تويتر… الكتابة على الجدران السبرانية

 


كثيراً مايُطرح سؤال الكتابة: “لماذا نكتب؟”، سواء كتحقيق يُجرى على مجموعة من الكتّاب لإستقصاء مجالات الكتابة ودوافع الكتّاب للكتابة، أو قد يُطرح من قبل الكاتب ذاته كتساؤل يستكشف به ذاته وطبيعة شغفه، وكذلك ليمنح قارئه مجالاً لإستكشاف عوالمه عبر الإجابة على السؤال، كتابةً! وكأن لا منفذ عن الكتابة إلا بالكتابة، حتى حين السؤال تشككاً بجدواها. ولكن، أهو تساؤل عن جدوى الكتابة أم محاولة إستقاء وظائف جديدة للكتابة مما يكشف عن قوتها، بما يمكن أن تقدمه من وظائف متعددة لنا كبشر؟


وكأن الكتابة تحتاج أسبابا اضافية لتمارس سطوتها علينا! السطوة التي وصفها الكتّاب بأوصاف عدة تُدرج تحت عنوان عريض بإسم “معاناة الكتابة”. هذه المعاناة هي ماجعلت بوكوفسكي يحذرنا من الكتابة بقوله “لا تفعلها..إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ”، لينتهي بوكوفسكي كاتباً كشاهد على قبره “لاتحاول”، فكأن الكتابة لعنة، إن لم تحل عليك بشكل كامل، فمن الأفضل أن تهرب منها، لتنجو.


سؤال الكتابة يُطرح ويعالج غالباً ممن امتهن الكتابة، مع ملاحظة مفارقة المفردة المستخدمة “امتهن”! على أية حال، لنُعيد طرح السؤال ولكن بطريقة أخرى؛ ماذا عمن يمارس الكتابة لهواً؟ وهل تكن الكتابة إلا لهواً؟ كيف يكتب، ولماذا يكتب، من يفعل ذلك في تويتر أو في وسائل التواصل الاجتماعي التي تُمارس كتابةً؟ وهنا لعل من الملائم نقل السؤال من خانة “لماذا نكتُب؟” إلى: “لماذا أكتب؟” أو “لماذا تكتب؟”. فحين كان السؤال بصياغة “النّا” الجماعية، فكأنها إشارة إلى أن السؤال محصور بفئة أو جماعة تتمايز عن الآخرين، الكتّاب والمثقفين. أما صياغة السؤال المفردة فلأن الجميع، أو مايفترض أنه الجميع، يكتب في تويتر، فلا مشترك بينهم بحيث يمكن إطلاق لقب كتّاب عليهم، هم كهواة للكتابة فيما المجموعة الأولى “محترفون” لها.  فلماذا الكتابة في تويتر؟ مالذي تحققه لمن يفعل؟


تويتر، يُصنف كأحد وسائل التواصل الاجتماعي، فهل تويتر كتابةً تواصل اجتماعي؟ البعض يكتب لأجل التواصل مع آخرين يجمعهم هم فكري أو سياسي أو معيشي مشترك، والبعض بحثاً عن متعه تخلُقها أغنية أو مقالة أو فيلم يتعرف عليهم عبر تغريدات الآخرين، والبعض ليبُث أراءه وتصوراته. هناك من يحصر أراءه في الموضوعات في مجال تخصصه، فيما بعضهم له قول في كل ما يكتب ويحدث، لا تغيب عنه شاردة ولا واردة، فهو يظن أن الآخرون تائهون غافلون أن لم يطلعوا على كلماته النابهة، والتي ومن فرط الثقة بها، قد يوقعها بهاشتاق يصنعه بنفسه، واضعاً إسمه عنواناً للهاشتاق!


على أية حال، لأن كتابة تويتر أكثر فردانية أو لعلها أكثر شخصية، فإن الإجابة عن سؤال “الكتابات التويتريه” تتعدد وتتنوع، ليصبح من الملائم أن يطرح السؤال فرادا؛ أن يُمنح كلاً منّا فرصته لتأمل تجربته واستقصاء ذاته، وربما تغريداته علّه يجد ما يدفعه “للكتابة على الجدران” السبرانية. إستقصاء يُطال الذات وعوالمها، عبر أمزجة الكتابة المتنوعة، إما رداً على تغريدات الآخرين أو خلقا لحاله حوار مع آخرين. من هنا يصبح السؤال الفردي: مالذي يدفعني للكتابة، وتحديداً للكتابة في تويتر؟ مادافع هذا الحضور اليومي على تلك الشاشة كتابة وقراءة وكأنها واجب يومي لابد من فعله.


للكتابة وظائف عدة، وفعل الكتابة أغلبنا يمارسه، وقد يمارسه بشكل يومي، لذا لزم حصر السؤال هنا في الكتابات التويتريه، بحثاً عن الوظيفة التي تحققها شكل الكتابة تلك. لهذا، وبحثاً عن دقة في الإجابة وجب التحديد أكثر بحيث لا يشمل السؤال شكل الكتابة بل ليتحول إلى سؤال شخصي على شاكلة: مالذي يدفعني للكتابة في تويتر؟ سؤال أطرحه هنا علناً، وإن كنت قد طرحته على نفسي في بداية تسجيلي في تويتر.


