الفصل الحادي والعشرون



 -21-

 

الماضيلا يموت، فهو ينعكس

فيالحاضر بصور متعددة


 

توقفت سيارة الأثاث التي استقلها هشام وزملاؤه بعد القضاء على أفراد العصابة أمام فيلا في شارعشبه خال من المارة ويمكن أن نطلق على الفيلا لفظمهجورة فأشجار حديقتها جافة بلا أوراق ونوافذها مغلقة ويغلفها الغبار وأوراق الشجر تملأ مدخلها وبوابتها الخارجية الصغيرة متسخة وقديمة جدا ويلقي العنكبوت بخيوطه على هيكل البوابة الحديدي.هبط هشام من السيارة واتجه سريعا إلى داخل الفيلاوتبعه باقي فريقه. سار في طريق ترابي قصير حتى وصلإلى باب جانبي في نهاية الحديقة ودخل منه وكذلك فعل باقي الفريق.

بمجرد أن عبر هشام الباب الصغير تغير المشهد تماما فنجد ديكورات جميلةجدا وأثاثا حديثا بألوان جذابة وتحرك أفراد الفريقكل يحفظ دوره عن ظهر قلب واتضح أنهم يعرفون كل ركن من أركان المكان أما هشام فحملمع بعض منهم النقود وحفظها في غرفة داخلية. بعد قليل انضم حسام لباقي الفريق وصافحهمثم دخل مع هشام غرفة واسعة توسطتها منضدة دائرية.

أخذ هشام سيجارة من حسام وأشعلها وقال:

-ماذا ستفعل إذا ذهب إلى المديرية للسؤال والاطمئنان وخاصة بعدما حدث اليوم فأنت تعرف ما يمكن أن يحدث إن ذهب إلىهناك.

تغيرت ملامح حسام واكتسبت بعض الشراسة وقال:

- سوف تكون نهايته. أنا لم أقصر معه. أعطيتهحقه وكنت أحميه ولكن إن صدر منه أي فعل قد يضرنا فسوف أجعله يندم على ذلك فأنت تعرف سبب اختياري لأحمدلكي يقوم بهذا الدور فأنا سبب المصيبة التي حلتبه. لقد كان يوما من أسوأ أيام عمري وهم السبب أيضا.

قال حسام ذلك وشرد قليلا ليتذكر ما حدث

---------------

كانت هناك سيارة حمراء تسير بسرعة جنونية يقودها حسام وهوفي حالة عصبية شديدة ويحدث نفسه " بعد كل ما بذلته من جهد وأخيرا تكون كلمةالشكر نقلي من عملي. يتركون الجاني يفلت بجريمته ويعاقبون من قام بدوره على أكمل وجه، من عرض نفسه وحياته للخطر. كنت على وشك تحقيق انجاز بالهجوم على مخزنالسلاح وضبط واحدة من أكبر عمليات السلاح فيالسنوات الأخيرة.

ضرب بقوة على عجلة القيادة وانهمرت دموع الهزيمة ولميستطع الرؤية وانحرفت السيارة قليلا، ظهر شاب فجأة أمامه ولم ير غير جسد الشابيطير في الهواء جراء اصطدامهبمقدمة السيارة. لم يستطع حسام استيعاب ما حدث إلابعد أن تجاوز منطقة الحادث بمسافة طويلة. ترك السيارة في شارع جانبي وهرع إلىمكان الحادث وأشهر بطاقته كضابط وطلب الإسعاف التي حضرت سريعا ونقل الشاب في سيارة الاسعاف وركب معه حتى المستشفى.

----------

أدرك هشام ما يعاني منه حسام فقال:

-لا تحمل نفسك فوق طاقتها، لم يكن ما حدث بإرادتك.

أكمل حديثه في شرود وكأنه لم يسمع هشام:

- ومنذ ذلك اليوم وأنا أطمئن عليه حتى استقر به الحال في مستشفى التأمين الصحي وحتى أضمن ألا يُفتح ملف الحادثة مرة أخرىاستخدمت سلطتي وقمت بعمل محضر الحادثة وذكرت أن السيارة التي صدمته كانت سيارة نقل ركاب (ميكروباص) وتدمرت إذ اصطدمت بمسلة أمام الجامعة وتوفي السائق وأغلقت المحضر.

كان هشام يحاول أن يواسيه فقال برقة:

-لقد قدمت له مساعدات كثيرة دون أن يعرف.

نظر حسام إلى هشام تارة ثم إلى اللاشيء تارة أخرى واستطرد:

-كنت أساعده من بعيد حتى استطعت أن أنقله من مستشفى قصرالعيني إلى مستشفى التأمين وتعرفت على دكتور شادي وكانت عندهمشكلة وقمت بحلها له وصرنا أصدقاء وسألته عنحالة أحمد كأنني لا أعرفه وحكى لي الحكاية وكيف أنعمر مثل هذا الشاب قد ضاع منه أربعة أو خمسة سنوات وماذا سيفعل فعرضت عليه أن أستخدمه في العملية فوافقوبالتالي عرفني بأحمد.

نفث هشام دخان السيجارة ثم تخلص منها وقال:

-لماذا لم تفكر أن تعطيه بعض المال بدلا من أن يقوم بالدور في هذه العملية؟

ابتسم حسام ساخرا:

-كم كنت سأعطيه؟ مهما أعطيته لن يصل لهذا المبلغ الذيحصل عليه. كيف كنت سأبرر له مساعدتي. لا تنسى أنني كنت أحتاج لشخص بمواصفاته ليقومبالدور الذي قام به في العملية، شخص من السهل أن أخيفه، شخص يحتاج إلى النقود ليحلمشكلاته. لقد ضربت عصفورين بحجر واحد ونجحت في ذلك.

