أبو بكر.. الصاحب الأعظم! كيف رآه المستشرقون والمؤرخون الغربيون!
فضَّل الله نبينا على سائر الأنبياء،فهو إمامهم وخاتمهم، وبه اكتملت الرسالات، وهو وحده الذي أُرسل لكل العالمين!
وفضَّل صحابة نبينا على سائر أصحابالأنبياء، فقد أثنى الله عليهم في كتابه ما لم يُثنِ على غيرهم من أصحاب الأنبياء!
وقد جاء عن نبينا، وهو ما كان عليهالمسلمون منذ زمن الصحابة وحتى يوم الناس هذا أن أبا بكر هو أفضل الصحابة وأعلاهمشأنا.. فأبو بكر هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أعظم صاحبٍ لأعظم نبيفي الأولين والآخرين.
ومن علامات ذلك ودلائله أن أبا بكر قداشتمل قصة الإسلام، وما ذلك لأحد إلا لأبي بكر، فإنه كان أول مَنْ آمن مِن الرجال،فكان شاهد عيان على ولادة الإسلام وبزوغه، ثم صحب هذا الدين في رحلته منذ كان قولافي صدر رجل، حتى صار أمة في واقع الحياة، وقوة عظمى في عالم السياسة، وصفحة محفورةفي كتاب التاريخ!
فما من شيء رنا إليه المسلم إلا وجدفيه لأبي بكر قدوة ومثلا.. في زمان الاستضعاف أو في زمان التمكين، في لحظة المحنة أولحظة المنحة، في باب الاتباع أو في باب القيادة، في مهجع العبادة أو في ساحةالجهاد، في عمل القلب أو في عمل الجوارح، في حال الغنى أو في حال الفقر، في طريقالدعوة أو في طريق السياسة.. ونادرٌ من البشر من جمع بين هذا كله!
إنه مُعَلِّمٌ كبير في كل شيء، إذ كانحاضرا في كل لحظة.. إنه وزير نبينا الأول! وصاحبه الأثير! وصفيُّه من بين الناس!..إنه أعظم بشر لم يتصل بوحي السماء!
ومن ها هنا، فلن ترى للمسلمين زمان ولاموقف إلا وجدوا فيه أنهم يستفيدون من أبي بكر ويتذكرون فصولا من سيرته وسياسته.
ولقد شدَّ أبو بكر أنظار المسلمين إلىمثاله حتى أفاضوا من المدح فيه، فلم يتركوا قولا لقائل، فما من كاتب يريد أن يتكلمعن أبي بكر إلا أعوزته العبارة، وتقاصر عن الزيادة..
فلذلك رأيتُ أن أذهب إلى المؤرخينوالمستشرقين الأجانب، فأنقل من كلام بعضهم ما لا يمكن اتهامه بأنه صادرٌ عن عاطفةالمسلم. ومما رأيتُ فإنهم يلتفتون في سيرة أبي بكر لثلاث محطات أساسية: إسلامه،شدة إيمانه وتصديقه، دوره الهائل عند توليه الخلافة.
إسلام أبي بكر
يتفق هؤلاء الغربيون على أن أهم شخص فيالإسلام بعد النبي هو أبو بكر، وذلك أنه لما أسلم كان هو الأكثر فعالية في نشرالإسلام من بين المسلمين الأربعة الأوائل، فإنه رجل بالغ حر، ليس امرأة مثل خديجةولا صغيرا مثل علي ولا مولى مثل زيد بن حارثة. وفوق ذلك فإنه تاجر صاحب أموال،ومؤرخ نسابة صاحب علم، وخلوق عفيف صاحب نفوذ ومكانة وعلاقات. وفوق ذلك كله: لقدآمن بمحمد إيمانا لا مثيل له، وجاءت ثمرات إيمانه سريعا: خمسة شخصيات قوية وفاصلةفي تاريخ الإسلام، أسلموا بتأثير أبي بكر!
