العجوز الشقراء التي لا تحبني- 28
خايفْ زمانك أطولك نيابهوصغرك ايهزّك لشور الخطا
وخايفْ على العين ترقى ضبابة
إتقّي عليك السمي والوطا
وخايفْ توالف بعيش الرطابة
وتعتاد نفسك حياة الرخا
وخايفْ تعاف الوطنّ وترابه
وترضى قدا غيرنا بالشقا
وخايف إتبّع الوهم وسرابه
وتكمشّ تحصّل كان الهوا
وخايف إتضيّع لعمرك شبابه
وتفيق تلقى عمرك مضى*
تتسلّل خيوط الفجر الأولى رويداً رويداً عبر الأفق الشرقي لبرّ (العتّل)، فيصيح الديك منشداً أنشودة الصباح اليومية، وتنبعث كل المخلوقات من نومها في تثاؤب. تنتشر في أنحاء المكان رائحة نباتات الشيح ممزوجة برائحة الثرى الذي يبلله الندى، بينما تبدأ الطيور-التى تمتطي أغصان السرو والزيتون-في الزقزقة بشكل جماعي، وكأنها تغني في أوبرا جماعية أغنية الحياة. بعيداً في السماء تتناثر بعض الغيمات البيضاء وكأنها قطع متناثرة من (حلوى الصوف)، ويمتد خطٌ أبيض طويل لطائرة ما تتجه شمالاً على إرتفاع كبير. هناك نسمةٌ خفيفة وباردة تأتي من جهة الشمال الشرقي يهتز لها جريد النخل بشيء من الغنج، فيصدر عنه حفيفٌ يشبه الوشوشات. بعيداً أيضاً يُسمع نباح بعض الكلاب يأتي من مكان ما، يتلوه رغاء جمل يأتي من مكان يبدو أنه قريب.
على الرغم من كل هذا التباين في الأصوات؛ يبدو المشهد في مجمله هادئاً أليفاً متناسقاً، يبعث على السكينة والإرتخاء، لهذا قرر أن يقف عند النافذة متأملاً ومتداخلاً مع المشهد، وأن يملأ رئتيه بما يستطيع من هذا الهواء النقي المنعش.
----------------------------
-"هاي خالد، معليشي عطّلت عليك، الطريق زحمة ومالقيتش وين ندرّس" تحييني (مودة) وهي تلهث بعد أن تأخرت على موعدنا ثلث ساعة…
-"مش مشكلة" أرد ثم أضيف "صباح الخير. كيف حالك اليوم؟"…
-"الحمد لله. خير إن شاء الله؟، مش عوايدك تعزمني" تسألني…
-"توا نقولك، خلّلي نطلبلك حاجة قبل. شن ناخدلك؟"
-"أي حاجة علي ذوقك" تجيب في اقتضاب…
أتوجه لمكان الطلبات، فأشتري لها كابتشينو وكيكة كاراميل، ثم أعود لطاولتنا. تجلس (مودة) في هدوء وكأنها لا تعلم شيئاً، أو كأنها مرتاحة لما فعلت. غير أن فضولها الأنثوي يغلبها، فتسألني:
-"مازال ما تبيش تقولي. زي ما تحب تقول ديمة أفقش ياراجل شن فيه؟"
-"كيف عرفتي إني نبّي مذكرة العملي متعّ البارا؟" أسألها بشيء من الجدية…
-"صاحباتي قالولي" تجيب (مودة) مباشرة ودون مواربة…
-"تراقبي فيّا يا مودة؟ هذي آخرتها؟" أقول بعصبية…
-"ما تحسبهاش هكي…صاحباتي حكولي علي موقفك في المعمل، و(نجوى) صاحبتي كانت حاضرة فقالتلي أن عندها دسكة فيها كل شي. طلبت منها أنها اتديرلي نسخة اللي عطيتهالك. وبس خلاص"
-" لامش خلاص. تندري شن فيها الدسكة؟ قصدي كل شي فيها؟" أسأل (مودة) في حزم…
-"أسئلة بارا متع السنوات اللي فاتت، ومذكرة عملي راسمها طالب قالولي رسمه مش عادي، مع فيديو متع شرايح" تجيب (مودة) بكل هدوء وثقة…
-"و زوز ڤيديوات ليك وإنتي ترقصي….ولا هادوم مش في المنهج" أقول متوتراً وبنبرة تدل على استياء…
هنا تتسع عينا (مودة) في ذهول، ويمتقع وجهها، بينما تبدأ شفتاها في الإرتعاش وكأنها تود الرد ولكنها عاجزة عنه. يستمر الموقف للحظات تمرُّ وكأنها دهر، ثم تنفجر الدموع غزيرة من عيني (مودة). خلال السنوات الماضية التي عرفت فيها (مودة) لم أرها بهذا الوضع، بل لم أرها تبكي من قبل. تخفض (مودة) رأسها وتبدأ في نشيج خافت، لم أفهم منه سوى "دارتها فيّا الكلبة". أحاول وضع حداً للموقف المحرج، فأبادر بسؤالها:
-"قصدك (نجوى) هي اللي حطت الڤيديو؟، باهي علاش؟ شن مصلحتها؟"
-"مانعرفش…والله مانعرف…زيني زيّك. عفست فيّا وفضحتني الكلبة"
-"باهي فيه حد ثاني شاف الڤيديو؟" أسألها…
-"والله ما نعرف. حني ديما نصوروا في بعضنا. عندها هلبة ڤيديوات ليا" تجيب (مودة) وصوتها يعلوه النحيب والقلق…
-"على العموم خودي الدسكة متعك توا. بالنسبة لـ(نجوى) الألعبي هذي فنعرف زمان أنها كانت مدايرة علاقة مع (جلال الزبلة). توا نكلم (المهفّ) و(الزمرينة) ونعرف كيف ننبش جرتها. وراسك لما نربيهالك ونخليها تجي تعتذرلك. المهم توا ديري الحولة ولا كأن حاجة صارت، وكان نشداتك (نجوى) على الدسكة قوليلها ما صارلكش وماكش عاطيتهالي. أوكي؟".
-"أوكي. أسفة جداً والله. رد بالك تفكر فيا غلط، والله العظيم ماني فاسدة" تقول (مودة) في نوع من الرجاء، ثم تقوم بمسح دموعها، تمسك حقيبتها ومفتاح سيارتها، وتهم بالمغادرة.
-"إن شاء الله خير. أنسي الموضوع توا" أقول لها مطمئناً، ثم أرافقها لسيارتها. يتجه كل منا إلى وجهة مختلفة، وفي رأسه أفكار وهواجس تتخلف عن الآخر….
______________________________________
*من قصيدة للشاعر التونسي رضا عبداللطيف
Published on January 02, 2014 11:19
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.

