كيف نقول “نعم” بدلاً من “آه”


لم يعد جديدا أن نقول إن حال العرب يدعو للشفقة غالباً، ولا إن الإنسان العربي يعوض هزائمه في داخله ومن حوله باصطناع الوهم. لم يعد أيضا سراً أن العرب مقبلون على مراحل أقسى من القمع والاستبداد، لأنهم وفي تلك العتمة التي تأتيهم فيها الضربات من كل ناحية، آثروا أن يكونوا فيلة سيرك من أجل لقمة العيش على أن يواجهوا وحوش الأدغال من أجل مكانهم الطبيعي، بل لن يمنع أحد مدرب الفيلة من زيادة طعناته لأذن الفيل ليضمن انصياعه التام. المشكلة أن الفيل لا ينسى أبداً، لكن العرب ينسون دائماً.


الجديد أن كل ما سبق لم يعد معيباً، ولا مستنكراً، بل أن العرف يميل إلى استحسانه واعتباره منطقاً و خياراً ينبئ عن فطنة الفرد والمجتمع. لقد سئم العربي محاولة أن يقول “لا”، وصار جل طموحه أن يتمكن يوماً من أن يقول “نعم، ولكن..”، وحتى يتدخل القدر لإتاحة الفرصة لهذه الأخيرة، فلم يعد من خيار سوى “نعم” و”آه”، ولم يعد من المنطق بعد ذلك قول “لا”، فقد أصبحت رهناً بالمعتوهين وأعداء أنفسهم، ومهما اقتنع عاقل بضرورة قولها، فإنه لن يمنع الجموع والقطيع من اعتبار أنه مجرد معتوه آخر مهما كان يبدو أكثر أناقة ولباقة وهو يقولها، على أساس أن علماء اللغة يعتبرون أن “لا” تتخذ قيمتها وأثرها من نبرة قولها.


في ظل الانحطاط والهزيمة و”نعم” اللامتناهية، تصبح تدخلات الأقدار التي أنهت حياة السفاح الإسرائيلي “شارون” نصراً خالداً وانتقاما لا مثيل له، مع أننا للموت جميعاً، ومع أن شارون عاش أطول مما يُتوقع، ولم تصبه رصاصة عربية واحدة. ثم يصبح من المقبول أن نقول إن “فلان” أسوأ من شارون ويتركز في العقل الجمعي أن كل المجرمين الذين عرفناهم صغاراً تواضعت شيطانيتهم أمام إجرام من نعرفهم الآن، خصوصا أولئك الذين كانوا من “المحسوبين علينا” ومن أعلام العروبية والقومية ومجاهدي الأمة ضد الغرب ومن أصدقاء بلداننا وأشقائها وشركائها التجاريين. ولك أن تتصور آثار كل هذه التقلبات في الأدوار، وانعكاسها على شعورنا أن الباطل والحق لم يعد لهما أوجه نعرفهما بها. فما كان شيطاناً بالأمس يمكن أن يصبح اليوم نبياً والعكس.


في ظل هذه الظروف يمكن أن يكون المستبد الذي ثار عليه الشعب هو الضحية، والمتهم أنه الجلاد هو نفسه من كان ضحية الأمس. ويصبح من الطبيعي أن نحتمل أن الثورة هي الثورة المضادة، وتصبح الثورة المضادة هي الثورة الحقيقية، كما يجيز ذلك أن “تفرض” على الناس أن تقول “نعم” وترهب من تعتقد أنه يمكن أن يقول غيرها لأنك تريد أن تحارب بـ”نعم” الاستبداد والإرهاب والتطرف والقمع. ويصير انكشاف فساد سياسي واحد في تركيا سقوطاً لحكومتها، بينما يدل ستر الفساد في مكان آخر على أن “ربنا راضي علينا ومبارك فينا”. ثم من الطبيعي بعد كل ذلك أن يكون مستخدم الكيماوي ضد المدنيين معذوراً لأن هناك من دفعه لذلك الجنون ولم يترك له خياراً سواه. ثم يمكن لهدم مسجد لطائفة أخرى أو قبراً لأحد الموتى أن يسمى نصراً للإسلام والمسلمين، ويقدم مشهد يُقتل فيه سائق حافلة على طريق عام لأنه لم يعرف عدد ركعات صلاة الفجر على أنه برنامج واقع تفاعلي ترفيهي، ويصير من الطرافة المثيرة أن تُلعب كرة القدم بالرؤوس المقطوفة وأن تؤكل القلوب والأكباد انتقاما. سيقول قائل إن في تراثنا ما يؤصل لهذا العنف وتلك الوحشية، وأوافقه جزئياً، فقد شاهدت قبل أشهر مقطع فيديو لأحد “المطاوعة” يزهو فيه بقصة مروية لقطع أحد كبار الصحابة رأس مالك بن نويرة وغليه في قدر قبل أن ينكح زوجته ويدخل عليها قبل انتهاء عدتها. لكنني أخالف من يقول أن القصص الشاذة تلك يمكن أن تخلف أثراً بهذا العمق في القيم والمبادئ، لأن طبيعة الإنسان السوي لا يمكن أن تقبل هذه الأفعال، حتى لو كان قد ولد وعاش بين الذئاب، كما أن تاريخ البشر مليء بالوحشية عند العرب وغيرهم، وهذا يعني أننا لسنا أقرب للوحشية من غيرنا.


في الغرب، يعلم محاضرون وأكاديميون الناس كيفية قول “لا”، لأنها وبحكم الخجل والحرج يمكن أن تكون صعبة عندهم، ومن آخر مسببات هذه الصعوبة الخوف من القمع. في أعراف العرب قول “لا” جريمة منذ نعومة أظفارهم، بدءاً من الوالدين، والمعلم في المدرسة، إلى المسؤول المباشر في العمل، وانتهاء إلى أصغر دبور في حاشية مالك الملك وربهم الأعلى. ولذا وقبل أن يتعلم العرب كيفية قول “لا”، فإن من المهم أولاً أن يتعلموا معنى أن يقولوا “نعم”، لأن التي يقولونها ليست سوى “آه” التي يستخدمها المصريون منذ قديم الزمن بديلاً لها، لأن أحداً قالها فيما يبدو، بينما كان يُجلد ليقول “نعم”!


*مقال منشور في صحيفة القدس العربي اللندنية بتاريخ ١٦-١-٢٠١٤


http://www.alquds.co.uk/?p=123657


تدوينة جديدة: كيف نقول “نعم” بدلاً من “آه” ظهرت على موقع موج بلا شاطئ - مدونة محمد الهاشمي موج بلا شاطئ.

2 likes ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on January 19, 2014 05:45
No comments have been added yet.