صناعة "الوهم" .. إفتح النافذة, لم أعد أصدقك بعد الآن
مشهد من الفيلم ..
أتذكّر دائماً كلما فكّرت في “المأزق البحريني” السياسي الذي نعيشه اليوم, أتذكّر الفيلم السينمائي الألماني Good Bye Lenin أو “وداعاً يا لينين”, للمخرج الألماني فولفجانج بيكير. والحقيقة أنّ فيلم الدراما الكوميدية الذي حاز العديد من الجوائز منذ عرضه في 2003م, يشكّل مقاربة دقيقة في قالب كوميدي تراجيدي لحالة الوهم والواقع, وكيف يتسيّد أحدهما على الآخر في مرحلة ما بأدوات الفعل الإعلامي, من خلال اقترابه من حالة عائلة ألمانيّة في الفترة بين 1989 و 1990 تعيش في ألمانيا الشرقية.
ببساطة يمكن توصيف وضعنا في البحرين, بأنّهُ وضعٌ جُيشت فيه كل الأوهام لتصييرها وقائع. منذ فترة العشرينيات وصولاً لمرحلة تسيّد فيها التلفزيون الرسمي حملة الإيهام المسيّس في فترة فبراير 2011م إلى ما بعد فترة السلامة الوطنية, ولازال يُراد لهذه الأوهام أن تبدو حقيقية جداً بأي شكل من الأشكال. وليس أدلّ من ذلك تساؤل : “لماذا يأبى البعض إلا أن يكون غير منصف للحقيقة الناصعة وهي أن البحرين شعلة إصلاح وديمقراطية”. أي أن علينا ببساطة أن نعيد تفكيرنا وحساباتنا نحن شباب 2012م وجيل التويتر والفيسبوك و”الربيعات العربية”, ونقتنع بما يقولهُ أحدهم. أن نؤمن وننصاع لفهمه وتعريفه للديمقراطية والإصلاح.
تبدأ الحبكة الحقيقية للفيلم منذ انضمام إحدى السيدات في ألمانيا الشرقية للحزب الإشتراكي الألماني. السيدة التي تعيش مع إبنها وابنتها في شقة ببرلين بعد أن هاجر زوجها إلى ألمانيا الغربية. تدخل في غيبوبة طويلة بعد رؤيتها لابنها وهو يُعتقل بعنف من قبل الشرطة في مظاهرة ضد سياسة الدولة. بينما كانت تتجه لإلقاء خطاب احتفالي بالذكرى الأربعين لولادة “جمهورية ألمانيا الديمقراطية”.
يسقط جدار برلين بينما تنام الأم في غيبوبتها, ويستطيع الابن والبنت أن يتعايشا مع الحياة الرأسمالية والليبرالية الغربية الجديدة. لكنّ الأم تستيقظ وبشكل مفاجئ بعد ثمانية أشهر من الغيبوبة. فيضطر الابن لإخفاء كل التحولات السياسية الجديدة وانهيار النظام الاشتراكي في ألمانيا الشرقية, رأفةً بأمه التي يوصي الطبيب بعدم تعريضها لأخبار صادمة نظراً لضعف قلبها. من أجل ذلك يضطر الابن لصناعة عالم مغاير في غرفة الأم, عالم يتشابه مع عالم ألمانيا الشرقية الذي انتهى. بينما يوجد في الخارج عالم مختلف تماماً لا يشبهه بأي شكل من الأشكال. بدءً من ملصق “الكوكاكولا” الذي يزين الجدران, وصولاً إلى أنواع السيارات والمطاعم الأمريكية المنتشرة.
يستعين الإبن بأصدقائه وعائلته للتزييف, يبحث عن معلّبات قديمة من حقبة الزمن الاشتراكي ويقدم فيها الطعام لأمه, و ينتج نشرات أخبار وهمية وبرامج يقوم بتصويرها مع صديقه ليقنع أمه باستمرارية الوهم الذي تعيشه من هيمنة الاشتراكية ومن كونها لازالت -كما تعتقد هي- الحل المنطقي والحقيقي لكل المشكلات.
