في محدودية النسويّة

وجود نمط سلوكي لدى جنس معين، هل يمنحُنا سبباً كافياً لتفسير هذا السلوك من منطلق جندري بوثوقيه جازمه شمولية هذا التفسير؟ بمعنى آخر، هل الجندر وحده كافي كأداة للقياس والتفسير في حالة كهذه؟ وهل كل الفروق السلوكية التي نلحظها بين الرجال والنساء يمكن أن نجد تفسيرها في أسباب جندرية، وجندرية فقط؟ ليترتب على هذا ضرورة استخدام النسويّة وحدها، كمنهجية للتحليل والتفكيك المعرفي لأي ظاهرة تتواجد لدى أحد الجندرين أو كلاهما.

النسويّة قدمت إطاراً مفاهيمياً جديداً لتفسير العالم إستناداً على الاختلافات الجندرية، وذلك عبر التركيز على الكيفية التي تتشكل بها سلوكياتنا، وكذلك شكل مجتمعاتنا بناء على الخصائص الجندرية التي ننتمي إليها، وفقاً للمعطيات التاريخية والثقافية التي تُشكل متطلبات الجندر. ومن هنا، فإن السؤال الذي يُطرح هو: إذا وجد سلوك ينتشر بين نوع جندري محدد، فهل في هذا دلالة كافية على أن ‏الجندر هو العامل الحاسم في التفسير؟ فمثلا، لنأخذ كمثال قيادة المرأة للسيارة حديثاً في السعودية، هل أي تغيير في سلوك القيادة سنُرجعه بيقين مؤكد لأسباب جندرية؟

في الشهر الأول لممارسة النساء للقيادة كتبت مقالاً حول أن هذا الحدث فرصة للباحثين في العلوم الانسانية لدراسة موضوع قيادة المرأة من حيث تأثيرها على شكل الشارع، فأي تغير فيه قد يكون نتيجة لوجود جنس آخر بدأ ممارسة ذلك الفعل في الشارع. الفعل الذي كان محصوراً لسنوات بالرجال. بمعنى، كيف سيكون الشارع بوجود نوع جندري جديد يقتحم المكان والفضاء الذكوري. الآن، وبعد سنة تقريبا على ممارسة النساء للقيادة، هل نستطيع ان نُرجع أي تغير يحدث في الشارع أو تفسير سلوك الرجال أثناء القيادة لأسباب تتعلق بأنه “رجل”، بإعتبار هذا سبب كافي للتفسير؟

شخصياً، حين بدأت القيادة في السعودية أذكر الإرتباك والخوف الذي كنت أعيشه أثناء القيادة، حتى إبني في مشواره الأول معي، قال لي “ماما، عادة تقودين السيارة بفرح وبجراءه، الآن يظهر عليك الإرتباك والإنزعاج”. وقتها وجدتني أقول لنفسي “للأسف نحن مجتمع متميز في قدرتنا على إفساد المتعة! القيادة كانت متعة بالنسبة لي، ولكن حين مارستها في السعودية أصبحت هماً”، ولكن هماً احتاجه.

‏حينها تسألت هل هذا التحول حدث لأنني أقود في شوارع يديرها، ويقود فيها، ويتواجد فيها رجال فقط؟ أي أنه شارع مُحكم الرجولة؟ وحتى لا يصبح ما أكتبه هنا تكرار لما كتبته في مقال سابق لذا، سأنتقل لفكرة أخرى طرأت علي بعد فترة من القيادة، وهي، هل هذا هو التفسير الوحيد؟ ألا يكون في هذا إختزال لا يمنح فهماً كافياً. ألم ندرس في مادة الرياضات أن للقياس أدوات عدة؟ مقياس للوزن وللطول والحجم والكثافه…طرق متعددة، وجميعها تقوم بذات الفعل: القياس. فلماذا في محاولة تفسير سلوك ما، نحصر أنفسنا بطريقة واحده للقياس؟ وهل معنى هذا أننا نصل لتفسير نستطيع الجزم بصحته ودقته؟

‏بهذه الذهنية المتشككه نتسائل هل بالإمكان استخدام النسوية وحدها كمقياس لتفسير وتحليل أي اختلاف أو أي تصرف يظهر عند الرجال حصرا أو النساء حصراً؟ وماذا عن الظروف التي يتواجد فيها الأشخاص؟ ألا تطبع تصرفاتهم وبالتالي تشكل مرجيعة لسلوكياتهم، تلك الظروف والموقف التي يتواجدون فيها تصبح إطاراً للسلوك وبالتالي لا تاثير حاسم للجندر الذي يحملونه؟ لا أملك اجابه هنا ولكن بالإمكان اختبار هذا عبر قرائتنا لسلوك محدد يتكرر أثناء قيادة السيارة.