1. يقول المستشرق الفرنسي المسيحي المتعصبهنري ماسيه: "أول من آمن بكلام محمد بعد خديجة هو ابن عمه علي بن أبي طالب،ولكن طفولة علي قَلَّلَتْ من أهمية اهتدائه، وكان الاهتداء الأكثر نفعا هو اهتداءأبي بكر، وهو تاجر عظيم نذر لمحمد محبةً لا تنفصم".
2. وتقول كارين أرمسترونج، الراهبةالسابقة والباحثة البريطانية في مقارنة الأديان، عن إسلام أبي بكر: "كان ذلكحدثا له أهميته الحيوية، لم يكن يتمتع كثير ممن دخلوا في الإسلام بنفوذ في مكةيماثل نفوذ أبي بكر".
3. ويقول الكاتب الفرنسي جان بروا: "لميكن أبو بكر في الجاهلية بالمغمور أو المجهول، بل كان نابه الذكر، جم الاحتراموالتقدير، معروفا في القبائل بحسن أخلاقه وسموّ منزلته، فلم يكن يؤمن بما جاء بهصديقه الأمين حتى شرع يؤدي واجب الرسالة ويدعو الناس إلى الإسلام".
4. ويقول دينيه، المستشرق والرسام الفرنسيالذي أسلم وتسمى بناصر الدين وكتب كتابا عن النبي: "أشاع إسلام أبي بكر فينفس الرسول سرورا عظيما، وكان أبو بكر صدرا معظما في قريش على سعة من المال وحسنالوجه، وصاحب منظر أنيق، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها منخير وشر، وكان أعلم الناس بتعبير الرؤيا، صادقا في حديثه، حسن المجالسة، وقداختاره قومه قاضيا في المغارم والديات وحكما في المفاخرات، في إيمان حار، أخذ أبوبكر يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، ويكرس جهده في نشر الإسلام،ويقود أصدقاءه إلى الرسول ليعلمهم الإسلام".
5. ويقول المستشرق والرحالة الفرنسي كلودإتيان سافاري، الذي سبقت رحلتُه إلى المشرق الحملةَ الفرنسية، وترجم القرآن، وكتبكتابا عن السيرة: "كان أبو بكر مواطنا ذا نفوذ في مكة، مشهورا باستقامتهوبثرواته، فشرع محمد يعمل على إسلامه، اعتقادًا منه أنه جدير بأن يعطي قوة لدينهالجديد، وتَوَّج النجاح مجهوداته، وأصبح أبو بكر من أقوى أنصار الإسلام، لقد كانإسلامه نصرا كبيرا، فحمل أبو بكر بين أصدقائه شعلة الإيمان التي ملأت صدره وأخضعبها الكثيرين، وقدَّم إلى النبي عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبيوقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، آمن الجميع واعتنقوا الإسلام، وكانواالرعيل الأول للديانة المحمدية".
6. ويقول المستشرق الفرنسي إميل درمنغم،صاحب واحد من أفضل الكتب الغربية عن النبي، حاول فيه أن يقرب صورة النبي إلىالغربيين حتى أفرط في ذلك وتكلف أن يمحو الفارق بين الإسلام والمسيحية، يقول: "كانلإسلام أبي بكر بالغ الأثر، فقد تابعه على الإسلام من قريش عثمان بن عفان الأمويوعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وصهره -بعد ذلك- الزبيربن العوام -فقد تزوج أسماء بنت أبي بكر-، وهذا مع ذِكْرِنا أن أبا بكر لم يسطع أنيهدي إلى الإسلام أباه وأولاده، ولا سيما ابنه البكر".
