ثلاثية النضال

 


 


 


[image error]


-1-


أوجه للنضال


كتب أحدهم: “الشخص الوحيد الذي أحترمه في هذا البلد، موجود في السجن.” عبارة كهذه كيف يمكن قراءتها؟ أهي إيمان بفكرة البطل المنقذ؟ أم يأس من واقع لا يتغير كما نريد؟ أم هي رؤية أحادية لمفهوم البطل؟ أم هي تقدير ينبع من احترام للسجن ذاته، ليصبح فعل دخول السجن والاعتراض الصارخ على الواقع بطولة ومطلب بحد ذاته، بغض النظر عن مدى امتلاك المعترض لرؤية أكثر فعالية لتحسين شروط الحياة؟ أليس في هذا التقدير – وبقراءة فرويدية – فعلاً نكوصيًا يشابه فرح الطفل باكتشافه للذة قول كلمة “لا” بغض النظر عن عواقبها؟ سؤال أخير حول تلك العبارة: هل تكشف العبارة عن احترام للشخص المذكور، أم للسجن كتجربة حياتية تستحق التقدير؟ أي أهي في حقيقتها احترام للسجن (المناقض للحياة)، أو بعبارة أخرى هي احترام للموت؟


يُقدَّم المناضل باعتباره شخصًا نبيلاً تجاوز أنانية البحث عن متعه الشخصية، ليكرس حياته لتحقيق الأفضل للآخرين. قد لا نختلف حول هذه النقطة، ولكن ما الذي يُدرج تحت بند “يكرس حياته لتحقيق الأفضل للآخرين”؟ هل الفعل السياسي أو الحقوقي المباشر هو المجال الوحيد لذلك؟ وهل الخروج للمظاهرات وحمل اللافتات هي السبيل الوحيد لاختبار نبل الشخص؟ ألا يمكن أن يكون للنضال أطيافًا متعددة، وأيضا لكل مرحلة زمنية شكلها النضالي الأكثر فعالية بما يتوافق مع خصائص كل مجتمع ثقافيًا وتاريخيًا؟ فمثلا، لطالما تساءلت عن مدى جدوى مسيرات الاحتجاج في الشوارع في مجتمعات “الصحن الواحد” كما تُطلق عليها “ليلى أبو لغد”، كمجتمع جماعي النزعة تغلب علية ثقافة الحشمة، بنفس مستوى نجاح مسيرات الاحتجاج في المجتمعات التي تغلب عليها النزعة الفردانية؟


في كتابه “الحياة كسياسة”، يستقرئ “آصف بيات” طبيعة التغيرات السياسة والاجتماعية في الشرق الأوسط، حيث يطرح قراءة مثيرة للتساؤلات حول مفهومي: السياسة والنضال، والتغيير بما يتناسب مع المعطيات الثقافية والتاريخية والاجتماعية لكل مجتمع. فوفقا لأطروحة “بيات”، فإن من يقود التغيير الاجتماعي/السياسي في الغرب هي “الحركات الاجتماعية”، بينما “اللاحركات الاجتماعية” هي الأقدر على إحداث التغيير في الشرق الأوسط، حيث أن لكل منهما خصائصها التي تتناسب مع طبيعة المجتمع. طرح كهذا يفتح الرؤية لفضاءات أوسع لمفهوم النضال. وأعترف حين قرأت – لأول مرة – أطروحة “بيات” هذه، قلت: نعم لعل هذا ما نحتاجه. فهذه الفكرة تطرح تساؤلات عملية على شاكلة: إن كان عيش الحياة – وفقا لبيات – سياسة، فكيف نجعل هذا العيش مُجديًا؟


وبمعنى آخر: كيف نقوم بالحراك أو النضال الفعّال؟ كيف نستطيع إحداث تغيير أفضل في مجتمعاتنا، بالتوفيق بين استلهام تجارب الآخرين وبذات الوقت بما يتماشى مع طبيعة المجتمع والعلاقات السلطوية والثقافة المجتمعية لدينا؟ لماذا لم تنجح بعض المطالب التي رفعها عدد من الناشطين أو من يقدمون أنفسهم كمناضلين، فيما تحققت مطالب آخرين؟ ما هي اشتراطات نجاح أي حملة تطالب بتغيير ما؟ فمثلا، قد نجد بعض المطالب التي يمكن تصنيفها باعتبارها “مطالب اجتماعية”، وبالتالي لا تشكل تحديًا مباشرًا للسلطة السياسية، وبذات الوقت تحظى بدرجة معقولة من القبول الاجتماعي، كما أنها لا تخالف قوانين رسمية واضحة، ومع هذا لم تتحقق هذه المطالب.


