خريف يتهادى - الفصل الرابع والثلاثون

 34

إحساسمؤلم أن تشعر بعجزك عن إنقاذ من تحب

 



في صباح اليوم التالي توجه أحدالضباط إلى عصام واصطحبه إلى المديرية ليكمل احتجازه هناك وعندما وخرج من الغرفةوجد محمود في انتظاره يشد من أزره. طمأنه محمود بأنهم لن يهدأو حتى يكشفوا الحقيقةفابتسم له عصام وذهب مع حارسه الذي يضع طرف من القيود الحديدية في يد عصام اليسرىويضع الآخر في يده اليمنى. شعر محمود أنه عاجزا عن فعل أي شيء وأنه مشتت فذهب علىالفور إلى خالد فوجده جالسا في المديرية خلف مكتبه يضع ورقة ويخطط فيها كعادته.

- ماذا سنفعل يا أفندم في قضية عصام

- - في الحقيقة، القضية صعبة جدا ولن نتمكنمن كشف الحقيقة إلا بالعثور على عامل البوفيه الذي كان يعمل لدى المجني عليه أوالجار الذي ورط عصام في بصمات السكينة

- بالفعل القضية صعبة فليس لدينا أية معلوماتعنهما

- أملنا الآن في الله عز وجل أن يوفقناللوصول إليهما، علينا إجراء تحريات سريعة للوصول إلى عامل البوفيه والجار.

تحرك خالد من خلف مكتبه متجولا فيالغرفة ثم استكمل حديثه

- سنقوم بسؤال جميع العاملين لدى الهمشري عنعامل البوفيه وأيضا سؤال صاحب الشقة الذي استأجرها الجار المزيف عن بياناته وقديكون معه صورة من بطاقته الشخصية، أيضا البصمات مهمة جدا

- حسنا، سأقوم بجميع التحريات بنفسي، الوقتيمر وعلمت أن عصام قد تجدد له خمسة عشر يوما على ذمة القضية

- لا تقلق، فقد تحدثت مع المسئولين وهو الآنيقيم في حجرة خاصة كإجراء استثنائي

- أشكر سيادتك، عصام لا يستحق ما يجرى له

- تأكد يا محمود أن الله لا يقدر لنا إلاخيرا

- صدقت يا أفندم.

خرجا سويا من المكتب إلى الممر ثماتجه محمود إلى مكتبه، بينما أخرج خالد الهاتف وقال بعد انتظار رد الطرف الآخرالخطة تسير حسب المطلوب يا أفندم

في غرفة داخل قسم الشرطة، جلسالأستاذ رفعت بعد أن استأذن لزيارته وبدأ يحدثه بابتسامة هادئة وعصام ينظر إليهبنفس الابتسامة بعد أن صافحه، بدأ الأستاذ رفعت حديثة قائلا

- كن مقتنعا بجملة أن الدعاء يغير القدر،وهذا يجعلك تدعوا الله وأنت على يقين أن الله لن يخذلك وسوف يستجيب لك حتى لو بعدحين. سيرسل الله لك دليل يوضح لك أن تسير على الخطى الصحيحة، وان الطريق نهايتهجبر، أن الجهد الذي بذلته لن يذهب هباء، وان الحق سيعود وستراه بعينيك، وانالأحلام ستبقى ملموسة، وان الصبر نتيجته خير، وان الأمور المفتوحة المتعلقة آخرهاحسم، وهذا الدليل لا ينتقص من الثقة في رحمة الله، ولا اليقين في عدله، لكن لكييطمئن قلبك.

- أين هذا الدليل؟

- ألم تراه حتى الآن، لقد وقعت في مشكلة،انظر من يقف بجانبك، سجّانه هو من يوفر لك الراحة، هو من يبحث عن دليل برائتك هذااختبار من الله لك فكن عند حسن ظن الله بك

- الحمد لله على كل حال

- ادعوا الله، لا تتوقف عن الدعاء، ألا تعلم‏أن سيدنا نوح أغرق الأرض كلها بدعاء من ثلاث كلمات أنّي مغلوبٌ فانتصرْ. وامتلكسيدنا سليمان الأرض كلها بدعاء من ثلاث كلمات وهَبْ لي مُلكاً، لا تحتاج إلىالكثير من الكلمات، لتُحدث الأثر والتأثير، بل تحتاج إلى اليقين أن الله لن يتركك.

- بارك الله فيك أستاذي العزيز، لقد نزلتكلماتك على قلبي كالنسمات الباردة في نهار صيف حار.

- إنّ اللهُ لا يضعُ ثماراً على غصنٍ ضعيفٍلا يقدِرُ على حملها، ما دام حَمَلَك شيئاً فلأنه يعلم أنك تستطيع. لا يُكَلِّفالله نفساً إلا وسعها.