تصديق أبي بكر
يتحدث بعض المؤرخين عن أن إيمان أبيبكر، كان له تأثير خاص في مسار الإسلام، وذلك أن أبا بكر كان من صفوة الناس الذينلا يُتهمون بضعف الرأي ولا بالمطمع الدنيء، فما آمن به أبو بكر وهو الراجح العقليجعل له تأثيرا وقدرا وجاذبية! بل ذهب بعض المؤرخين إلى أن إيمان أبي بكر هو نفسهمن دلائل صدق النبي:
7. يقول ألفونسو دي لامارتين، وهو شاعرودبلوماسي ومؤرخ فرنسي، صاحب كتاب مشهور عن تاريخ الأتراك، جعل الجزء الأول منه عنسيرة النبي، "حَمَتْ مجاهرة أبي بكر بإيمانه بعقيدة محمد الدين الإسلاميالناشئ من صبغة الجنون والهزء، وهي أول تجلٍّ للسخرية يرسله عامة الناس دون تمحيصإزاء كل ما يصدم تقاليدهم، إذ كان أبو بكر من أولئك الذين يجلب اعتناقهم رأيااحترام الكثرة من الناس إن لم يكن اقتناعهم بسداد ما يرى، وحينما أعلن أن محمدا هووليه، وقاه من الاحتقار".
8. ويقول هربرت جورج ويلز، الكاتب والأديبالإنجليزي الشهير، مدافعا عن صدق النبي تجاه غلو الغربيين: "ليس عدلا أن نتخذالغلو لنا رائدا، هل تراك علمتَ قط بأن رجلا على غير كريم السجايا مستطيعٌ أن يتخذله صديقا؟ ذلك أن من عرفوا محمدا أكثر من غيرهم كانوا أشد الناس إيمانا به. وقدآمنت به خديجة طوال حياتها –على أنها ربما كانت زوجة محبة. وأبو بكر شاهدٌ أفضل،وهو لم يتردد قط في إخلاصه. كان أبو بكر يؤمن بالنبي، ومن العسير على أي إنسانيقرأ تاريخ تلك الأيام ألا يؤمن بأبي بكر. وكذلك علي، فإنه خاطر بحياته من أجلالنبي في أحلك أيامه. لم يكن محمد دجالا بأية حال".
9. ويقول المستشرق الألماني الشهير، كارل بروكلمان:"في هذه الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة.ذلك ان حديث محمد عن إسرائه العجيب، برفقة جبريل، إلى بيت المقدس ومن ثم إلىالسماء، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين. ولكن ابا بكر ضرب بايمانهالراسخ مثلاً طيباً لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون".
خلافة أبي بكر
ربما يندهش القارئ المسلم إذا عرف أنعديدا من المؤرخين الغربيين ينظر إلى أبي بكر على أنه المؤسس الحقيقي لدولةالإسلام، وذلك أن وفاة النبي كانت لحظة فاصلة تسببت في ردة كثير من قبائل العرب،فإذا بهذا الرجل يقضي على حركة الردة بل ويحولها إلى حركة فتوح واسعة ومدهشة تبدأفي إسقاط القوتين العظميين العالميتين وقتها –فارس والروم، وتلك هي النقلة الهائلةالتي جعلت الإسلام دينا عالميا، وكانت تحولا حاسما في مسار التاريخ.
10. يقول هربرت جورج ويلز: "يقولالمؤرخون إن المؤسس الحق للدولة الإسلامية لم يكن محمدا قدر ما هو صديقه ومساعدهأبو بكر، فلئن كان محمد هو العقل المفكر والتصور الملهم للإسلام الأصلي، فلقد كانأبو بكر ضميره وإرادته، حتى إذا مات محمد أصبح أبو بكر خليفته، ثم راح بعقيدة تزحزحالجبال، يعمل ببساطة وعقل راجح على إخضاع العالم كله لأمر الله، بواسطة جيوشيتراوح عددها بين ثلاثة أو أربعة آلاف عربي طبقا لتلك الرسائل التي كتبها النبيعليه السلام من المدينة إلى جميع ملوك العالم. فهو بحق مؤسس دولة الإسلام".