في شوارعنا حين ينتقل سائق السيارة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو العكس فعلى الأغلب لا يقوم بتشغيل إشارة التنبيه لذلك. فهل المحرك هنا عدم اهتمام بالأخر لأنه ينتمي لمجتمع “ذكوري” لا يرى إعتباراً للآخر، أم أن للأمر تفسيراً آخر بعيداً عن المنطلقات النسوية؟ لنحاول فحص المسألة عبر مقاربة مع مكان آخر، في امريكا، للشوارع حد للسرعة يسمح لك فيها بالتجاوز زيادةً أو نقصاناً بما نسبته 10-15%. هذا الأمر يجعل مدى الاختلافات سرعةً متقارب، مع وجود استثناءات تظل في إطار الاستثناء المعتاد.

في المقابل، في طريق الملك عبدالعزيز حيث حد السرعة 100، ومع هذا تقابل من يقود بسرعة 140 وكذلك من يقود بسرعة 40 أو حتى 30. هذا الإتساع في مدى السرعة يجعل عملية القيادة تنطوي على مفاجات غير متوقعة. فأنت لا تستطيع الجزم بسرعة المحيطين بك على الطريق. عليك أن تكون شديد الإنتباة وأحياناً سريع في حركتك للتنقل ما بين المسارات المختلفة إما للإبتعاد عن سائق منطلق بسرعة أو لتجاوز من يقود ببطء شديد.

فمثلاً، حدث مرة وأنا أقود سيارتي في طريق الملك وفق السرعة المحددة، وإذا بأحدهم وعلى نحو مفاجئ يقرر الإنتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ليأخذ المخرج، ولأجل هذا فقد توقف تماماً في منتصف الشارع! نعم السرعة أصبحت صفر في طريق سرعته المحددة 100. سلوك كهذا سيُرغم السيارات المحيطة بالإنتقال السريع إلى مسارات أخرى دون أن تمتلك الوقت لوضع علامة التنبية. وهذا الأمر من المؤكد أن الجميع قد صادفه أثناء القيادة وبشكل متكرر. لأجدني وبسبب تكراره أنتهي وبعد عدة اشهر من القيادة أقود بطريقة “الزقزاق”، دون استخدام لإشارات التنبية!

في المقابل، القيادة في شوارع امريكا، على الأغلب، لا تحمل مفاجاءات دائمة، في القيادة عليك إلتزام المسار في أقصى اليمين وإن أردت التجاوز ذهبت لليسار للتجاوز ومن ثم عدت لمسارك الايمن. لا مفاجاءات على الطريق. نظام جزائي محدد وعرف مُتفق يحمي الآخرين ويسهل عليهم التشارك بذات الطريق. هنا، توجد مخالفة لتجاوز السرعة، حتى لو كان التجاوز بنسبة 1% ولكن لا مخالفة لمن يتمهل في القيادة. فهل الإرتباك الذي تتحدث عنه النساء حديثات العهد بالقيادة في السعودية نتيجة أن شوارعنا ذكورية، وبالتالي فإن التحليل النسويّ يستطيع تشريح الحالة؟ أم أن للقضية تفسيرات أخرى؟

لا يمكن إهمال تفسير ينطلق من طبيعة النظام المروري الذي يُسهم بحالات فوضى القيادة لدينا. وكأمثلة على ذلك، الطرق كثيراً ماتحمل مفاجات غير متوقعه وغير ساره، فالمخرج المعتاد الذي تأخذه على طريق الهاي وي للذهاب لعملك، تجده مغلق. والجسر الذي تم بناءه حديثاُ ليختصر لك طريق عودتك لمنزلك قد تم اغلاقه، وهكذا لا تعلم عن الأمر حتى تصادفه أمام عينك وأنت تقود سيارتك. لذا، عليك دوماً وأبداً أن تقود سيارتك وأنت كامل الجهوزية لإجراء منعطفات سريعة يفرضها طبيعة الطريق والنظام دون أن يكون لديك وقت لإستخدام اشارات التنبية الموجودة في السيارة. فألا يكون هذا عاملاً حاسماً في تفسير الأمر بدل الإرتكان إلى خطاب نسويّ يفسر الأمر بذكورية الطرق؟

