الشيطان والآنسة بريم" — قراءة في آليات التبرير الأخلاقي للبشاعة



باولو كويلو (الكاتب البرازيلي العالمي)، صدرت له الرواية عام 2000، وتبدأ بقدوم رجل غامض وغريب إلى قرية نائية ومعزولة. يعرض على آنسة بريم التي تعمل في الفندق اتفاقًا لأهل القرية: أن يقتلوا شخصًا بريئًا مقابل حقيبة من سبائك الذهب، كفيلة بأن تُخرج قريتهم من الفقر لعدة أجيال.

ثم يعرض كويلو في باقي الرواية تشريحًا لتفاعلات المجتمع الصغير هذا بأطيافه المختلفة: خباز، أرملة عجوز، زوجة العمدة، صاحبة الفندق، بريم، رجل الدين... إلخ، ليقرروا من الضحية التي سيقتلونها مقابل الذهب، وكيف يُبرّرون ذلك لأنفسهم — بما فيهم رجل الدين بعد أن اتفقوا على اغتيال الارملة العجوز.

شخصيات الرواية:

الآنسة شانتال بريم : نادلة يتيمة تعمل في مطعم في قرية صغيرة تُدعى فيسكوس، تبحث عن الانتقال لحياة المدن ورؤية العالم والخروج من حياة القرية التي طالما شعرت أنها لا تستحقها. وكان للرجل الغريب عليها تأثيرًا، فهو يُقنعها أن تكف عن التذمر لكل شيء وأن تتخذ موقفًا في الحياة. تقف وحدها ضد إغواء القتل من أجل الذهب، وهي صوت الضمير الوحيد في القرية.

الغريب (كارلوس): رجل مطارد من الأشباح التي تأتيه من ماضيه المؤلم، يأتي إلى فيسكوس يائسًا للبحث عن أجوبة. هو الغني الذي قدّم عرض الذهب مقابل القتل — ليس لأنه يحتاج الذهب، بل لأنه يبحث عن إجابة لسؤاله الأزلي: هل الإنسان شرير بطبعه أم خير؟

بيرتا العجوز: أرملة توفي زوجها من زمن وكانت تحبه بشدة، تقضي أيامها جالسة على عتبات البيت محدقة في القرية. يُزعم أنها تتقن السحر الشعبي، لكنها تدّعي أنها تتحدث مع زوجها الراحل وترى الأشباح — وهذا يجعلها "المختلفة دينيا/ الوثنية" في القرية، الشخصية المُستبعدة التي يسهل التصحية بها.

القسّ: رجل الدين الذي يُبرّر القتل بلغة مقدسة، يُصنّف الناس إلى "قابلين للتضحية" و"محميين"، ويسرق رمزية الصليب ليُحوّل الجريمة إلى فضيلة وتضحية.

الشيطان: حاضر في الخلفية للوسوسة أو الحث على الخطايا — ليس ككيان خارق، بل كواقع من افكار فاسدة مثل: تُبرّر الشر بالخير، والخوف من التغيير، والرغبة في إلقاء اللوم على الآخرين.

خطايا التبرير في الرواية:

الخطيئة ١: تبرير رجل الدين — التصنيف والاختيار

حدد أن بالقرية ثلاثة ينامون وحدهم، في إشارة إلى أن لا أحد سيفتقدهم: هو، والأرملة، وآنسة بريم. ومنها حدد أنهم الأولى بالاختيار للتضحية. استبعد نفسه لأنه ممثل الإله، واستبعد بريم الشابة ربما لأن الشبهات ستحوم حولهم في قتلها، ومنها حددوا الأرملة للقتل.

الخطيئة ٢: تبرير اختيار الأرملة — الشفقة القاتلة

لأنها مفتقدة زوجها فتشعر بالحزن، حياتها بائسة كأن البؤس مصير محتوم، وبسبب ذلك قتلها رحمة وهدية لإنقاذها من كآبتها.

الخطيئة ٣: تبرير القسّ (المرة الثانية) — سرقة المعنى

"مثلما خلّص المسيح البشر فهي تضحية فرد لحياة الجماعة"

هنا قلب القسّ مفهوم تضحية المسيح بالحب من أجل البشرية إلى مفهوم التضحية من أجل مصلحة الجماعة.

الخطيئة ٤: تبرير الجماعة — الذهب للجميع

مبدأ أن الأغلبية رأيها صحيح؛ أنهم قرروا قتل الأرملة مقابل مصلحتهم، وبهذا أضافوا شرعية الجمع على فعلهم.

الخطيئة ٥: تبرير "الشيطان" نفسه — حتمية الشر

قال الشيطان إنه منحهم الاختيار، واختيارهم للشر كان بإرادتهم، مشيرًا إلى حتمية الشر في النفوس وميلها للسوء فطريًا، ومنها فالقتل أمر عادي في حياتهم رغم كونهم يتشدقون بالوصايا العشر كل يوم.

