ماذا تبقّى لك؟
هو سؤالٌ وجودي لا يلبث أن يختفي حتى يطلّ برأسه من جديد. تعبتَ من هذا المسير العشوائي بلا هدفٍ محدد، تعبتَ من هذا النفق اللامنتهي، ومن تفرّعاته اللّانهائية. إلى متى يتوجّب عليك أن تلعب النرد مع هذه الحياة؟، إلى متى عليك أن تتخذ قراراتٍ مصيرية دون أن يكون لديك تصور كامل لما قد يترتب عليها؟. تعودت أن تسير في الظلمة متمنياً أن يتلقفك ضوءٌ ما في نهاية النفق. تعودتَ أن تلقي بنفسكَ من على حافة الجرف آملاً أن هناك في الأسفل شيئاً-أو شخصاً ما- سيتلقّفك. لقد طال المسير، والكوّة التي تحلم برؤيتها في آخر النفق لم تظهر بعد، فهل هناك بالفعل كوةٌ في آخر النفق؟.
ماذا تبقّى لك؟. ذاكرةٌ مفخّخة بألغام الذكريات الأليمة، والتي تخشى الإقتراب منها لكيلا تنفجر في وجهك (مرةً أخرى). هناك زوايا في ذاكرتك نسيتَ متى كانت آخر زيارة لك لها. هي مدفونةٌ تحت ركام الوقت وغبار التناسي، ولكنك تعلم أنها مازالت هناك متربصة بك عند أول محاولة إقتراب. تتذكر أنك ألقيتها هناك على عجلٍ، وكأنك كنت تمسك جمرةً وتريد التخلص منها. كما تتذكّر أنك غادرتها هناك بسرعة، ولم تلتفت خلفك إطلاقاً، ولكنك في زحمة الخوف والإستعجال نسيتَ أن تنزع فتيلها. لهذا تعلم أن أكوام الركام والغبار لن تمنع إنفجارها فيك، في الزمان والمكان الذي تختاره.
هكذا أنتَ دائماً، تتشبث بنظرية الهروب للأمام، الأمام المجهول بالنسبة لك، الأمام المبهم، الأمام المليء بالآمال الهشّة، والوعود الضبابية. لكنك-لسبب تعلمه جيداً- لا تنسى النظر في المرآة باستمرار. تائه؟ نعم…محبط؟ جداً…يائس؟ لا، فظروف الحياة التي مررتَ بها جعلتكَ تتاعيش مع التيه والإحباط، والغضب لدرجة النقمة، ولكن شيئاً ما-ربما يكون جينياً- يجعلك لا تستيغ اليأس، ولا تتقبّله.
كيف كانتْ البداية؟…لستَ تدري بالضبط، فهناك العديد من البدايات، وكل واحدةٍ منها إنبثقت -ظاهرياً على الأقل- من العدم. إذن فهناك عدمٌ واحد؟ (تسأل نفسكَ). ربما نعم، وربما لا، فالعدم مصطلح ناعم نصف به محدودية معرفتنا وإدراكنا، وعجز ذكائنا أمام بعض الأسئلة الوجودية. وكيف ستكون النهاية؟، سؤالٌ تؤجل الإجابة عليه باستمرار، أو فلنقل تخشى الإجابة عليه. وهل هناك نهاية واحدة؟. من المفترض-نظرياً وفيزيائياً- أن ينتهي المسير في نقطة ما في إحداثيات المكان والوقت (المُدرَك). تعلم من إطلاعك على نظرية (آينشتين) النسبية أن الزمان والمكان يشكّلان نسيجاً واحداً (فيزيائياً)، لهذا تتشبث بهذه النظرية لتنقذك في لحظات الإرتباك والحيرة. لكنك تعلم -أيضاً- أن أيّة نهاية لحدث ما، هي في حد ذاتها بداية لشيء ما يليه، لتستمر حلقات البداية والنهاية في متسلسة حسابية أزلية-أبدية. لهذا عليك أن تترّجل من على تيار الأفكار المتدفق، لتقرر أيّ النهايات تليق بك !.
هي حركة صعود متبوعة بانحدار، يليه صعود…وهكذا، حركة بندولية تتأرجح بين حواف الألم وحدود الأمل، حركة في اتجاه ما، وبسرعة تحددها تقلبات الظروف، ومختنقات الحياة، حركة مرّتْ-وربما ستمرّ- بآلاف الأماكن والوجوه والأسماء والمسميات والأحداث والظواهر والتقلبات، وأنتَ المسافر-وحيداً- فيها، المسافر الذي رأى وذاق وجرّب وخبِرَ وتلذذ وعانى واحتضن وودّع ونجح وأخفق….، ولكنّه مازال يسير فيها مرتبكاً متعثّراً، بالكاد يرى أين يضع قدميه، وبالكاد يسمع صدى لهاثه، يسير وما يحمله في صدره من أسئلة أكثر بكثير مما يحمله من إجابات.
Published on July 25, 2013 12:34
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
