“دريكسون” بيد سيكولوجست-نسويّة… انطباعات شخصية

 


 


البدء في قيادة النساء للسيارة في السعودية تجربة مهمة ليتدارسها الباحثين. لا لمعرفة كيف أثر هذا على وضع المرأة الاقتصادي أو مكانتها داخل العائلة فقط، بل ولإجراء دراسات أنثروبولوجية خاصة للمهتمين في مجال الدراسات الجندرية، حيث أن الشارع السعودي حالياً يمنحنا مجال للملاحظة المباشرة لظاهرة تحدث لأول مره منذ اختراع السيارة: أن يكون الشارع مملوكاً، كاستخدام، لجندر واحد فقط، ثم وعلى نحو مفاجئ يدخل جندر آخر، ليحدث تنوع جندري مباغت، أن تبدأ النساء باقتحام هذا الفضاء المملوء بالرجال. فكيف سيكون شكل وأثر هذا الاقتحام؟


لعل “اقتحام” النساء لا زال هامشي ومحدود، وكأنه يحدث على استحياء، إلا أن محدودية عدد قائدات السيارة لا يكفي لتجاهل الأمر، فالأرقام ليست أدوات حصرية للدراسة. إضافة إلى هذا، في مدن لباسها التقليدي بياضٌ للرجال وسوادٌ للنساء، يصبح تواجد نقاط سوداء، ولو كانت قليله ومحدودة، أمر جلي الوضوح، يستحق الالتفات له ودراسته أو تأمله.


قبل السماح للنساء بالقيادة، تواجدت النساء في الشارع، ولكن بوجود هامشي في مقعد خلفي، والرؤية تختلف لمن يجلس في الأمام عمن يجلس في الخلف. كما أن تواجد المرأة في الشارع كان فقط من داخل السيارة، بينما الرجل هو من يستخدم الشارع، فهو من يضع رجله على البنزين ويده على “الدريكسون” ليُحدد سرعته ووجهته.


الآن، امتلكت المرأة الحق في تحريك يدها وقدمها داخل السيارة لتستخدمها في “الشارع العام”، فكيف سيكون شكل حركتها؟ وكيف سيؤثر هذا على حركة المحيطين بها، وتحديداً السائقين/الرجال؟ كيف سيتعاملون معها؟ وكيف سينعكس هذا على أدائهم، إن كان هناك من انعكاس مُتوقع؟


كثيراً مايتداول المُهتمين بدراسات الثقافات والجندر مصطلح “ذكورية” كالحديث عن ذكورية ثقافة أو سلوك ما. الشارع السعودي، وقبل شهر من الآن، كان لا يقاد فيه إلا من قبل رجال، وإن كان وللدقة العلمية لا نستطيع أن نُجزم بأن الشارع يُقاد بطريقة ذكوريّة ١٠٠٪؜ فنحن لم نكشف عن ذهنيات سائقيها. ولكنها شوارع معبأة بالرجال، مهما كانت أطيافهم وجنسياتهم وأعمارهم، المشترك بينهم أنهم جميعاً رجال. يصادفك في الشارع، غريب أتى من أرض بعيدة، ممن يبحث عن لقمة عيشه هنا عبر “قيادته” لامرأة “عاجزة”، أو طفل لايتجاوز التاسعة، يقود السيارة لأن هناك نساء ممن يحتجن “رجلاً” في البيت للقيام بمهام التوصيل، أو لأن هذه هي الطريقة ليعرف بها إبن التسع سنوات أو ليُعرفه المحيطين بأنه أصبح، أو في طور، أن يصبح رجل. بمعنى أن امتلاك مفتاح السيارة، في ذهن الصبي، هو مؤشر لامتلاك ودخول عالم الرجال، كل هذا يجعلنا نتحدث عن احتمالية ذكورية الشارع السعودي قيادةً، بأريحية موضوعية.


في المقابل، “تأنيث العالم” المصطلح الذي يُطرح كثيراً كمحاولة لخلق توازن ما لتاريخ بشري صُنع، في الغالب، من قبل الرجل، وهُمشت فيه المرأة، نجد تحقق، نسبي، للفكرة أمامنا هنا، ولكنه يحدث لا كفكرة، بل كواقع نتيجة لدخول النساء الشارع “الذكوري” قيادةً، فهل سيختلف الأمر؟ وهل ستختلف التصورات الجندرية حينها؟ قد يلزمُنا انتظار وقت أطول لنحكم، ولعل من عاش التجربتين، شارع لا يقود فيه إلا الرجال، وشارع مفتوح لكلا الجنسين، إمكانية أفضل ليلاحظ أن من فروق تُذكر.


