوقفها. ليس بهزيمة الجيوش ولكن يوم أن ندرك عوارنا الوطني والديني والإنساني.
Published on August 03, 2014 03:37
No comments have been added yet.


