كيف تصنع حصان المولد..

كان الهندي الأحمر عبر قرون من المتابعة وعقود من الخبرة يعلم جيداً كيف يصطاد و يستأنس الخيول البرية "الموستانغ" وهي التي صارت مهددة بالانقراض بعد ذلك على يد الرجل الأبيض لأنه لم يستطع الإمساك بها بالكمائن ولا المطاردات فصار يقتلها. ويحكي محمود السعدني في كتابه أمريكا يا ويكا عن كيفية اصطياد الهندي للحصان البري إذ كان الحصان إذا فزع يأخذ في الركض مسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات قبل أن يتعب ويتوقف لالتقاط أنفاسه ، ولكنه لا يعدوها في خط مستقيم وإنما في دوائر. فتكون النتيجة أن إزاحته عن نقطة إنطلاقه لا تتعدى كيلومتر واحد. يقطعها الهندي على قدميه فيصل لمكان الحصان الجديد بعد دقائق قليلة من وصول الحصان فيفزعه ثانية، وحينها ينطلق الحصان مرة أخرى ويمشي الهندي مرة أخرى. ومعظم الخيول بعد مرتين أو ثلاث مرات من العدو تتوقف وتستسلم للربط في حبل وتسير خلفه إلى مكان تربيتها واستئناسها. تستلم لأوامر سيدها الجديد مقابل الطعام و تلافياً للضرب.

كانت الخيلُ - فى البدءِ – كالناس / برِّيَّةً تتراكضُ عبر السهول/ كانت الخيلُ كالناس فى البدءِ/ تمتلكُ الشمس والعشب/ والملكوتِ الظليل/ ظهرها... لم يوطأ لكى يركب القادة الفاتحون/ ولم يلنِ الجسدُ الحُرُّ تحت سياطِ المروِّض/ والفمُ لم يمتثل للجام/ ولم يكن ... الزاد بالكاد/ لم تكن الساق مشكولة/ والحوافر لم يك يثقلها السنبك المعدنى الصقيل/ كانت الخيلُ برِّيَّة/ تتنفس حرية/ مثلما يتنفسها الناس/ فى ذلك الزمن الذهبى النبيل.

ولكن ليس هذا كل شيء. فإن كانت الخيل استئنست فهي ظلت لآلاف السنين رمزاً لكل ما هو نبيل "التمرد- الشموخ- الأصالة- القوة-...". فهي وسيلة السادة للتباهي. عدة الحروب. غزل الشعراء. صديق الإنسان. رفيق الملوك. حتى أتى الانحدار التالي كما عبر عنه أمل دنقل في قصيدته. حينما استغنى الإنسان عنها في سلامه وحروبه:

اركضى أو قفى الآن .. أيتها الخيلُ /لستِ المغيرات صبحا/ ولا العاديات – كما قيل – ضبحا/ ولاخضرة فى طريقك تُمحى/ ولاطفل أضحى/ إذا مامررت به ... يتنحَّى/ وهاهى كوكبة الحرس الملكى../ تجاهد أن تبعث الروح فى جسد الذكريات/ بدقِّ الطبول/ اركضى كالسلاحف/ نحو زوايا المتاحف..



هكذا انتهت الخيل، إلى ذلك المصير المحتوم لكل من يستطيع الإنسان أن يروضه. مثل مصيرها لو لم تروض كمثل الأسد الذي لم يروض في السيرك ولا الدب الذي لم تخلع أنيابه ليرقص للناس. أو مثل الإنسان نفسه الذي حافظ على تمرده ولم يستسلم للتدجين والاحتفاظ به كزينة أو غرض للامتطاء.

فالإنسان مثله مثل الخيل خلق متمرداً قبل أن يقع في أسر المدنية وبريقها الزائف. والإنسان كالخيل في اصطياده. تحفظ الأنظمة طرق الإيقاع به. تعلم أنه وإن ركض ورفس وتمرد، فمصيره أن يلف في دوائر دون طريق محدد. فتعمد إلى إفزاعه حتى يعدو ثم يهدأ فتفزعه مرة ثانية وثالثة حتى تستنزف قواه فيستسلم. والإنسان كالخيل في استئناسه. بالعصا في يد والطعام في يد سيطيعك. وإذا صار طوعك فهو كالخيل وقود حرب على الأعداء. مطية. وسيلة ترفيه وتباهي. حتى يصل لمرحلته الأخيرة.

صيرى تماثيل من حجرٍ فى الميادين/ صيرى أراجيح من خشبٍ للصغار – الرياحين/ صيرى فوارس حلوى بموسمك النبوى/ وللصبية الفقراء حصاناً من الطينِ/ صيرى رسوماً ... ووشماً/ تجف الخطوط به/ مثلما جفَّ – فى رئتيك – الصهيل !.

لو تتبعت مسار حياة كثير من الثائرين ستجدهم تمردوا حتى تعبوا ثم استسلموا ثم استئنسوا، وصاروا ملكاً للأنظمة، حتى استغني عنهم فذهبوا للمتاحف. يحمد كثير من عشاق كتاب متمردين مثل أمل دنقل و نجيب سرور أنهم ماتوا في سن التمرد فلم يدخلوا الحظيرة التي رفل فيها وسمن زملاء الأمس في أحلام الحرية. وصاروا أسلحة في يد النظام وإن احتفظوا بهيبة التمرد والإباء. وأخيراً في سن الكهولة صاروا أحصنة خشبية أو طينية أو حلوى يقف عليها الذباب.

إستدارت – إلى الغربِ – مزولة الوقت/ صارتِ الخيلُ ناساً تسيرُ إلى هوَّةِ الصمت/ بينما الناسُ خيلٌ تسيرُ إلى هوَّةِ الموت !!
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on July 26, 2014 16:34
No comments have been added yet.