هنا، وللتنبيه، الحضور النسائي قيادةً في الشارع لازال محدود ومحدود جداً، لأسباب عدة لعل أهمها؛ حالياً، ليس الجميع راغبات بالقيادة، أو قادرات عليها لأسباب شخصية أو عائلية، أو قد يكن راغبات وقد تقدمن بطلبات للحصول على الرخصة ولكن إجراءات الحصول على رخصة أبطأ إيقاعاً من كثافة طلبات المتقدمات. أو أن بعضهن حصلن على الرخصة ليُعددنها وكأنها كردت كارد؛ ورقة تضعها في محفظتها لتُستخدم وقت الحاجة فقط. ليتبقى من كل هذه، النسوة ممن يتكرر تواجدهن في الشارع حيث أصبحت قيادة السيارة بالنسبة لهن نمطاً للعيش، وهنا قد نتحدث عن عدد يمكن ُحصره بالعشرات لا بالمئات، حتى.


لأجل هذا، التأمل الشخصي قد يكون محاولة للفهم والرصد. سأحكي هنا من تجربة وملاحظات شخصية وبعد قيادة السيارة لمدة شهر في مدينة سعودية، واستناداً على تجربة امتدت لسنوات في القيادة في أماكن اخرى. ولأن الفرد ومهما إدعى الموضوعية إلا أنه يصعب عليه الخروج من أطره الفكرية عند ملاحظة وتحليل الظواهر من حوله، لذا، اُختير أن يتضمن العنوان كلاً من النسوية والسيكولوجية كإطار فكري تسبح فيه الملاحظات هنا.


القيادة، حيث تعلمت ومارست سابقاً تسير وفق قوانين واضحة ومعلومة لكل من يضع رجله على بنزين السيارة، فمن يريد أن يُسرع ويتجاوز يأخذ المسار الأيسر، ومن يريد أن ينعطف يميناً يأخذ المسار الأيمن. على الأغلب، لا مفاجآت تحدث، فالقيادة انسيابية إن عرفت قوانينها. أما هنا، بين طُرق لم تُصمم بأولوية انسيابية السير وبين سائقين قرارات الإنتقال والتحرك مفاجأة، تصبح القيادة لا تتركز أساساً على الانتباه لعلامات الطريق من لوحة توقف أو حد للسرعة، بل أن التركيز ينصب على مراقبة سلوك السائقين الآخرين، لتوقع شكل المفاجآت.


لهذا، وجدتني أقود سيارتي وأنا منشغلة بتأمل السائق أمامي وفي المسار الجانبي لأتسأل هل سيكمل في مسارة أم سيتحرك إلى مساري؟ أحاول التعرف وتحديد حركته المستقبلية، لضمان سلامتي. لتتحول عمليه القيادة إلى حالة ذهنية من التركيز الشديد في محاولة قراءة سلوكيات السائقين والتنبؤ بتحركاتهم، للتصرف وفق ذلك.


بالتأكيد القيادة في أي مكان في العالم تتطلب مراقبة السائقين الآخرين، ولكن ما أفعله هنا هو مراقبة تفاصيل دقيقة لتنبؤ بالسلوك القادم للسائق، فهو على الاغلب مفاجئ. وبذات الوقت، في شوارع “مطباتها” ومنعطفاتها تأتي على غفله، وسائقين يغيرون مساراتهم بلا اشارات تنبية وبشكل مفاجئ ومتهور احياناً، تصبح عملية المراقبة مكثفة. لأجدني وسط هذا، أقود السيارة كمحلله نفسية تحاول استبطان دوافع المجهولين من حولي وسلوكياتهم. لهذا وجدتني أعود بعد  كل قيادة وأنا منهكه ذهنياً، كمن قاد جلسات علاج نفسي جماعي، لكنها جلسه لم تحدث إلا في ذهني.