بعض الأشخاص يوصفون بأنهم “دراما كوين” بمحمل سلبي عامة، فيما نجد أن البعض حياتهم وكأنها فيلم سينمائي مُحبك في شدة دراميته، ولا أدري هل من علاقة بينهما، أي أن تكون حياتك دارما أو أن تكون شخصية “درامية”. بمعنى، هل تُشكلنا الدراما التي قد نواجهها في حياتنا لننتهي كشخصيات درامية، أم أن شخصياتنا الدرامية هي ماتدفعنا للعيش ولوضع أنفسنا في مواقف درامية نعتقد أنها سبب مأساتنا، فيما نحن المندفعون نحوها؟ لا أدري، ولكن أعلم أنني شخصياً، مررت في حياتي بمنعطفات بعضها كصعود منطلق نحو السماء، وبعضها كمشي حالم على السحاب، فيما بعضها كهبوط لهوة شعرت أن لا قرار لها. المنعطفات وخاصة القاسية منها، جعلتي أتخذ قراراً بأنه وفِي كل منعطف أو خطوة جديدة في حياتي سأطرح سؤالين، لتقرير خطوتي المقبلة: لماذا أفعل ما أفعله؟ وهل سيجلب لي فرحاً؟ الإجابة، هي ما تدفعني لإكمال المسيرة أو الإبتعاد، مع يقين أن الفرح يتعدد، فلا شكل واحد للفرح، ولا شكل نقي له.


لذا، كان السؤال في بداية الدخول لعوالم تويتر هو، مالذي سأفعله هنا؟ ومالذي سيمنحه لي؟ فوفقاً للإجابات سيتحدد الأداء وطريقة التعامل مع تويتر. كنت خارج البلد، فكان تويتر مجالاً لإعادة التواصل مع البلد عبر التعرف على مايدور فيه من اخبار وأفكار وكذلك حكايات مجتمع. حينها، ولأنني كنت عزباء حديثاً، قلت لنفسي هذا ليس موقع تعارف عاطفي لذا لن يكون الهدف found love in hopeless places”  على نمط الأغنية الشهيرة، فهذا سيدفع وبلاوعي لممارسة أداء معين عبر ولوج تويتر بذهنية معينة، وتويتر لم يُخلق لذلك. فكانت البداية تعرّف على البلد كشباك تطل به على مكانك الأول الذي أصبح بعيداً. بعدها أصبح تويتر كنافذة تتواصل عبره، كتابة، مع من لم تسنح لك فرص في الحياة لتتقاطع مع طرقهم، وأعني هنا المهمشون لإختلافهم عن السائد والذين وجدوا في تويتر منفذاً لهم، وأقصد بهذا من يعانون أزمات تتعلق باضطرابات الهوية مما يجعلهم لا يجدون ذواتهم في محيطهم القريب، وقد يكون اضطرابهم اضطراب هوية جنسية أو دينية أو ثقافية.


بعد زمن من التواجد في تويتر تكتشف أن هناك من حول تويتر إلى ساحه لمبارزات الفرسان في القرون الوسطى، مبارزة لاتسعى لشيء إلا لإثبات كرامة أو تفوق أو كسب إعجاب آخرين. آخرون قد يكونون مُعرفين للشخص أم لا، لكنهم سينقلون الفرد إلى خانة المشاهير، وما يعقب هذا من امتيازات أصبحت السوشيال ميديا تحققها لمن يستطيع التلاعب ببعض كلمات وببعض طرق إدارة أمزجة الآخرين.


حينها، وجدت أن كل هذا لا يشبع شي بداخلي، لإعيد إكتشاف السؤال حول الهدف الشخصي للتواجد في تويتر. وحينها وجدت إجابتي، والتي لازالت تُقنعني. إجابتي هي: “حتى يتعرف عليّ حفيدي”. حفيدي أو أحفادي الذين لا أعرف عن إمكانية وجودهم أو إمكانية إلتقائهم. لكن ما أكتبه في تويتر أريده أن يكون مرآة لي، يقرأه حفيدي ليقول هكذا كانت تفكر جدتي، هكذا هي تفاصيلها، وكأنه عبر تفاصيلي يتلمسني، يعيد تفحصي وتفحص زمني، أن أُبقى وجودي في ذاكرتهم، عبر تويتر.


لا أسعى في تويتر لإستعراض آخر الدراسات البحثية في مجال تخصصي أو عرض أحدث الكتب المميزة في مجالي الاكاديمي أو حتى مجال اهتمامي. بل أن أستعرض ما أقراءه فعلياً وما أُعايشه مهنيا سواء كأستاذة في الجامعة أو كاخصائية نفسية في عيادة، بل ومايمر بي من تفاصيل يوم كحديث مع احدهم استوقفتني فيه فكرة جديدة أو تعبير غريب أو ثرثرة عن تفاصيل وجبة طعام إستمتعت بتناولها أو حتى صوره شخصية لي.