تحرك هشام في الغرفة ثم وضع يده اليمنى فوق كتف حسام الأيسروقال:

-ماذا لو شك أحمد في أيتفصيلة صغيرة وذهب للمديرية وسأل عنك ثم ذهبلشادي ليستفسر منه.

-لقد أوجدت لشادي فرصة عمل في مستشفى ألماني كبير عن طريق صديق في ألمانيا، وقدسافر بالفعل وقد حصلت على ملفه كاملا في مستشفىالتأمين وغيرت بياناته جميعها ولن يجد أحدا ما يفيده في الملف. أما أحمد فسوف أهدده بندى إذا ذهب للمديرية وسوفأعرف إن ذهب بالتأكيد.

ابتسم هشام وهو يربت على كتفي حسام وقال:

- إذن كل شيء على ما يرام، أقسم لقد خسروك،خسروا هذا العقل الداهية، هيا نجتمع مع الزملاء لإعطائهم بعض النقود وهم يريدون أن يتحدثوا إليك.

ابتسم حسام ثم وقف واتجه إلى باب الغرفة وقال:

-حسنا لنرتب لما بعد ذلك.

خرج حسام من الحجرة وتبعه هشام وجلسا حول مائدة مستطيلة الشكل في منتصف الصالةتتسع لعدد الفريق بعد أن انضم إليهم حسام وهشامليكون العدد الإجمالي ثمانية أفراد.

صمت الجميع عندما أقبل حسام ثم هشام الذي قال:

-بالطبع يا رفاق تريدون أن تستفسروا عن سبب إقحامرجال منصور في عملية الفيلا وكان يمكن أن نفعلها نحن.

نظر الرجال إلى بعضهم ثم قال أحدهم:

-بالطبع هذا السؤال حيرنا جميعا ولم نصل إلى إجابة مقنعة ولكنك تعرف أننا نثق بكما كل الثقة وهذه ليست المرة الأولىالتي نترك لكما قيادة الفريق دون سؤال عن أي قرار ولكننا تعودنا منكما على شرح أي شيء غامض وغير مفهوم في العملية.

نظر هشام إلى حسام ليوضح لهم السبب فقال حسام:

-نقدر لكم يا رفاق ثقتكمالتامة في شخصي أنا وهشام. وأحب أن أوضح هذه النقطة. لقد تعمدنا رسم خطة دقيقة لإقحامرجال منصور في العملية لأسباب مختلفة.

أولا: لأن منصور عدونا وأنتم تعلمون أن كل مجرم في هذاالبلد هو عدو لنا، وشخصيته كانت مجهولة بالنسبة لنا، فكل ما كنا نعرفه عنه هو لقبه الحركي ونجهل شخصيته الحقيقية ومركزه الاجتماعيبل ونجهل أيضا إلى أي مدى تصل سطوته وسلطته حتى من كان يعمل معه كان يجهل شخصيتهولا يعرفه ولا يتواصل مع رجاله إلا من خلال الهاتف.

وبفضل هذه العملية عرفنا من هو، بل ومن خلال مراقبتنا له وبفضل خاصيةاختراق هاتفه عرفنا كل شيء تقريبا عنه، وأصبح عدونا واضحا أمامنا.

ثانيا: للتخلص من رجال منصور والقضاء عليهمجميعا فأنتم تعلمون أنهم قتلوا زملاء لنافي عمليات سابقة ولم يعاقبهم قانون الثغرات، لقد ارتكبوا الكثير من الجرائم ولادليل يدينهم وطالما القانون كان يحكمنا ويشل حركتنا فلنفعلها الآن بعد أن خلعناعباءته وقد أقسمنا الأخذ بثأرهم.

 ثالثا: حتى لا نلاقي مقاومة كبيرة عندالهجوم على رجال أبو العز فسلامتكم أهم عندي كما تعلمون وخروج رجال منصور منالمعركة الأولى مع رجال أبو العز وقد خسروا رجلااو اثنين وأسلحتهم أقل وفي حالة تعب جراء المواجهةيعطينا تفوقا ويزيد من فرصة الصيد الثمين بدون خسائر وبالطبع قد كان.

رابعا: إذا نجا أي من رجال أبو العز فسوف يخبره بما تم وبالطبع سيبحث عن الفاعلويعرفه وببساطة يمكن تسريب معلومة بسيطة لأبوالعز أن منصور هو من أطلق كلابه عليه وتشتعل الخلافات بينهما وقد ينهي عليه هو.

وكما تعلمون، لقد جاءت إلينا تفاصيل العملية على طبق من ذهب حينما جاءإلينا بشير ليتفق معنا على مساعدته في الانفصال عن العصابة وتهريبه للخارج بعد أنقتلوا أخاه مقابل نسبة من الأموال التي سرقوها من البنك. وقد تمت الخطة على أكملوجه.

صمت حسام قليلا وانتظر ليسمع أي سؤال فقال هشام:

-هل سننتظر حتى تهدأ الأحداث ثم نقوم بعملية الآثار؟

وجه حسام حديثه للجميع وقال:

-لن ننتظر وسنبدأ بالفعل في تنفيذ العملية. تعلمونجميعكم أنني احطت بكل تفاصيل العملية من سيد حتب.

تمتم هشام قائلا: وهل يمكن أن ننسى ذلك؟!!

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on November 09, 2025 06:45
No comments have been added yet.