وفق منهج العلاج السلوكي المعرفي أثناء جلسات العلاج النفسي فإن من الخطوات الأولى المتبعة هي مساعدة “العميل” على التعرف على أهدافه من تلك الجلسات، بحيث ترتكز الجلسات على صياغة أهداف واقعيه وفعالة وتعلُم طرق ملائمة للوصول إليها. من هنا، وجدتني وأنا أقود السيارة أصرخ على السائقين ممن يغيرون مساراتهم بين يمين ويسار دون أي شارة تنبيه تُعطى للأخرين، إلى الصراخ بكلمات: “حدد أهدافك”  أو”حين تضع هدف لاتتشتت في تنفيذه”، بالتأكيد إن أياً منهم لم يسمع، كما أن أياً منهم لم يكن ليهتم لو سمع. ولكن شخصياً أثار اهتمامي كيف تتلبسنا وظائفنا بحيث نُعيد صياغة الواقع ونطالب الآخرين بالامتثال له!


من جهة أخرى، هل بالإمكان قراءة مفاهيم فلسفية في مجتمع ما، أي شكل ومدى تجذرها فيه من خلال مراقبة سلوك أفراده؟ حين تتأمل سلوك السيارات المنطلقة بفوضى في الطرق السريعة تحديداً، تجد أن السيارات وعلى الأغلب تُغير مساراتها من يمين لوسط لشمال، هذا التغيير جُهزت له السيارة بعلامة يشغلها قائد السيارة تنبيهاً للآخرين. ومع هذا، وعلى الاغلب هذا الزر أو الذراع لتشغيل التنبية نادراً مايستخدم، فهل من دلالة ما لتُستخلص؟ السائق يعلم وهو يقود السيارة بأنه يريد أن يتجه لليمين أو أنه سيأخذ المخرج على اليسار وعليه تغير مساره تبعاً لذلك، ولكن الأغلب سيفعلها دون تنبيه، بل وقد يذهب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون إعلام مسبق للاخرين. بالتأكيد أن حياته وقيمة سيارته تهمه، لكنه لعله ينظر للأمر من زاوية: إن كنت أعلم أنني سأتخذ المسار الأيمين فلماذا علي أخبار الآخرين، سأخذ المسار الايمن وسأحاول تفادي الآخرين أو أي عقبه أوجهها. هذا التفكير بالإمكان تفسيره وفق منظارين. أولا: سبب حدوثه وثانياً دلالاته.


لعل السبب يكمن في طبيعة الحياة هنا، فلا شيء مخطط بشكل دقيق وصارم، فمثلاُ الطرق؛ في يوم تجد طريق وقد أُقفل دون إخبار مسبق، فعلى السائقين وفي منتصف مشوارهم إيجاد مسار آخر، أو قد يجدون جسر يعبرونه في كل يوم يقفل فجأة دون إخطار مسبق. غموض لا ينحصر بالطرق ولكن بمجمل العيش، فأنت لا تدري بأي لحظة قد يُطرق بابك زائر أو يكلفك مديرك بمهمة أو لا تعلم أن كانت مواعيد اجازة مدارس أولادك قد تتغير في أخر لحظة. من هنا تجد الكثير ممن جرب العيش بين هنا وبلاد اخرى، يتحدث عن إمتلاكه لوقته هناك، فهو مسيطر على يومه بتحديده المسبق لما يرغب بفعله، أما هنا، فالوقت يتسرب من بين أيدينا دون أن نعلم، هذا هو الغموض الذي يدفع الفرد لأن يكون مستعدا دوماً للمفاجأة. وبالتالي لا يصبح للتنبيه والتحذير أهمية، فمفاجأت الحياة جزء من طبيعتها الروتينية وليست الاستثنائية.


أما دلالة ذلك فيمكن العودة به لمفهوم الآخر. ماهو مفهوم الآخر في مجتمعنا؟ ماشكل علاقتنا به، حقوقه علينا وواجباته تجاهنا؟ هنا، حين يقود الفرد سيارته، فإنه وفقاً لطريقة قيادته يصبح وكأنه وحده في الطريق، لا آخر يشاركه، ليستحق أن يكون على إطلاع لما يقرر فعله أثناء مشاركة الآخرين الشارع. السائق كمن يقول لنفسه: إن كنت أعرف أنني سأتجه يميناً وأثق بأنني سأُحسن التصرف، فلماذا أُخبر القائد في السيارة المجاورة بذلك؟ أنا ماهر وسأُحسن التصرف. هذا التفكير قد يحمل بعض المنطق، وبذات الوقت يشير إلى أن مفهوم مشاركة الآخرين، وماتتطلبه هذه المشاركة بالتالي من حقوق وواجبات غائبة.