من هنا يبدأ “الوهم” في تسيّد كل الأحداث. أن تعيش الأم في كذبة كبيرة في غرفتها, يُراد لها أن تعيشها. لأن الابن يرى أن من مصلحتها عدم معرفة ما يجري في الخارج. من مصلحتها أن تقتنع – ولو جبراً- بأنها تعيش أفضل لحظات حياتها وأجمل أيام المدّ الاشتراكي, تماماً كما يُراد لنا أن نقتنع بأنّ وضعنا هو المثالي جداً وأننا نعيش في أبهى عصور الديمقراطية من خلال مجلس برلماني عقيم, وإذا كنّا سنصدّق جدلاً بذلك علينا أن نقتنع بأن كل الفساد الذي فضحته كل تقارير الرقابة المالية هو محطة أخرى من محطّات حياتنا الديمقراطية وعلينا أن نتجاوزها تماماً كما تجاوزنا مراحل أشدّ صعوبة. نتجاوزها بالتكاتف والوحدة ولم الشمل. لا بتشريعات حقيقية لمحاسبة المسئولين عن كل هذه الجرائم بحق الوطن.
استمرت السلطة في صناعة وهم الديمقراطية, وشحنت أصدقائها للترويج للبلد على أنه محطة الديمقراطية الأولى في المنطقة. وهو “وهم” بالمناسبة صدّقهُ من أراد لأنهُ يريد أن يصدقه. وآخر كان دوره مثل دور “الطبيب” الذي كان يرى الحل في الوهم لأن البديل الحقيقي لن يكون بالوسع تحمّله. وفي منأى عن كل هذا كان الفساد على أشدّه, و السرقات ودفان الأراضي, والتمييز و التهميش. كلها أمور تحدث خارج غرفة الأم. وهذا ليس مهماً بقدر أهميّة ما تشعر به الأم من أنّ الأمور “طبيعية جداً”.
في فبراير استفاقت الأم/البلد من غيبوبتها على بطش السلطة, فكان لابد من تدخّل التلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى لتلعب دورها في صناعة الوهم الإعلامي. وهذا الدور يركّز مخرج فيلم “وداعاً لينين” عليه بشكل مكثف في أحداث الفيلم, حيث يحرّف الابن الوقائع بمساعدة صديقه الذكي جداً, ويحوّل خبر سقوط جدار برلين, إلى أنه “تدافع الألمان الغربيين لطلب اللجوء من ألمانيا الشرقية”. ويستمر في خلق الأكاذيب والأوهام على أمّه.
المخرج بدوره يستخدم الكاميرا والحركات العفوية للمثلين للسخرية من كل “اليقينيّات” التي يُسلّم بها أي طرف. سواء الأم التي تصدّق كذبتها أو الابن الذي تكيّف مع الوضع الجديد لألمانيا الموحّدة. يسخر من الرأسمالية والاشتراكية في آن. يسخر من “صانع الوهم” ومن البسطاء الذين انجرّوا خلفه. الحل في الحقيقة. هكذا يقول المخرج وهو بالمناسبة مؤلف الفيلم ومشارك في كتابة السيناريو مع بيرند ليشتنبرج. الحل في الحقيقة لنبدأ في صياغة عالم جديد يتعايش فيه أصحاب كل المبادئ دون أن تفرض عليهم وصاية الإعلام أو فهم مفرد وبسيط و ساذج للديمقراطية والحريّات. الحل في الحقيقة. لأنها الضامن الحقيقي لتعدد الآراء. لذلك تقول الأم لابنها عندما تفيق باستغراب, “لاشيء تغيّر هنا” فيجيب “وما الذي سيتغيّر؟”. هذا السؤال المفتوح الذي تطرحهُ الأم يجعلها في النهاية تكتشف الحقيقة. تفتح نافذة غرفتها على لقطة لملصق “الكوكاكولا” -الثيمة الرئيسية للرأسمالية الغربية- وهو ينزل من على إحدى البنايات. يضطرّها ذلك للنزول إلى الشارع لترى تمثال “فلاديمير لينين” مؤسس المذهب اللينيني السياسي وقائد الثورة البلشفية وصاحب شعار “الأرض والخبز والسلام”, متدلٍ من طائرة وهو يُنقل إلى مكان مجهول على خلفية موسيقى حزينة. تكتشف الأم الحقيقة بشكل مؤسف وصادم, لكنّها تكتشفها في النهاية.
لم تعد مجدية فكرة صناعة “الوهم”, وعلى صنّاع القرار أن يؤمنوا بذلك. لم يعد مجدياً تغيير أثاث الغرفة, ولا تبديل علب الطعام. ولا تزييف نشرات الأخبار. الحل في الحقيقة التي يجب أن تُنتج حلاً جذرياً, بلا مساس بما يعتقدهُ المواطن أو يصدّق به. هذا المواطن الذي ضاق بكل ما يحصل من فساد وتهميش, وخرج ليصرخ بأعلى صوته اليوم : “إفتح النافذة .. لم أعد أصدّقك, ليس بعد الآن”.
Good Bye Lenin (2003)
http://www.youtube.com/watch?v=YGk6Co5ZPrA


