العجوز الشقراء التي لا تحبني- 29

لا وقتَ للوقتِ، إرتأيْ
حلماً، لكي نعاودَ حلمنا

لا روحَ للريحِ المسافرِ قبل حبّك
ليلُكِ السفرُ المريدُ بلا أيائلْ...
يجتاحُني كزكامِ صيفٍ،
أو بريدٍ ساهرٍ عرفَ الدروبَ، ولم يحاولْ

طوبى لمن قادتْهُ عيناكِ
ثانيةٌ ويصبحُ البحرُ الأرومةَ،
والسؤالُ بلا فواصلْ*

أقضي الأيام التالية بحثاً عن تلك الفتاة التي هزّت كياني بكلمتين، والتي لا أعرف حتى أسمها. أبحث عنها في المكتبة، في المعامل، في الحدائق التي تحيط بمباني الكلية، في الكافيتيريات، لكن لا أثر لها إطلاقاً، وكأنها كانت طيفاً من نسج خيالي. أضطر للقيام بما لم أقم به منذ دخولي لهذه الكلية؛ وهو الإنتظام في المحاضرات آملاً أن ألتقي بها. لطالما كان الإزدحام داخل المدرج، مع ارتفاع حرارته، والأسلوب التلقيني الجاف الذي يستخدمه الكثير من الدكاترة في المحاضرات؛ لطالما كانت كل تلك الأشياء عوامل منفرّة جعلتني أتحاشى حضور جلّ المحاضرات، وأعتمد بشكل كامل على ملخصات بعض الطلبة، والكثير من الدورات. غير أنني سأضطر بعد ذلك، من شدة شغفي برؤيتها مجدداً، لفعل ما هو أسوأ بكثير: الإستفسار من (وئام الزمزامة) عنها !.
(وئام) هذه، والتي كان الطلبة يسمونها الزمزامة، شخصية فريدة من نوعها، فقد كانت مدمنة على الثرثرة بشكل غريب، ومهوسة بأخبار ومغامرات الطلبة والطالبات، بحيث كانت تحتفط بأرشيف متنقل تحسدها عليه أقوى أجهزة المخابرات. هي أيضاً كانت ضيفة دائمة في أي مناسبة زواج أو عيد ميلاد أو حفلة تخرج تقيمها أي طالبة، حتى لو كانت تعرفها معرفة سطحية. لهذا اليوم مازلت أجهل السبب الذي يجعلها تتلذذ بغيبة زميلاتها، أو فضحها إحداهن بشكل سادي شامت. كنت كلما أرى (المهف) أو (الزمرينة) يتحدث معها أعرف أن هناك "حدثاً جللاً" أو أمراً ما يتم تدبيره. وكلما كنت أسأل (المهف) عن السبب الذي يجعله يتحدث لهذه الطالبة النمّامة؛ كان يجيبني وهو يبتسم:"ديما تبردي وتجيبنا في الأخبار طازة. وهو المطلوب يا قراندي".
إذن وقع المحظور ولابد مما ليس منه بُدّ. أقف في الممر الطويل الذي يؤدي للمدرجات في إنتظار مرور (وئام)، لعلمي أنها تقوم يومياً بـ"تخييّط" هذا الممر جيئاً وذهاباً في رحلات "مكوكية" لجمع آخر الأخبار، وكذلك لكي يبدو لقائي بها وكأنه صدفة. وبالفعل لم تمضِ ربع ساعة إلا وظهرت في آخر الممر وهي تمشي ببطء وتحرك عينيها في كل الإتجاهات في عملية مسح شامل لكل ما يحدث !. أقوم باعتراض سبيلها، راسماً ابتسامة كبيرة على وجهي:
-"أووو (وئام)…تي كيف حالك يا كويسة؟…وينك من نهار كووه ماعاد روه؟**" أقول لها مرحّباً…
-"أيه على أساس إنتَ تنشد ولا تدوّر أصلاً. قداش مرة نبعثلك في السلام وانتَ ولا انت. تطنيش عيني عينك" تجيبني (وئام) معاتبة…
-"تي ما نستغنوش عليك يا قنيّن. و راس لانوف إلا مشاغل"…
-"مشاغل؟؟؟ شكله المنهج متعّبكم أنت و(عادل) وبقية الشلة هههههه" تقول (وئام) وهي تضحك بخبث…
-"منهج شني الله يهديك؟ ما سمعتيش؟" أجيبها…
-"لا لا ماسمعتش…شني فيه؟" تسألني بلهفة…
-"مش أني كبرت وعقلت، وبديت أليف ومسالم" أقول لها مشاكساً، ثم أقول لها في شيء من الجدية "بصراحة نبي منك خدمة"…
-"خدمة؟…تفضل…كان نقدر عليها حاضر" تقول لي في شهامة غريبة…
-" نهارها في معمل البارا خذيت من طالبة باكو ألوانات باش نلون الرسمات متاعي، ونبي نردهولها لكن منعرفش اسمها، ومعادش شفتها" أقول لها محاولاً تزييف الأمر لكيلا تشكّ فيه. لكن يبدو أن حيلتي لم تنطلِ عليها…
-"باكو ألوانات؟. ماشاء الله بديت تحضر في العملي، وترسم فوقها؟. هذي تبيلها زردة" تقول لي في خبث، ثم تضيف متسائلة "شن شكلها؟ وشن تلبس؟"..
-"متوسطة الطول، بيضاء وعيونها كبار، وترسم مليح بكلّ"، وقبل أن أكمل تقاطعني (وئام) مستفسرة:
-" جنفاوية*** وعيونها كبار وخضر، وجو تلبس في جبب؟"…
-" أيه بالزبط…." أجيبها مسغرباً قدرتها على استحضار كل هذه التفاصيل بسرعة…
-"هاديكا بنت فلتة اسمها (فاتن)، متع قراية وجوها جديات و داكن لين خلاص"…
-" باهي وين نلقاها باش نرجعلها حاجتها؟" أسألها ملحاً…
-"هي ديما يا إما في المدرج أو في المكتبة أو تراجي في من يروح بيها قدام الكلية، معندهاش إلا صاحبة واحدة ديما معاها، ومعندهاش خلطة بالطالبات إلا خير خير. الصراحة ليا أيامات معادش شوفتها، لكن أعطيني يوم ولا اثنين وتوا نجيبلك معلومات عليها"…
-"صحيتي هلبة…نستنى فيك" أقول لـ(وئام) باقتضاب، ثم أودعها وأغادر.

لقد زاد حواري القصير مع (وئام) من قلقي وارتباكي، وأثار من الأسئلة في خاطري أكثر مما أجاب. يبدو أنني مقبلٌ على أمرٍ محيّر. لكن على الأقل تحصلت على إجابة شافية لسؤال مهم…إسمها. منذ اليوم لم تعد هذه الفتاة اللغز نكرةً في حياتي، بل لديها اسم، وأسمها (فاتن) !.
____________________________________* من قصيدة "لا تسرعي وقتي ووقتك للسلاسل" للشاعر خالد درويش.** مثل ليبي.***"جنفاوي" كلمة ليبية تعني الشخص الذي يستخدم اليد اليسرى في الكتابة والأكل وغيرها من الأعمال. 
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on January 06, 2014 00:43
No comments have been added yet.


عبدالدائم اكواص's Blog

عبدالدائم اكواص
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبدالدائم اكواص's blog with rss.