لماذا المقهى؟ لماذا الآن؟

هل نملك الجرأة على تغيير مساراتنا ونحن في منتصف الطريق؟ وإن ملكنا الجرأة، فهل نملك الحرية لفعل ذلك؟ ثم، ماذا يعني إن توقفنا في وسط الطريق لنختار طريق آخر لنسلك؟ أكان طريقنا الذي إخترناه في البدء خاطئاً؟ أم أن هذا المنعطف الجديد هو البداية؟ ولكن، أهي بداية واحده فقط تحكمنا، وكل مايتلوها ماهي إلا محاولاتٌ لتحسين ذلك الطريق؛ الطريق الأول.


لأكاديمية ولسيكولوجيست لازلت أمارس كليهما، يطُرح علي السؤال كثيرأ عن سبب إفتتاحي لمقهى، إجابتي الأولى كانت مختصرة وتلقائية: “أحب المقاهي، وأرغب بزيادة دخلي”. المقهى، كان مشروع مشتركاً بيني وبين أختي. أذكر لحظة “الخلق” له. كنا نتسكع في مدينة بوسطن، نتحدث عن رغبتنا في السكن فيها بشكل دائم وعن حاجتنا لدخل إضافي لتحقيق ذلك، فكانت الإجابة بضرورة إنشاء مشروع تجاري. ومن هنا بدأ البحث على أي المشاريع نتوجه؟ فكان المقهى.


أما عن الإجابة التفصيلية على السؤال، فمن الأفضل بداية تأمل التجربة ذاتها، وذلك عبر الانطباعات الأولى حول هذه التجربة؛ عن المفاجاة الفكرية اللذيذة التي إستشعرتها وأنا أدخل عالم جديد، عالم التجارة. الأدبيات الرومانسية، خاصة اليسارية، صنعت قالباً صارماً لشكل التاجر؛ كشخص مادي لا يسعى إلا إلى المنفعة المباشرة. ومن صلح منهم فأقصى فعل لديه يتمثل بتوزيع بعضاً من ماله على أعمال خيرية، يرتجي منها أجراً ترفع مقامه في الآخرة. وهذا أيضاً بحث عن منفعة ما، منفعة مؤجلة! ولكن. من الاستكشافات المثيرة، أن الصورة التي اختبرتها للتُجّار لم تكن بهذه البساطة، بل كانت أكثر غنى وتنوعاً، كما الحياة ذاتها.


إفتتاح منشأة تجارية يجعلك تتواصل مع تُجار متعددون. وجدتني أتعرف على وجه جديد للتاجر لم أعهده… ولعلني سأسميه “التاجر المغامر”، سندباد عصري… التجارة لدى هذا التاجر يحركها شغفاً ورغبة بالمغامرة بروح فنية لم تخطر ببالي مسبقاً. حين يتحدثون عن أعمالهم أو افكارهم أو حول منتجاتهم أو ادائهم وتصوراتهم عن المستقبل تلمس في أعينهم ونبرة صوتهم إشعاعاً من الفرح والامل و شغف بلحظة مستقبلية. إنهم شعراء، لكنهم شعراء على طريقتهم بالتعبير عن جنون الشعر. قليل ممن إلتقيت كان حديثه ومنطلقة مادي بحت، كان هناك أمر أبعد من المال، “ماوراء المال”! حينها تذكرت قصص ألف ليلة وليلة، فلعل إحدى عظائمها يتمثل بتقديمها شخصية سندبان التاجر/المغامر. ذلك الاكتشاف، أكد لي أن على أنه ورغم جمال الكتب ولذة القراءة إلا أن لاشئ كما عيش الواقع والانغماس بتجارب حياتية يمكن أن يمنحنا المعرفة التي ننشد، أو على الأقل بعضاً منها، وماتجلبه هذه من لذة المفاجأة.