الخطيئة ٦: تبرير الصمت عند التصويت على الضحية

يُخدعون أنفسهم بأنهم لا يصوتون، لكن صمتهم موافقة ضمنية أعطت الشرعية لقرار الجماعة بقتل امرأة بريئة.

الخطيئة ٧: تبرير "الضرورة والعوز"

أنهم لو لم يقتلوا المرأة سيخسرون الذهب، فلم يكن أمامهم حل. لكن أمام ذلك النموذج بريم الفقيرة ذات الفطرة السليمة التي رفضت القتل، ولم تجعله مبررًا لارتكاب الفظائع والقسوة وانعدام الإنسانية.



الوعي المفقود: "كلهم نيام"

ينحو كويلو على لسان بريم لتشخيص سبب الفظائع بكون أهل القرية — مثل باقي الناس — نيام... يعيشون حياتهم بلا استنارة أو وعي، يسيرون في الحياة: يأكلون، يتزوجون، يعملون، ينجبون، ثم يموتون بدون أن يفكروا أو يعرفوا هدفًا أو طريقًا في الحياة.

ويظهر هذا الرأي مشابهًا كثيرًا لتعاليم أنطونيو ديميلو، الراهب اليسوعي الفيلسوف، وخاصة في كتابه "الوعي" (Awareness ).

من القرية إلى بهية: مصر كنموذج

لو أخذنا تلك القرية الصغيرة كنموذج لـمصر، وكيف مرّت بفترات كانت فيها الجماعات الدينية تُبرّر القتل والسرقة والتشويه باسم الدين كـ"جهاد":

١. التبرير الديني للقتل بوحشية

تفجير الكنائس ومسجد الصوفيين بسيناء: لأنهم — بنظرهم — كفار، ودماؤهم تُطهّر الأرض. هنا استخدم شيوخ المتطرفين التبرير الديني للقتل بوحشية، بالضبط كما برّر القسّ القتل بأنه "تضحية للجماعة".

٢. اغتيال السياسيين والقضاة وضباط الجيش والشرطة وعائلاتهم

منذ النقراشي باشا 1948، ( )... بحجة أنهم "من الطاغوت" ويجب محاربتهم لأنهم أعداء الإسلام. في الرواية، تحدثوا عن كون الأرملة ساحرة اتقنت فنون السحر الشعبي في عزلتها، فهذا أعطاهم التبريرات لقتلها: أنها عزباء وحيدة وانها مختلفة عن عقيدتهم.

٣. "تحريرهم من جاهلية الحاكم"

في فكر الجماعات المتطرفة، يُبرّر قتل المدنيين بأنه "تحريرهم من جاهلية الحاكم". سيد قطب في "معالم في الطريق" وصف المجتمعات التي لا تطبق "شريعته" بأنها "دار حرب"، وبالتالي فإن قتل أهلها ليس جريمة بل "جهاد". وهذا مشابه كثيرًا لـ"قتل الرحمة" في الرواية، كأنهم هكذا يُخلّصون المجتمع من عذاب الكفر والضلال.

٤. "السيف والمصحف" 

شعار الإخوان "سيفان وبينهما مصحف"، والكلمة "وأعدّوا" من الآية "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة" . هذا الشعار ليس مجرد رمز، بل إعلان عقد اجتماعي: الدين والقوة معًا. والخلافة "ركن سادس" في الإسلام — بحسب تفسيرهم.

كويلو في الرواية يُجسّد هذا بـ"الرجل الغامض" الذي يحمل الذهب (القوة المادية) ويُقدّم "الاختبار/ الاختيار" (العقد الأخلاقي المُشوّه.

 الجماعات المتطرفة لم تُبرّر القتل فحسب، بل بنت نظامًا موازيًا:

الاخوان: المستشفيات، المدارس، الجمعيات الخيرية (البديل عن الدولة الفاسدة من وجهة نظرهم

الجماعة الإسلامية: "الأمر بالمعروف" في الصعيد (البديل عن الشرطة)

داعش: "الخلافة" (البديل عن "النظام الطاغوتي")

بذلك الوقت في وقت نظام مبارك، فإن المتطرفين كانوا يقدموا عقدًا اجتماعيًا آخر، ويُغروا الناس بالتكافل والدعم المادي والمجتمعي في وقت زاد فيه الفساد ، وانحسر دور الدولة في رعاية المواطنين بالتموين والخبز . وتحولت الأعباء المادية وغياب العدالة المجتمعية إلى كابوس عام سهّل لتلك الجماعات الاندساس بين الناس وتقديم بديل آخر: دولة داخل الدولة، وحكم تحت الحكم وعقد اجتماعي موازي يعطيهم قيمة بديلة عوضا عن القيمة المنسحقة لمواطنين دولة العالم الثالث :بهية الفقيرة المكلومة.

كتبت

هبه يونس النيل


 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on May 30, 2026 09:10
No comments have been added yet.