هل يكمن نجاح المطالب بخصائص لا ترتبط مباشرة بالمطلب، بقدر ما ترتبط بتوقيتها وطريقتها ورموزها من القائمين عليها؟ وكيف يتم تصنيف هؤلاء الرموز؟ فمثلا، ألم تتم محاولة تهميش إحدى المطالب الاجتماعية مرة لأن القائمات عليها خريجات جامعات غربية، وبالتالي غربيات الهوى، ومرة أخرى باعتبارهن منتميات لطبقة اجتماعية عليا لا تمثل معاناة أغلبية نساء المجتمع؟ لن نحاول اختبار صحة هذه الأقاويل ومحاولة دحضها، فهي آراء قد نسمعها حتى عند أناس بسطاء وغير مؤدلجين، مما يثير التساؤل حول دلالة ذلك؟ فمثلا، في مجتمع “جماعة الصحن الواحد”، وفي ثقافة ترى في صوت المرأة عورة، قد يصبح لخروج المرأة بصوت احتجاجي عال ردة فعل مرتابة أو حتى رافضة، وعندها يتحول الانتباه، لا إلى المطلب وعدالته – وربما حتى بساطته – بل إلى صوت المطالب باعتباره صوتًا غريبًا يريد أن ينقلنا معه لعالم لا نعرفه، ليبدأ الحذر والتشكيك.


ومن هنا، يصبح من الأهمية تقديم قراءات تحليلية لكيفية تعاطي الذهنية الشعبية مع مطالب التغيير، خاصة المطالب ذات الطابع المباشر في محاولة إحداث تغيرات ما، ليقودنا هذا للسؤال: ما هو الحل في حالة كهذه؟ من المؤكد أنه لا يوجد حل واحد وحيد لأي مشكلة مهما صغرت، وبالتالي فلا حلول تطرح هنا بقدر ما هو نقاش حول مفهوم التغيير الاجتماعي، وهل التغيير لا يحدث إلا بشكل دراماتيكي ومباشر وعبر مناضلين صارخين بحدية؟ وهل للمناضل الصارخ قداسة ما، بحيث يتحتم علينا تبجيله دوما والنظر إلى فعله باعتباره فعلاً نبيلاً؟ للإنجليز – على ما أعتقد – مقولة معبرة: “لا تثق بغاضب يريد تغيير العالم هدما”. مقولة كهذه تحرض على تحليل نفسي يقرأ المناضل الحدي باعتباره شخصًا غاضبًا تتملكه نزعة عدوانية يعبر عنها برغبة سادية لهدم السائد. ولكن لن نذهب كثيرا مع هذا القول، فلعل هذا أحد أوجه بعض المناضلين، ولا نستطيع أن نجزم أنها حقيقة النضال والمناضل ذاته.


لأن هذا المقال يتداخل فيه الشخصي مع العام فخاتمة شخصية لن تضر. في لقاء جمعني مع إحدى الشخصيات العربية المناضلة والتي تحظى باحترام عظيم، تفاجأت وقتها أنه وعلى الرغم من إقامتها في الغرب لسنوات عديدة، إلا أنها لم يسبق لها حضور معرض فني أو موسيقي أو حتى إحدى احتفالات المدينة ذات الطابع الثقافي أو العمل الخيري، وكل ما تفعله في نهاية الأسبوع هو الجلوس في البيت وحيدة للقراءة أو النضال عبر الانترنت! أتذكر أنني تساءلت وقتها: المناضل يطالب بتغيير الواقع، فما هو التغيير وشكل الحياة التي يتصورها؟ أي ما هو التصور الذي يحمله هذا المناضل لشكل المدينة وطبيعة الحياة فيها، وعليه يريد مساعدتي بهدم مدينتي لأجل مدينته المفترضة؟ إن كان للحياة طريقين: أحدهما تقوده هذه الشخصية التي أحترمها جدًا، والآخر يقوده فنان على طريقة زوربا، فأيهما سأختار؟ طريقًا يحدد صاحبه بشكل دقيق معالمه، ويصارع بحدية لتحقيق ذلك، أم طريقًا لا يهتم صاحبه بمعرفة الطريق ولكنه يتأمله ليعيش لذة فنية خاصة تمنحها حقيقة وجوده وتواجده في هذا الطريق؟ أيهما أقرب لروح النضال هنا؟ أليس النضال في عمقه هو استغراق بالعيش وشغف بالحياة؟ أفلا يكون عيش جمالية الحياة بكل تفاصيلها نضالاً آخرًا أكثر أصالة من النضال الحدي الذي قد يفقدنا صراخ أحدهم القدرة على عيش وتأمل لذة الحياة ذاتها؟ ولأنها خاتمة ذات طابع شخصي فالخيار هنا شخصي، أي أنه لا أفضلية مطلقة وثابتة لطريقة نضال على طريقة أخرى، بل إن جوهر نجاح النضال هو في تداخل طرق متعددة تبحث عن حياة وفضاء أفضل، لتصبح إدارة النضال بما يتناسب مع العصر والمجتمع وثقافته هي محك تقدير النضال لا شكله.