بالعودة إلى لماذا المقهى… وقت دخولي الجامعة، إنتقلت من مدينة الخبر للعيش في مدينة جدة. منذ ذلك الوقت، لم أحب هذه المدينة، وبذات الوقت كانت قدراً لم أستطع التخلص منه… تخرجت من جامعتها ووجدتني أجد عملاً فيها وحين تزوجت إبتعدت عنها لفترة لأعود مضاعفة ثلاثة بإبن وزوج… سافرت إلى امريكا وحين عدت إليها…كان لابد من التصالح مع المدينة.. وليس أفضل من التصالح مع مكان، من أن تجد زاويتك الخاصة فيه، أن تصنع لك مكانك…فحين تضيق بنا الأمكنة، ليس علينا إلا خلق جمالاً بداخلها يوسع من دائرة مكاننا، فكان المقهى. مكاناً لجمال يُخفف به وحشه الغربة، في مكان لم أجد ذاتي فيه يوماً.


هذا المقهى، كمشروع مشترك مع اختي، إنطلق من تجربتنا الحياتية. كلتانا، وبسبب عمل الوالد، التنقل بين الأماكن كان جزء من طفولتنا، تنقل بين الاماكن إستجوب تنقل بين الأشخاص واللغات. من وسط نجد انتقلنا اطفالاً إلى الخبر شرقاً ثم لنستقر منذ مراهقتنا في مدينة جدة. خلال تلك السنوات كنا نقيم في مجمعات سكينة تحتوي طيف متعدد من الجنسيات المختلفة. صديقات طفولتنا كن من امريكا واليابان وفرنسا ومصر والشام وبريطانيا وكينيا وكوريا. لا أتذكر ولا أعرف أي لغة كنّا نتحدث، ولكن كنا نتواصل ونفهم بعضنا البعض. ولهذا امتلات طفولتنا بذكريات لإحتفالات تقام على مدار السنة تمثل مناسبات مهمة لكل جنسية سكنت المكان، نتذوق فيها اكلات غريبة ونرى ملابس وعادات مختلفة، يقدمها سكان ذاك “الكمباوند” بتنوعهم.


بعد ذاك الزمن وجدتني واختي نسافر لبلاد عديدة، لا لإستكشاف اماكن جديدة بقدر ماهو تلمس لبقايا من ذكرياتنا في ذلك التعدد الثقافي الذي لامس طفولتنا. ذلك التنوع الممتزج بذكريات طفولة مبهمة، لتخرج كخليط متعدد الأبعاد لثقافات أجتمعت صدفة، لتتشارك بتنوعها بجمال لم نُقدر جماله الا حين ابتعدنا عنه. من هنا، في السفر، كنا حين نرغب بتناول كوب قهوة، نبحث عن مكان لا يحصر روحه بجانب واحد، فنجد أن الاماكن المنفتحه على تنوع ثقافي تثيرنا بشكل أكبر، وحين نذهب الى محلات بيع التحف الفنية لم يكن ما يشدنا أسماء صانعيها وما يحملوه من شهره بل قدرة تلك الاعمال الفنية على أن تًذكرنا بقصة أو بلمحة من ثقافة او شعب ما.


من هنا كانن فكرة “بوهو كافيه”، مقهى لا لتقديم قهوة متخصصة فقط بل ومشروبات متنوعه من مختلف القارات مع لمسة محليه تتمثل في قهوتنا العربية المبهرة والشاي الأحمر المعد ببطء ايقاع حياتنا السابق والبسيط. كل هذا في مكان القهوة، القهوة كاحد انجازات البشر، التي وجدت لتحسن مزاجنا وتُلهم افكارنا كما تفعل التحف واللوحات والموسيقى وهي جميعها متواجدة بتنوع نتمناه جميلاً في مقهانا. فضاء متنوّع الأرواح متعدد الثقافات يبدأ بتقديم القهوة وينتهي بتقديم ذكريّات إنسانية وتجارب متنوعة وغنية يتشارك رواد المقهى في عيشها.


