تشكلات الهوية : تجربة شخصية
يقول فتحي المسكيني “تبرز الهوية كواقعة ثقافية لا سند لها سوى إرادة الهوية، لكن إرادة الهوية وحدها لا تكفي لتحررالانسان من تصوراته السقيمة عن نفسه”. إن كان الفرد يحتاج لإرادة الهوية ليتخلص من تصوراته عن نفسه، وهو أمر لن يستطيع الفرد تحقيقه، كما يقر المسكيني، فمالذي يحرر الانسان غير إرادة الهوية في بحثها عن هوية ذاتية خارج الإطار الهووي الذي وُضعت فيه الذات؟
سؤال الهوية سؤال يواجهنا أين توجهنا، رغم حداثة المفهوم. فمع الحداثة تفجرت تساؤلات الهوية مخلفة أثاراً متنوعة، بعض تلك الأثار تشكلت كندوب عميقة لدى الأفراد والشعوب وكذلك الحضارات. ندوب دفعت بلاد لمعارك أهلية، فيما بعض الندوب تم التحايل عليها بالقفز لهويات “تقدمية” تتجاوز التراكم الثقافي الهوياتي التقليدي. صراع الهوية هذا لم يكن دائماً ذا أثر “مدمر”،بل لعله كان من محفزات الحراك الاجتماعي، بسبب مايحدثه من قلق “هوياتي” وبما يمنحه ذلك من مجال للتجاوز، حتى وإن كان لهذا التجاوز ندوباً غائرة في الروح.
ولأن الهوية ولتشكلاتها أبواباً مشرعة على الجهات الأربع وجهات أخرى قصيه، فإن تناولها قد يستلزم حصراً وتناولاً لأحد أبعادها، فلعلفي ذلك محاولة ناجعة للقبض على الهوية بكل هلاميتها. فما بين هوية اجتماعية ودينيةوجندرية وثقافية قد نجد في حالة أرتباكاً للهوية من جانب فيما الجانب الآخر أكثراستقراراً وإستكانه. ولأن هذا المقال عنوانه مبتدأ بإعتباره يستعرض تجربة شخصية، فلعل شرح الفكرة يتطلب استعراض تلك التجربة. هذا الاستعراض سينحصر في البعد المهني للهوية أي الهوية المهنية الخاصة وتشكلاتها.
عملي في الجامعة كإستاذة لم يكن أحد أحلامي، وفي المقابل، لم يكن أحد كوابيسي. كنت الأولى على دفعتي طوال سنوات الدراسة، مما جعل رئيسة القسم تخبرني بأن ليس علي التقديم وظيفياً لأي مكان بعد التخرج، فمكاني محجوز في الجامعة. وبذات الوقت، كنت أعرف أن هذي المهنة تمنح الفرصة لإبتعاث ولسفرخارجي ولمزيد من الدراسة. السفر ومزيد من الدراسة كانا سببيّ حينها للعمل فيالجامعة. الآن، وبعد سنوات العمل في الجامعة، لم تكن النتيجة إلا خيبة أمل وخيبة أمل كبيرة جداً. وهذا موضوع قد يكون مجاله نص آخر لا هنا.
مهنياً، أخذني الطريق لعوالم الكتابة والنشر. لم أفعل ذلك إلا نتيجة لتحدي دخلته مع أحدهم لإثبت له قدرتي على كتابة مقالة، إلا أن الحالة إستهوتني، وبدأت الكتابة بشكل مكثف. لم أكن بعيدة عن عوالم القراءة والكتابة، فمنذ طفولتي تعلقت بالقراءة، أما الكتابة فلم تكن سوى عبث… أكتب لعيش حالة أو لإختبار حالة أُعايشها عبر الكلمات، وبعد ذلك كنت أتخلص مما كتبته، أتخلص منها بممارسة طقوسية؛ أحيانا أجمع أوراقي وأضعها على سطح الموقد لأراها وهي تحترق.. كان في البحث عن الكلمات التي تصمد لآخر لحظة لذة سحرية عابثة… لذة منلا يخشى أن يتخلص من كل خيط يربطه بوجوده!
