العجوز الشقراء التي لا تحبني- 30


في كلِّ ريحٍ تعبثُ امرأةٌ بشاعرها
خُذ الجهةَ التي أهديتني، الجهةَ التي انكسرتْ،
وهاتِ أنوثتي
لم يبقَ لي إلا التّأملُ في تجاعيدِ البحيرةِ.
خُذْ غدي عنّي، وهاتِ الأمس،
و اتركنا معاً
لاشيءَ، بعدكَ، سوفَ يرحلُ
أو يعودُ

وخُذي القصيدةَ إن أردتِ، فليس لي فيها سِواكِ
خُذي (أنا)كِ
سأُكمل المنفى بما تركتْ يداكِ من الرسائل لليمام
فأيُّنا منّا (أنا) لأكون آخرُها؟*


يقلقني جداً رحيل (إيلينا) المفاجئ، ويضيف لغزاً جديداً لسلسلة الألغاز التي تثيرها منذ أن عرفتها. في اليوم التالي أعود لعملي في مركز السرطان وأنا أشعر بالتعب وبانعدام الرغبة في العمل. لاشيءَ يبدو مختلفاً أو غريباً، ولايبدو أن أحداً قد سمع بقصة (إيلينا) أو لاحظ غيابها. غير أنني ومنذ الصباح الباكر وأنا في محاولات متواصلة للإتصال دون جدوى، فهاتفها يرن دون إجابة. أحاول الإنغماس في عملي لأشغل نفسي عن التفكير فيها، مطمئناً نفسي بأن لن تلبث أن تتصل بي كما فعلت أول مرة.
غير أن الأيام تمر تباعاً دون أن تتصل بي أو أن يظهر لها أي أثر، كما أن هاتفها أصبح مقفلاً. يتصاعد القلق في داخلي، فأقرر سؤال الممرضات عنها، فيخبرنني أنهن لم يشاهدنها مند أيام ولا يعرفن السبب. أتجه لسؤال سكرتيرة القسم، فتخبرني بأن (إيلينا) تقدمت بطلب إجازة مرضية عبر الإيميل، ولكنها أيضاً لم ترها. لم يبقَ أمامي سوى الذهاب للقسم الذي يعمل فيه (ڤاسيليوس). عند وصولي هناك أرى (سونو) الصينية، فأتحاشى الكلام معاها، وأتجه لكبيرة الممرضات في ذلك القسم مستفسراً عن (ڤاسيليوس). تخبرني الممرضة أنه في إجازة من أيام، وأنه لن يعود قبل نهاية الشهر. يزداد معدل حيرتي وقلقي، ولكنني أقرر التوقف هنا، ولا أستمر في أسئلتي لكيلا أثير أية شبهات حولهما.
بعد يوم طويل ومنهك، أعود مساءاً مقرراً ألا أفعل شيئاً سوى مشاهدة فيلماً كوميدياً أو بعض حلقات الستاند أب كوميدي لـ(رصّل هاوارد) لعلّي بذلك أطرد جانباً كمّ الهواجس الذي بدأ يعصف بي. بمجرد دخولي للبيت يستوقفني صوت (مارجريت) وهو يأتي من غرفة المعيشة…
-"أراك قد عدت أيها الولد. ألا تسلم على هذه العجوز" تقول لي (مارجريت) بصوت بطيء…
-"مساء الخير (مارجريت)…إعتقدتُ أنك نائمةٌ في هذا الوقت" أرد عليها محيياً…
-"كنتُ سأنام بالفعل، ولكن لدي شيء أحببتُ أن أسلّمه لك قبل النوم"…
-"شيء؟…ماهو؟" أقول متسائلاً في استغراب…
-"رسالة لك جاءت هذا الصباح" تجيبني (مارجريت)…
-"ولماذا لم تقومي بوضعها في مكتبتي كما تفعلين دائماً؟"…
-"لأني أردت أن أنبهّك لها، فغالباً ما تنسى قراءة بريدك لعدة أيام بسبب انشغالك المستمر" تقول لي بنبرة تعلوها الجدية…
-"وما المهم بخصوص هذه الرسالة؟" أسألها…
-"إنها رسالة من صديقتك اليونانية" تقول لي (مارجريت)، وقبل أن تستمر في حديثها أقوم بخطف الرسالة منها، أحييها باقتضاب، وأتجه مسرعاً لغرفتي…
بمجرد أن أدخل لغرفتي، أرمي حقيبتي جانباً، أجلس على السرير، أمزق المظروف، وأبدأ بقراءة الرسالة…
"عزيزي (خالد)…
أولاً أرجو منك تقبل أسفي الشديد لمغادرتي بيتكم بذلك الشكل دون إعلامك أو السلام عليك.

لطالما كنتَ تمثل لي مصدراً للإلهام والعطاء، والمثال الحي لما يجب أن يكون عليه الرجل: صبوراً حازماً، قاسياً على نفسه، متعاطفاً مع مرضاه، قريباً من أصدقائه ومستعداً دائماً لمساعدتهم متى احتاجوا ذلك. أما أكثر الأشياء التي أحببتها في شخصيتك فهي الغموض الجذاب الذي يحيط بشخصيتك-والمستفزّ أحياناً-، والحكمة التي تفيض من كلماتك. كنت دائماً ما أستغرب كيف لشاب في عمرك أن ينطق بكل تلك الحكمة وكأنه عجوز طاعنٌ في السن. مازلت أذكر إجابتك المازحة كلما سألتك عن مصدر كل تلك الحكمة، وكنت تنفي بشدة أن تكون حكمة، بل خلاصة تجارب صعبة، كنت تلخصها في كلمة واحدة، هي كل ما حفظته منك من اللغة العربية: "خيبرة".
نعم وكما كنت تقول دائماً يا (خالد)، فنحن جميعاً مذنبون وضحايا في هذا العالم، الحياة ليست عادلة أو ظالمة، فتلك صفات بشرية بحتة. هناك فاصلٌ رقيق جداً بين أن تكون مذنباً أو أن تكون ضحية، وكل ذلك يرجع للظروف التي أوجدنا أنفسنا فيها نتيجة قرار ما اتخذناه لحظة حماس أو خوف أو غضب أو حزن. غير أننا ممثلون بارعون نمارس النكران، ونستحلي دور الضحية، هرباً من مواجهة المسؤولية، مسؤولية مواجهة نتائج قراراتنا وأفعالنا. كنتَ دائماً تقول أن على الإنسان أن يكون شجاعاً ويواجه نفسه، ويتحمل توابع قراراتها، بدل أن يلوم العالم بأسره. لهذا قررت أن أكون شجاعةً للمرة الأولى في حياتي، وأنا أقوم بيديا بتنظيف ما تراكم من قمامة بسبب نزواتي وضعفي…

ملاحظة: لم أكن أتوقع أن يكون الضبّ الصحرواي بهذه الشراسة. شكراً علي اللحظات الحميمية السعيدة…

بإخلاص

إيلينا"….

_________________________
* من جدارية محمود درويش
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on January 07, 2014 00:43
No comments have been added yet.


عبدالدائم اكواص's Blog

عبدالدائم اكواص
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبدالدائم اكواص's blog with rss.