من جهة أخرى، المقهى منحني تجربة جديدة لم أكن بإنتظارها. منذ كنت طفلة وأنا أحب تجميع الأشياء، بداً من العرائس حتى الأصداف والأحجار الغريبة التي اصادفها في طريقي…. مراهقة كنت أجمع البطاقات البريدية بصورها الفنية، بعدها بدأ اهتمامي بالشموع بمختلف اشكالها، لأنتقل ومع دخولي الجامعة لجمع اللوحات والمقتنيات الأثرية…. كنت أجد التسوق في المولات مضجراً ولا يحقق إلا وظيفة البحث عن قطعة احتاجها، احتياج دون إستهواء…. أما التسكع في شوارع المدن الغريبة فلا أجمل، وخاصة في أيام نهايات الأسبوع في “الفيلي ماركت” حيث صخب الاصوات وتعدد القطع التي لم تخرج من المصانع حديثاً، بل من بيوت تحمل حكايات وأسرار ساكنيها.


المحيطون بي، كانوا يسخرون من إمتلاء غرفتي بكل هذه الفوضى من تحف ولوحات والتي لكثرتها لم تجد لها مكاناً بين جدران غرفتي. ولكن حين حدث المقهى، أصبح لكل هذا معنى، وجدت مقتنياتي مكاناً لها! ليس مقتنياتي من وجدت مكاناً، لا، بل بعضاً من تاريخي الشخصي … نظرات الإعجاب والامتنان التي أراها من زوار المكان لمشاركتهم قطعي الخاصة، جعلتني أتجاهل التشكك الذي حاصرني به المقربون لسنوات…. أصبح لمقتنيات كل تلك السنوات معنى ما! وكأن بذلك أستطيع القول أن لكل تلك السنوات، سنوات عمري السابقة، وجدت لها معنى جديد أكتشفته مؤخراً. معناي الذي علمتني اياه تلك التجربة أستطيع إختصاره بأن ماتشعر بمتعة لأدآه، إفعله، حتى لو كان بلا معنى حينها، فقد يجد معناه يوماً، وحتى إن سخر منك الآخرون خلال ذلك، يكفي أن ماتفعله يمتلك معناه بداخلك أنت، وإن كان هذا المعنى هو المتعة، المتعة وحدها، المتعة تُنبئك إن هناك معان خفية قد تتكشف لك مستقبلاً.


أما المدينة والعلاقة الشخصية معها فقد صنع المقهى مفارقة لم أتصورها! لأجل الحصول على المستلزمات المطلوبة للمحل أثناء الإنشاء والديكور ومن ثم مستلزمات لإعداد الوجبات وتجهيزها كان لابد من البحث في مناطق وأسواق جديدة لم أزرها في المدينة، وكان علي التواصل مع متعهدين متعددين لذلك…هذا الأمر جعل المقهى يصبح معبراً من خلاله زرت مناطق لم أسمع بها أو لم أمر بها يوماً رغم اقامتي هنا لسنوات عدة…زرت غليل والصناعية والمحجر ودخلت أفخم المحلات ودور العرض المخصصة للنخبة فقط! وهنا تكمن المفارقة، ليصبح المشروع الذي ابتدأناه للهرب من المدينة طريقا لإكتشاف وعيش المدينة بشكل جديد وعميق! لننتهي وقد خلقنا لنا مكاننا هنا، في هذه المدينة. المدينة التي إعتزمنا الهروب منها!


أهي ورطة وقعنا فيها؟ لا أعلم… التجربة ستخبرنا عن هذا. وإن كانت ورطة فلبعض الورطات جمالياتها… لن نعرف الآن، فنحن في منعطف جديد في حياتنا، قد يكون هو البداية….أو مجرد طريق آخر نسلكه لنوسع عبره دوائر حياتنا.


 

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 02, 2018 07:04
No comments have been added yet.