العجوز الشقراء التي لا تحبني- 14
الذاكرة…ذلك القبو المعتم في داخل كل إنسان، والذي يحيط به شعور غامض يجمع بين الفضول والرهبة. قبو تنبعث منه روائح غامضة تهيج المشاعر وتجعلها تتأرجح بين الخوف والألم والغبطة. ليس للقبو بابٌ بالمعنى الملموس، ولكن له حاجزاً خفياً، ويستلزم الولوج له محفّز من نوع خاص: صورة، رائحة، أو أغنية ما. يمتلئ ذلك القبو بأشياء ملقاة دون ترتيب؛ بعضها ثمين وبعضها رخيص وبعضها بغيض. لكن لماذا تحتفظ ذاكرتي بكل الحيوية والعنفوان عندما يتعلق بـ(ف)؟. ما هو ذلك العامل السري- X Factor- الذي يميزها عن كل من تعرفت عليهن، ويجعلني أشعر بالكثير من الفقد والذنب وأشياء أخرى معقدة كلما مر طيفها بمخيلتي؟. ما هو السر الذي يجعل ذاكرتي الفوضوية تتمكن في ثانية من استحضارها، واستحضار صوتها، ابتسامتها، رائحتها، ونظرتها؟. أنا أؤمن بتأثير الفيزياء والكيمياء على الحب، فهو يتمددّ لدرجة التمزّق، وينكمش فجأة وكأن لم يكن، ويتآكل ويصدأ. لكنّ شعوري نحو (ف) لا يبدو أنه يخضع لتلك القوانين والمعادلات، بل يبدو كمعدن ثمين يزداد تألّقاً بمرور الزمن. يبدو أنّ خيالي بدأ يشتطُّ بعيداً، ويحاول يائساً استحضار خيالات الغائبين…-"?Can I take your cup, sir". ينبهني صوت النادلة في مقهى (كوستا) إلى أنني قد استغرقت وقتاً طويلاً في التفكير، لدرجة أنني قد انفصلت عما حولي . منذ أن وطأت قدماي هذه المدينة وأنا أمر بحالات متكررة من التيه والإنعزال الذهني عن كل ما حولي. كلما أحسست ببعض الفراغ، أو اختليت بنفسي لوقت قصير؛ هجمت عليّ الذكريات والهواجس وكأنها ذئاب برية جائعة تحاول افتراس طريدة منهكة. هكذا هي الحياة في مدينة كـ(لندن)، كثير من الركض والتشنج والضغط النفسي، مع فرص محدودة للراحة والاسترخاء يقضيها الإنسان في مرواغة هواجسه أو ذكرياته !. الأنسان في المدن الكبيرة المتوحشة لا يعدو كونه رقماً يستخدم في إحصائيات الشركات الكبرى ومراكز البحوث ومنظمات الصحة والتقاعد، لا يعدو كونه ترساً في آلة عملاقة يقوم بدور ميكانيكي محدد مسبقاً، ويتم رميه بمجرد أن يعلوه التآكل أو الصدأ. أما المال فهو زيت التشحيم الذي يضمن الحد الأدني من الإحتكاك لجعل التروس تعمل لأطول فترة ممكنة.
أتذكر أنني لم أرَ (مارجريت) منذ عدة أيام إلا لماماً، ولم أتحدث معها طوال تلك الأيام؛ فأقرّر أن أعود مبكراً للبيت، لكي ألحق بها قبل أن تخلد للنوم (هي عادة ما تخلد للنوم بحلول الثامنة مساءً الأمر الذي واظبت عليه لعقود). أدخل للمنزل وخلال مروري بالحديقة الأمامية أرى (مارجريت) وهي تتناول عشاءها في المطبخ، وإلى جانبها تغطس (لوسي) رأسها في صحن بلاستيكي يبدو أنه عشاؤها هي أيضاً. - "هأنتَ أخيراً تعود باكراً أيها الولد البائس" تقول لي وهي ترسم ابتسامة صغيرة على وجهها المجعّد.-"نعم"، أقول ثم أضيف متسائلاً:"يبدو أنك اشتقت لي أيتها العجوز"؟- "تستطيع أن تقول أني أفتقدتك"- "إفتقدتيني"…منذ مدة طويلة لم يقل لي أي شخص هذه الكلمة. -"يبدو أنك تعاني من الشعور بالوحدة أيها الصبي"- "ومن منا لا يعاني-أحياناً- من الشعور بالوحدة؟.ألا تعانين أنت منها أيضاً؟"
تصمت السيدة (مارجريت) ولاترد. وكأنني لمحت دمعة تترقرق في عينيها. يبدو أنني قد لمست وتراً حساساً في داخلها. أشعر بالذنب لذلك، فأحاول تغيير مسار الحديث:- "ألم تلاحظي أنك لم تدعوني حتى للجلوس، ولم تقدمي لي أي شيء؟"-"صحيح، آسفة. تفضل شاركني عشائي"- "وما الذي تتناولينه؟"-"شربة خضار، خبز شعير محمّص، وبعض الفواكه المجفّفة"- "مازلتُ صغيراً في السن لأتناول هكذا طعام"-"وما الذي تود تناوله؟"-"تشيز بيرغر مع كثير من البطاطا المقلية المغطاة بالكاتشاب مع قنينة بيبسي باردة"- "وهل تسمي هذا طعاماً؟"- أرد مستفزاً:"وهل تسمين ما تأكلينه طعاماً؟". -ترد:"على الأقل هو طعام صحي"-"نعم هو كذلك، تماماً كطعام المستشفيات. ألهذه الدرجة تخافين على صحتك؟"- ترد بحزم:"بل أحاول الحفاظ على ما تبقّى منها"
عند هذه النقطة أتوقف عن الحديث، أودع (مارجريت) بسرعة؛ ثم أخرج بحثاً ْعن أي مقهى وجبات سريعة لأتناول ما تيسّر طعام غير صحي يسمونه هنا junk food . أتفكر في إجابة السيدة (مارجريت) حول محاولتها الحفاظ على ما تبقّى من صحتها. هذه عجوز في السبعينات من عمرها مازالت متشبثة بالحياة حتى آخر رمق. إنه شعب يحب الحياة ويقدّرها، بل ويقدسّها. لماذا نختلف عنهم؟ لماذا لا نحب حياتنا ونسعى للحفاظ عليها؟، لماذا تتمحور حياتنا حول الموت-تفكيراً فيه وتحضيراً له-فقط؟….
Published on November 15, 2013 12:43
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