خلال هذا، كنت قد أنجزت الدكتوراه وبدأت العمل كاخصائية نفسية. وهو مجال أحبه، واحبه جداً. فعلى الرغم من الجو المشحون بالشكوى لعذابات إمتدت لسنوات عند البعض، عذابات تعرف أن أقصى مايمكن أن تقدمه لبعضهم هو أن تكون ملطفاً لهذه العذابات، جسراً يتجاوزن به عذابات قد تعاود الحضور، فلا شفاء تام منها. ولكن أن ترى الآخرين يمنحونك ثقتهم، يفتحون عوالمهم الداخلية، تستمع لقصصهم ولتجاربهم ولرؤاهم في الحياة… فكأنك تعيش الحياة مضاعفة مئات المرات عبر الإستماع لتلك القصص، والعيش فيها. وفوق هذا، قد يحصل أن يجد أحدهم من خلالك مخرجه، لينمو، نموا نفسياً اعاقته تجاربه السابقة عن الوصول لتلك السكينة التي يبحث عنها.
على أية حال، هي ليست بهذه الورديه فهناك تعب مصاحب لكونك المستمع المتقبل دائماً في كل حوار. كما أن الإحساس بالعجز في بعض الحالات أو مواجه أم وأب أو شريك بحقيقة خطورة وضع من يحب، لهو أمر قد يفوق إحتمالك. أمر تحتاج لشحن نفسك وطاقتك، وقد يحصل أن تخذلك وتنفذ منك أحياناً. واحيانا لا تشعر إلا بالغضب حين لا يكون الحل المطلوب أمام عذابات أحدهم، إلا قانونا أو تغييرات حياتيه مادية في حياة مريضك، لا تملك سلطة لذلك، وهو لا يملك مقدرة على ذلك.
بعد هذا المرحلة، دخلت المرحلة “المطبخية”على وزن المرحلة الزرقاء لبيكاسو، وهي المرحلة التي أقف عندها الآن. لطالما احببت الطبخ. وجدته فناً وبذات الوقت منتج ثقافي من خلاله تتعرف على منتجات المكان، طريقة تعاطي أهل المكان مع الطبيعة ومع المحيطين. تأمل ادبيات الطعام قد تكون وسيلة يكشفون بها معتقداتهم وذائقتهم من خلال طقوس الطعام وادوات المائدة. أن تسافر وتجرب أحد الاكلات الغريبة عليك، لتعود لبيتك وتبدأ البحث عن وصفة لذاك الطعم اللذيذ وذو النكهة الجديدة حتى تتمكن من استعادة تلك الحالة. أن تصنعها أنت. أن تجد لك إمتدادا مع شعوب أخرى، هذا يتحقق حين تستطيع إعادة صنع طعامهم. مغامرة النجاح فيها يصنع لذة لا تضاها.
الآن في المقهى، أعيش تجربة إمتنان الآخرين عبر الطبخ.أن تجد من يُصر قبل مغادرة المقهى على شكر “صانعة الحلويات”، أن يبتهج الآخرين بما تنتجه، تٌخرج قالب الكيك من الفرن وبعد نصف ساعة تسمع ذاك الاطراء. لاتحتاج للإنتظار كثيراً لتتأكد من مهاراتك، كما يحدث مع الكتابة مثلاُ. هذه التغذية المباشرة مبهجة لنحو خاص لمن يكتب مقالات ولكونه لا يتصدر الساحة الثقافية، فلا يعلم إن كان مايكتبه يستحق المواصلة أم أن مايفعله مجرد عبث ساذج يضاف لكل مايزخربه مجالنا الثقافي. لذا، وجدت في هذه الهوية الجديدة “الطباخة” لذة جديدة، احببتها.
سابقاً، حين ألتقي غرباء ويسألونني عن مهنتي، كانت إجابتي تجعل الآخرين يحصرونني بعدها في قالب معين، قالب قد لا أكونه أو لا احبه. فحين تكون الإجابه: “استاذه جامعية”، فإن التصور الذي يمنحه لي مخاطبي هو، وعلى الأغلب، بأنني امرأه جادة، رسمية، صارمة على نحو يفتقد للخيال. وحين اقول “اخصائية نفسية” فهذا أصعب. فمخاطبك سيضعك ضمن قالبين، فإما أنك الشخص المعقد والمثير للاهتمام بشكل خاص، بما يجعله يطلب منك أن تحلل شخصية أو أن يسرد عليك تاريخه الشخصي طلباً لإستشارة مجانية. وهو أمر تصادفة كثيرا مع غرباء تلتقيهم في قاعات انتظار السفر. أما القالب الآخر، فسيعتقد صاحبه أنك تمتلك سحراً أسود تستطيع من خلاله النفاذ لدخيلته وكشف اسراره، فتجده لا يتحدث معك أو يتحدث بحذر، فبتصوره أي كلمة أو حركه قد تفضحه، لينتقل هذا الحذر إليك بإحساس بعدم الراحة.