لهذا نتوقف هنا، للتساؤل عن النسوية كمنهجية للتفكيك والتحليل وقصور استخدامها حصراً لتكون المعيار الوحيد أو الأساسي لتفسير أي سلوكيات بين الرجل والمرأة، على الرغم من أهميتها والحاجة لها. هناك اختلافات بين سلوك النساء والرجال ولكن هناك أبعاد ثقافية علينا مراعاتها في تحليل يبتغي الفهم. ‏ومن هنا، فلعل مصطلح النسويّة التقاطعية ملائم للاستخدام وإن كان استخدام بشكل مغاير.

النسويّة التقاطعية، كمصطلح تم تقديمه من قبل النسويات السوداوات لتبيان اختلاف تجربتهن عن النساء البيضاوات، وبالتالي اختلاف الإحتياجات والظروف للنساء باختلاف واقعهن الثقافي، ليتم لاحقاً استخدام المصطلح من قبل نسويات العالم الثالث. ولكن أيمكن استخدام هذا المصطلح مع الرجال؟ أو بمعنى آخر، استخدام منطق التقاطعيه كتفسير ممكن للإختلاف بين الرجال والنساء، بحيث لا يتم حصر التفسير في مفاهيم “ذكورية” عند تفسير سلوك الرجال أو تقديم النسويّة كأداة لتخليص المجتمع من تلك المفاهيم.

ليصبح السؤال حينها: ‏هل كل ما نفعله يتأتي من أسباب جندرية؟ فإي سلوك يخرج من الرجل ولا يكون مُنصف للمرأة علينا أن نُعده سلوك ذكوري؟ وهل كل سلوك يصدر عن المرأة يُخالف فيه ماهو معتاد يُعد سلوك نسويّ؟ فان كانت النسويّة التقاطعية تنطلق من فكرة أن ليس كل النساء بيضاوات وأن هناك إعتبارات طبقية وتاريخية ووو..علينا وضعها في الإعتبار، فكذلك الرجال ليسوا جميعهم بالمقابل “رجال بيض” بالمعنى الرمزي للمصطلح، أي أن ليس كل سلوك يصدر عن الرجل علينا قرأته كسلوك ذكوري يجب مجابهته بخطاب نسويّ. فماذا عن الإعتبارات الأخرى المؤثرة كالتعليم والتجربة الشخصية والوضع الثقافي ووو.. بما “تتقاطع” مع “الذكورة”؟

هذا الطرح لا يهدف إلى الدفاع عن الرجل، ولكن أن لا تُظلم النسويّة في جعلها أداة وحيدة للقياس، مما ينتج عن ذلك إما الحصول على قراءه خاطئة أو قاصرة بما لا يساهم بفهم دقيق. ولأجل هذا يكثر الحديث حول أن النسويّة ماهي إلا خطاب متطرف. خطاب يهدف إلى شحن أسلحته لتوجيهها للرجل، ليصبح الرجل “ضحية” لهذا الخطاب أو عدواً له، وكلاهما موقفان يدفعان الرجل ليكون في موقف المهاجم، إما المهاجم ضد الخطاب النسويّ لتطرفه أو المهاجم ضد الخطاب “الذكوري” أو المتجاهل لكل هذا، لإرباك المسألة بالنسبة له. وجميع هذه المواقف قد لا تمنح مجالاً لإستبصار عميق بطبيعة الاختلافات بين الجنسين المتشكله من التراكم الثقافي والتاريخي لهذا. ففي المحصلة، النسوية ماهي إلا إطاراً مفاهيمياً يمنحنا منظاراً جديداً لقراءة الواقع الذي نعيش فيه والعلاقات داخل المجتمع، لكنها ليست الاطار المعرفي الأوحد. النسوية ماهي إلا منهجية للقراءه لكنها ليست صالحة لكل زمان ومكان، والإعتراف بمحدوديتها يسهم بقراءه موضوعية وتطوير أفضل لها.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on April 16, 2019 19:57
No comments have been added yet.