صوره شخصية أو بوح عاطفي خاص يُنشر على صفحات تويتر أعلم سهولة سوء تأويله. تفسيرات قد ترى بأنه إستعراض فج إو غرور مُستهجن أو عيش مراهقة متأخرة بل وحتى محاولة لبحث عن عريس، كلها إتهامات إن لم تقال بشكل مباشر، فقد تُقال بشكل غير مباشر، أو قد ينقلها أحد الأصدقاء معبراً عن فهمه لحسن النية وبذات الوقت خشيته من سوء تأويل الآخرين! هنا، قد لا أتشكك بنية الصديق/الصديقة ولكن لا أفصلهما عن الآخرين، فقد يكونا هما “الآخرون” الذين يحذرونني منهم، وما يفعلانه ماهو إلا اسقاط نفسي لهواجسهم الخاصة على الآخرين.


هنا، مابين قلق الصديقة/الصديق من أن “يساء فهم براءة صديقتهم” من جهة، ومن جهة أخرى توجس الآخرون أثناء التعاطي مع تويتر من سوء الفهم الممكن إن نشرنا صورنا أو تحدثنا عن احتياجاتنا العاطفية والجسدية علناً، ألا يعني هذا كم يُحكِم الآخرون وجودهم في دواخلنا، فحتى ونحن وحيدون أمام شاشة إلكترونية صماء، وليس أمامنا إلا حروف مبعثرة نستطيع الضغط عليها، لنُشكلها كيفما نشاء، ولنخبر ونشعر كيفما نشاء، فإننا نعجز عن فعل ذلك، دون خوف مما قد يتصوره الآخرون عنّا!


أنشر صوري الشخصية على تغريدات تويتر وأعلم أنها ليست صور لصبية في السابعة عشر من عمرها، وأن جسدي يتمرد علي كثيراً في محاولاتي لإخضاعه لإشتراطات الجمال. لن أقول إن جسدي خذلني، بل هو متمرد وعنيد، يعشق اللذة، فتغريه لذات الطعام المميزة، كما يحب نمط الحياة المسترخي، فلا يجد في تمارين الرياضة القاسية إلا عنفاً يُمارس على جسد، رغبة في اخضاعه والسيطرة عليه. لذا، جسدي تستهويه المشي المتسكع لمسافات طويلة قد تمتد لساعات متواصله، ولكنه لا يستجيب لأجهزة رفع الأثقال في صالات الألعاب الرياضية. هذه أنا، هذه هي الجدة التي أُريد لأحفادي أن يروها، لا إنتصارات عظيمة ولا إنجازات مُخلده، يكفي أن يروا هذا، وأن يروا إحتفائي بكل تفاصيل هذا.


من جهة أخرى، إن كان هناك من يخشى من أن نشر صوره أو حديث عن إنتصاراته الصغيرة أو مايتلقاه من ثناء، قد يجعل الآخرون يُلقون عليه تهم شتى كغرور أو مراهقة أو محاولة للبحث عن رجل، فهل هذه تهم حقاً، ما العيب في عيش لحظة غرور لموقف أشبع نرجستيتنا؟ أو في تعبير عن المراهقة بداخلنا أو الحلم بإلتقاء بشريك؟ قد نكتب تغريدات بوعي لتحقيق هذا، وقد تتسرب رغباتنا هذه بلاوعي منّا بين تغريداتنا، وفي كلتا الحالتين لا يعني هذا أن خلل فينا، بل هو نقصنا الذي نحاول إشباعه، ولأننا نعي نقصنا فإننا نحاول إملائه بطرق متعدد تُغنينا وتغني الحياة التي نحياها بدل تجاهل ذلك. لذا، نفعل ذلك في تويتر، نفعلها كتابة، حيث نستطيع عيش ما ينقصنا أو تعويض ماينقصنا إن عبرنا عنه كتابة! ولعلنا لأجل هذا تحديداً نكتب.


قد يرى الأدباء الكتابة بإعتبارها فعل نخبوي يمارسونها كصفوة فكرية ترى ما لا يُرى، أو تعبيراً عن قلق لايجد متنفساً له في ضحالة العيش اليومي، للكتّاب أسبابهم. ولنا نحن البسطاء والسذج أسبابنا، ونحن نكتب على شاشة تويتر. نمتطي الكلمات المحصورة عدداً ومساحة وقراءً، لأسباب لعلها أكثر تنوعاً. وقد تكون أسبابنا أنانية، فالكتابة ماهي إلا موقف أناني وأناني جدا، لذا، أكتب “في تويتر” لأبقى. لأسجل وجوداً يأبى أن يكون إلا عابراً.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 21, 2018 04:24
No comments have been added yet.