العجوز الشقراء التي لا تحبني- 15
الموت هذا الثقب الأسود الذي يبتلع كل إنسان فلا نعود نراه مرة أخرى. هذا الشيء الغامض الذي نعترف بوجوده وحتميته، ولكننا نجهل ماهيته. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش وهو يدرك أنه سيموت يوماً ما في مكان ما. وكأن كل ما نقوم به في حياتنا لا يعدو كونه تحضيراً طويلاً لهذه النهاية. لكن هل هو نهاية بالفعل؟ أم أنه بدايةٌ لرحلةٌ أخرى عبر المطلق. أنا "الآن-هنا"، الكائن الفيزيائي المقيّد بقوانين وأبعاد هذا الكون المنظور أقف ومعي سبعة مليارات إنسان، نقف عاجزين أمام هذا اللغز المحير الذي نرى مسبباته وتأثيره، لكننا نعجز توصيفه، نقف عاجزين في طابور طويل أمام بوابته في أنتظار من سيقع عليه أصبع الإختيار في المرة القادمة. لكن مادمنا نعترف بوجوده وحتميته، وأننا كلنا نسير باتجاهه؛ لماذا لا نحاول أن نعيش بسلام وأن نستمتع بحياتنا، لماذا-مثلاً- يصرّ البعض أن يكون وكيلاً لـ"سفريات الموت"يقوم بتسريع إجراء المغادرة للآخرين؟
اليوم السبت، ومازالت الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحاً. أقرر اليوم أن أتمشى على ضفة نهر (الثيمز)، الأمر الذي كنت أمارسه باستمرار، ولكنني ابتعدت عنه منذ شهور. أركب قطار المترو من محطة (ويست هامستد) ولا أغادره إلا في محطة (ووترلو) التي تقع على الضفة الجنوبية للنهر. بمجرد خروجي للسطح أجد نفسي وسط زحام السوّاح من مختلف الألوان والأشكال. هناك فتاةٌ شقراء تعزف القيثار وتغني أغنية حزينة وأمامها طاقية ممتلئة بنقود معدنية، وكذلك فرقة من أربعة رجال- يبدو أنهم غجر-يعزفون على الأكورديون ويغنون أغنية غريبة. هناك كُشك صغير يبيع سندويتشات النقانق الساخنة، وتنبعث منه روائح القلي لمسافة بعيدة. لكن المضحك في هذا المكان هو بعض الأشخاص الذين يقومون بطلاء أنفسهم بشكل غريب، ويقفون في جمود وكأنهم تماثيل معدنية. أناسٌ من مختلف الجنسيات يتمشّون على ضفة الثيمز زارافاتٍ ووحداناً، يثرثرون، يضحكون، يصورون، و يمتصون رحيق الحياة حتى آخر قطرة. أعترف أنني برغم هذا الزخم وهذه الحياة، إلا أنني دائماً ما أشعر بنوع من الوحدة والغربة اللذيذة في هكذا أمكنة. لهذا ففي الغالب أفضل الإنزواء في هدوء في أحد الزوايا، ومشاهدة الناس من بعيد.
ألمح أحد المقاعد الشاغرة التي تواجه النهر، فأقرر مباشرة التوجه إليه والجلوس. هأنذا الآن أجلس وأمامي مباشرة نهر (الثيمز) بكل عظمته وسحره، وهو يستمر في حركته الأزلية-الأبدية نحو المصبّ في المحيط الأطلسي. هكذا هو (الثيمز) لا يسير الإ في نفس الإتجاه، وبنفس الحزم والإصرار، غير عابئ بمئات المراكب والسفن التي تركب ظهره، ولا عشرات الجسور التي تقطعه. هو هكذا دائماً، ربما يفيض بسبب المد، أو يضمحل بسبب الجزْر؛ ولكنه لا يجفّ أبداً.
يهتز الهاتف في جيبي فجأةً (تعوّدت مذ أن جئت لهذه البلاد أن أترك هاتفي على الوضع الصامت معظم الوقت، ففي النهاية ليس لدي الكثير من الأصدقاء ليتصلوا بي هنا، ولست مستعداً لتحمل إزعاج مكالمات الدعايات والعروض التجارية المزيفة). أخرج الهاتف فأجد أن لدي خمس مكالمات لم أرد عليها، ورسالة صوتية، جميعها من صديقتي اليونانية (إيلينا). أضغط زر الإستماع للرسالة، فيأتيني صوت (إيلينا) متوتراً، وهي تقول في إلحاح:"هلو يا صديقي العزيز…أنا إيلينا…أحتاج أن أقابلك اليوم بشدة…سأكون في البيكاديللي طوال اليوم…يمكنني أن ألتقيك خلال نصف ساعة في أي مكان تختاره…كلّمني أرجوك". وكأنني قد أحسست بغصّة ما في صوتها، أو أنها كانت تبكي قبل مكالمتي. تُرى ما الذي تريده هذه الفرس الإغريقية الحرون من هذا الكائن الصحراوي البائس؟….يتبع
Published on November 23, 2013 10:44
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