انصّبت كلمات رفعت الرقيقة على روحه المتخمة بالرتابة والضيقكقطرات الندى على ورقة شجر جافة، فهدأ قلبه عن خفقانه وبدأت ابتسامته تبدوا نابعةمن قلبه وليس كما يتصنع. ظل باسما شاردا يترقب لحظاته القادمة

في صباح اليوم التالي، نهضت والدةعصام وهي تتهادى في مشيتها تعبا وقد اعتادت أن تستند إلى عصام فنادت عليه وهناترقرقت الدموع في عينيها ثم لاحظت قدوم ياسمين فتصنعت الابتسامة فقالت على الفورومازلت الابتسامة مرسومة على شفتيها

- هيا يا ياسمين، أيقظي خالتك وجهزي بعضالطعام لأخيك، لقد اتصل بي المقدم خالد وقال إنه من الممكن زيارة عصام وهو ما زالفي نفس مكانه بغرفة داخل القسم

- حسنا يا أمي، أن دينا أيضا تريد أن تزوره

- دينا زميلته في المدرسة؟

- نعم، وقد طمأنتني أنها طلبت إجازة طويلةلعصام لظروف طارئة وقد وافق المدير على الإجازة. هل قال لك عصام شيئا عنها؟

- وهل يُخفي عصام عني شيئا، مثلك بالضبط، لقدحرصت على أن أكون أقرب الناس إليكما وقد تم بفضل الله

- أنت أم عظيمة بمعنى الكلمة

- توقفي عن الثرثرة وهيا جهزي الطعام لأخيكواتصلي بها لتأتي نذهب معا أو تسبقنا أن أرادت

- سيذهب لها كمال ليحضرها بسيارته ويأتييصطحبنا

ثم نظرت إلى الهاتف وأضافت

- يقول إنه سيكون هنا بعد أقل من نصف ساعة

- حسنا، هيا نعد لأخيك الطعام

شعرت ياسمين ببعض الدهشة من حالوالدتها، فلا يبدو عليها ذلك الحزن الشديد على عكس لحظة تلقيها الخبر، عساهااستعادت رباطة جأشها، يا لها من من أم صلبة قوية تظهر عكس ما تُبطن، بل وترسمالبسمة على شفتيها وتبدو غير قلقة. لم تُلقي بالا لهمساتها ثم استغرقت في تجهيزالطعام.

وصلوا جميعا إلى القسم، وكان كل شيءميسرا لهم لزيارة عصام مما أثار حفيظة دينا وتمتمت أينما حللت تيسرت أحوالي، حتىوإن ذكرتك خلسة في بالي.

استقبلهم عصام بابتسامة ثم جلسوايتسامرون ويطمئنون عليه ثم قالت له والدته

- يا بني، مرر أمانيك لرب السماء، فلن تجدأرحم منه بك، اطمئن وكن على يقين أن خالقك لم ولن ينساك

- دائما يا أمي ادعوا الله أن يخلصني مما أنافيه، ولكن ألوم نفسي كثيرا لأنني لم انتبه إلى مكيدة هذا الرجل الذي تصنع أنه جارجديد، كيف لم انتبه أنها مكيدة

قالت دينا على الفور وهي تقترب منهبعد أن كانت تجلس بعيدة عنه قليلا

- لا تلوم نفسك، أنت تجد سعادتك في مساعدة منحولك، ومن المؤكد أن الله لن يخذلك، حتى وإن بدت لك الأقدار مؤلمة، ثق أن فيثناياها رحمة من ربك.

قالت والدته وقد أظهرت سعادتهابكلمات دينا التي أطربتها

- لا فُض فوك يا ابنتي، احسنتي

أحمر وجه دينا خجلا من ثناء حماةالمستقبل عليها

ابتسم عصام ثم نظر إليها وقال

- ما حدث غريبا في حد ذاته وفي توقيته أيضا،أمامي حلم أريد تحقيقه وأنا على وشك أن يكتمل بالفعل

قال كمال وقد لاحظ الكآبة في كلامعصام

- إذا أراد الله أن يجمعك بحلمك، سيجمعك بهولو كان بينك وبينه عرض السماوات والأرض.

وأضافت والدته

- صدقت يا بني

انتبهوا إلى طرقات الباب ليخبرهمالحارس أن زيارتهم قد انتهى موعدها وعليهم المغادرة. انصرفوا وظل عصام وحيدا بجسدهأما روحه فظلت متعلقة بمن رحلوا منذ قليل.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on October 27, 2025 15:56
No comments have been added yet.