في آخر سفرة لي، وحين كنت في جوله سياحية مع غرباء، وفي محاوله للتعارف، بدأ السؤال عن البلاد التي ننتمني إليها والمهن التي نزاولها. حينها اخترت أن أُعرف بنفسي كطباخة، ولم أكن كاذبة، ولكن أخترت زاوية مني وجعلتها كلي. ردة فعلهم المحايدة تماماً فاجأتني على نحو مريح، فلم تصنع هذه الهوية الجديدة توقعات محددة أو تضع قالباً لما يجب أن أكون. أحببت ذلك جداً.
ولكن هل احببته حقا،ً لدرجة القبول بتلبسه بشكل كامل، أي أن يكون هو هويتي الحصرية؟ حين عدت، وفي يوم كنت س في المقهى مع أختي وشريكتي فيه، تقدم رجل من رواد المقهى ليتحدث معنا بخصوص المقهى، وعند نهاية ا لحديث سألنا عن اسمائنا، وحين أخبرته بإسمي ردة فعله المباشرة كانت بسؤال مباشر: أنتالطباخة؟ لا أعرف لحظتها شعرت بإنزعاج مفاجي. احب الطبخ، وأن يكون أحد هوياتي التي استعرضها، ولكن أن يكون هو “هويتي”، فلست موقنه. هل مسحت الطباخة كل ما فعلته مسبقاً، فلم اعد استاذة جامعية، حاملة الدكتوراه، السيكيولوجست ،الكاتبة، بل مجرد طباخة، بل وطباخة هاوية لم تأخذ دورة واحدة في الطبخ.
لا أعرف إن كنت محقه في إنزعاجي حينها أم لا. وهل هو انزعاج من إمحاء غير مقصود حدث لكل ماسعيت لصنعه في سنواتي السابقه من دراسه وتدريب، أم هو انزعاج لأنه وفقاً للسلم الاجتماعي مهنة الطبخ تقع في سلم منخفض من التقدير؟ لا اعلم. ولكن لعلنا في كل مانفعل هو محاولات لهروب من ازماتنا؛ أزمة مننحن؟ مالذي نفعله لنستطيع أن نُعبر عن ذواتنا ووجودنا؟ لنشبع حياتنا ونغنيها؟ تساؤلات تجرفنا لمصبها الأصلي: اشكالية الهوية، وفي محاولة الاجابة على تلك الأسئلة فإننا ندخل مغامرات نصنع بها هويتنا الخاصة. وفي المقابل، لعلنا نحتاج في كل مرة لإعادة تشكيل هوياتنا وبذات الوقت أن لا نهرب كثيراً عن هوياتنا السابقة حتى لا ندخل في أزمة أخرى.
هذه الأزمة عبر عنها المسكيني وذلك بإعتبار الهوية ماهي إلا “جهاز انتماء، ومثل كل جهاز، لا يمكن لأي هوية أن تعمل في أفق روحي ما إذا لم تكن تملك شكلاً معيّنا من الإلزام وفنّاً من الانضباط. ليس هناك هوية غير ملزمة، بل كل هوية هي لا تعدو أن تكون تاريخها الخاص، وقد تحول إلى جسد من العلامات المستقلة. كل هوية تؤرخ لنفسها بطريقة ما، سرعان ماتنقلب إلى قدر بلا أي إمكانية للمراجعة”. فنحن قد نظن أننا نختار حياتنا عبر صنع هوية جديدة لنا أو محاولة تشكيل هوية، ولكن كل مانفعل هو صنع قدر آخر “بلا أي إمكانية للمراجعة”، أي ورطة جديدة تتمثل بإطار آخر نضعه لأنفسنا أملاً بتحرر من إطار،أو إطارات، سابقة.
ولعلني وأنا أنهي هذا النص أستحضر المثل المصري الشعبي “سبع صنايع والبخت ضايع”، فوفقاً للمثل تغيير الهوية المهنية نتيجة لسوء الحظ، فهل هو كذلك؟ لا أعلم يقيناً، ولكن لعله في حالتي وللإجابه على هذا يمكن إعادة صياغة المثل على صورة “سبع صنايع والقلق دائم” فما يحركني في كل هذا، التنقل المهني “هوياتياً” هو صراع وجودي أحاول التخفف منه بتشكل هوياتي/مهني لا يعرف الاستقرار بعد.