السائق وفق هذا، ينطلق في تصوره للقيادة من حيت إعتبارين:  وجهته وحُسن أدائه للقيادة، ولكن ماذا عن وجهات الاخرين وحسن أدائهم في الطريق؟  ألا إمكانية لتقاطعات تحدث بما لا يُحمد عقباه؟  ألا يأتي أحدهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ليقوم بانعطافه مفاجئة دون اعتبار لآخرين قد تصدمهم حركته، وتجعل بعضهم ممن لا يحسن التعامل مع المفاجأت يتسبب بحادث ما. لعله لم يذهب بتصوراته لهذا، فهو  يعلم كيف يقود سيارته، وهذا يكفي، هو وحده يكفي!


إن كانت الفلسفة الفرنسية علمتنا شيئاً فهو العبث مع التفاصيل الصغيرة بحثاً عن دلالات لمعاني قد لا تكون ظاهرة، خاصة في غياب احتمالات أخرى، أو في وجودها مع إمكانية لوجود احتمالات عدة. من هنا، ألا يكون القيادة وفق مبدأ “أنني أنا وحدي جاهز للمفاجأت، لذا ليس علي تنبية الآخرين أو  التفكير بتصورات الآخر في الطريق”، كشف عن مفهوم الآخر في ثقافتنا؟ فبهذا المعنى، الآخر، لا حق له ليُعلم، ومفهوم المشاركة مع الآخر وما تترتبه هذه المشاركة من تعاملات تنطلق من حقوق وواجبات.


لنذهب أكثر في التأمل لتصور مصدر هذه الذهنية، ألا يكون هذا نتيجة لغياب النساء طوال تلك العقود سبباً، خاصة مع اعتبارهن الآخر الأكثر بروزاً في التصنيف كآخر للرجل؟ هل غياب المرأة عن الشارع وحقها في القيادة جعل الرجل يعتقد أن الشارع ملكه، وبالتالي هو يملُك الحق الحصري له دون آخرين. في الشارع لا يقود الفرد وحيداً لكنه يتشارك مع آخرين، آخرين على نفس صورته، فجميع السائقين رجال، فيما المرأة تغيّب وغياب لها كآخر. هذا الغياب للآخر هو مايجعل السائق يقود سيارته بمنطق: “إن كنت أعرف أنني سأتجه يميناً وأثق بأنني سأُحسن التصرف، فلماذا أُخبر القائد في السيارة المجاورة بذلك؟” ليتحول هذا المنطق إلى فلسفة في القيادة، فيصبح الحق مطلق، وبذات الوقت يمتلكه كل من يقود سيارة، من الرجال . وبهذا فعبارة “شارع ذكوري” تحمل صدق معناها، لا عبر تنميط عبارة ذكورية بصفات ذات معنى سلبي، بل عبر وجود منظار واحد يحمله جميع من يقود سيارته في شوارع، لم يكن يُقاد فيها الا من قبل ذكور.


لهذا، تأمل شوارعنا بعد سنوات من الآن لمعرفة إن حدث تغيير في سلوك القيادة أمر يستحق الاهتمام. والتغير، إن حدث، أهو نتيجة تواجد طريقة مختلفة للقيادة تفرضها النساء، أم هي نتيجة تواجد النساء، كآخر في الطريق، وماسيؤدي هذا من تعزيز لفكرة أن الشارع ملك للجميع “أنا والآخر”. وهذه هي أحدى صور  وأهداف النسوية، فالنسوية ليست حصراً تقريراُ لحق النساء/الآخر، بحقوق مساوية للرجل، بل هي منظار للحياة يرى أن الحياة العادلة تتحقق عبر محاولة إيجاد لنمط عيش مشترك مع الآخرين، بحيث يتحقق فيها للأخرين مجالات للسير في حياتهم بانسيابية، وإن اختلفت طرقهم ووجهاتهم.


25-7-2018


*الصورة من فيلم ثيلما أند لويزا

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on October 12, 2018 13:09
No comments have been added yet.