11. ويقول كارل بروكلمان: "كان النبيقد شغل نفسه، في أيامه الأخيرة، بإعداد الجيوش للانتقام من البيزنطيين الذين هزمواالمسلمين في مؤتة. فوجد أبو بكر نفسه مسؤولاً عن إنفاذ خطة النبي الأخيرة هذه، علىالرغم من أن الأنباء المخوفة عن شيوع الاضطراب في انحاء الجزيرة كانت تتواتر علىالمدينة من كل حدب وصوب. وهكذا وجه أبو بكر نخبة جيوش الاسلام الى الشمال تحتقيادة أسامة... قضى أسامة وجنوده شهرين خارج المدينة، وبذلك أصبحت عاصمة المسلمينفي مركز لا يساعدها كثيراً على الدفاع عن نفسها. والواقع ان أسداً وغطفان،النازلين غير بعيد عن المدينة، كانوا أول هذا الوضع، فهاجموا المسلمين. ولكن أبابكر استطاع أن يثبت لهم ويصدهم عن أهدافهم".
12. ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، والاسماللامع في مدرسة التاريخ العالمي، وليم ماكنيل: "فاختاروا أبا بكر، وهو أولمن آمن من الرجال وأقرب أصحاب النبي إليه، ولقبوه بـ «خليفة» رسول الله. وتولى أبوبكر القيادة الفعلية للمجتمع الإسلامي بوصفه خليفة، وكانت سياسته العامة في كلالأشياء هي التمسك الوثيق بسنة النبي نفسه. وكان ذلك يقتضي اهتماما شديدًا بأقوالالنبي، ولاسيما ما وصفها بنفسه بأنها تأتي من الوحي. وكان سبيل ذلك القياسالاستوثاق الدقيق من نسب الأحاديث التي تحملها الذاكرة حتى تُستخدم سابقةً صحيحةًفي أي موقف يستجد".
13. ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، ولديورانت، صاحب موسوعة قصة الحضارة: "كان أبو بكر وقتئذ في التاسعة والخمسينمن عمره، وكان قصر القامة، نحيف الجسم، قوى البنية، قليل الشعر، أبيض اللحية حمراءالصبغة، بسيطاً في معيشته، متقشفاً، رحيما في حزم، يعني شخصياً بجميع شئون الإدارةوالقضاء جليلها وصغيرها على السواء، لا يهدأ له بال حتى يأخذ العدل · مجراه، وظليعمل ولا يتقاضى أجراً على عمله، وظل شديد التقشف حتى أقنعه الشعب بأن ينزل قليلاعن تقشفه، ثم أوصى قبل وفاته بأن يعود إلى بيت مال المسلمين كل ما أرغم على أخذهمنه. وحسبت قبائل بلاد العرب أن تواضعه ضعف. وإذا كان بعضها لم يتمكن الإسلام منقلوب أفرادها، ومنهم من اعتنقه كارها، فقد ارتد هؤلاء عنه، وأبوا أن يؤدوا الزكاةالتي فرضها عليهم الإسلام. ولما أصر أبو بكر على وجوب أدائها زحفوا على المدينة،وجمع أبو بكر جيشاً في ليلة واحدة، وقاده بنفسه في مطلع الفجر، وبدد به شمل العصاة".
رحمالله أبا بكر، صاحب نبينا ووزيره ومستشاره وصهره وخليفته من بعده.. وهيأ لنا رجالامن مثله يرفعون عن الأمة ما هي فيه من الذلة والمهانة والضعف والهزيمة.نشر في مجلة أنصار النبي - ديسمبر 2025م
هنري ماسيه، الإسلام،ص45.
كارين أرمسترونج، سيرة النبيمحمد، ص158.
جان بروا،محمد نابليون السماء، ص28.
دينيه، محمدرسول الله، ص116، 117.
سافاري، مختصر حياة محمد(السيرة النبوية وكيف حرفها المستشرقون)، ص72.
درمنغم، حياة محمد، ص89.
لا مارتين،مختارات من كتاب حياة محمد، ص43، 44.
هربرت ج ويلز، معالم تاريخالإنسانية، 3/800.
بروكلمان،تاريخ الشعوب الإسلامية، ص44.
هربرت ج ويلز، موجز تاريخالعالم، ص203.
بروكلمان،تاريخ الشعوب الإسلامية، ص84، 85.
وليم ماكنيل،صعود الغرب، ص533.
ول ديورانت،قصة الحضارة، 13/70، 71.