 


  -2-


المدرسات وعالم حواء….ونضال “الزحف الهادي



في معرض قراءة “آصف بيات” للتغيير السياسي فإنه يطرح فكرة أن التغيير الاجتماعي والسياسي ومساراته وآلياته تختلف باختلاف طبيعة المجتمع وذهنية أفراده. فوفقا لآصف، التغيير في منطقة الشرق الأوسط إمكانية حدوثه أقرب من خلال الحركات اللا اجتماعية والتي تشير إلى “النشاطات الجماعية لناشطين غير مجتمعين: يمثلون مشاركة أعداد كبيرة من الناس العاديين، وأنشطتهم مجزأة لكنها متشابهة، وتؤدي إلى تغير اجتماعي بدرجة كبيرة على الرغم من أن تلك الممارسات نادرًا ما يتم توجيهها من قبل أيديولوجيا أو قيادات ومنظمات معروفة.”


هذا الحراك يطلق عليه آصف مسمى “الزحف الهادئ” باعتباره شكلاً من أشكال التغيير السياسي والاجتماعي الصامت يقوم به أناس عاديون خلال كفاحهم اليومي الهادئ عبر خلق وتخيل حياة جديدة لأنفسهم بوقائع مختلفة، “وليس من خلال قنوات المؤسسات الرسمية – والمستبعدين منها إلى حد كبير – ولكن من خلال النشاط المباشر في مناطق الاستبعاد نفسها.” أي أن ممارسة الحياة اليومية من قبل أناس عاديين يؤدي – وعبر الزمن – لتقديمهم واقعًا جديدًا يتم شرعنته بقيم تتناسب والإيقاع اليومي الجديد، وتبتعد قليلا عن القيم والمعايير السائدة، وهذا هو جوهر التغيير الاجتماعي والسياسي. وهنا نطرح السؤال: هل الزحف الهادئ شكل من أشكال النضال؟ وأين نجد هذا النمط من المناضلين بيننا؟


لنأخذ مثالاً شريحة المدرسات لدينا. هن نساء يخترقن تمثيلا كافة طبقات المجتمع، فبشكل عام ينتمين لكافة طبقاته، ويعملن بوظيفة تقترب من المفهوم التقليدي لطبيعة المرأة كما يراها المجتمع التقليدي، وهو العمل مع الصغار. بالإضافة إلى هذا، تعمل المُدرسة في مجال لا اختلاط فيه، وتلتزم بلباس محتشم سواء داخل بناء المدرسة، أو عند الخروج من أسوار المدرسة، وبدوام عمل يسمح لها بالعودة مبكرًا للبيت “لتجهيز الطعام لرب المنزل” قبل عودته من العمل. كل هذه المعطيات والتصورات عن طبيعة عمل المُدرسة جعل للمهنة قبولا اجتماعيا عاليا، فالمُدرسة يُنظر لها بأنها تتماهى مع ثقافة المجتمع أكثر من موظفة البنك أو الطبيبة مثلاً. ولعل في هذا بعض التفسير لحقيقة أنه حين يقمن عدد من المدرسات برفع مطالب – وأحيانا بطرق لم يعتدها المجتمع – كالتظاهر والتجمعات، نجد قبولا وتسامحا معهن يصل حد تحقيق مطالبهن، لدرجة أن أحدهم – ومن باب السخرية – صرّح بأنه أصبح لدينا “لوبي المدرسات”. ولكن هنا يُطرح تساؤل يتعلق بمفهوم النضال ذاته: هل المدرسات مناضلات؟ وما هو التغيير الذي تدفع به المدرسات أو يقدمنه للمجتمع خارج مطالب تحسين وضعهن المهني؟ هل في العمل كمُدرسة نضال ما؟ وبالتالي هل للمدرسات قدرة على إحداث تغيير في المجتمع؟


مع كثافة الطلب على العمل كمُدرسة لجاذبية المهنة من جهة، ومن جهة أخرى لقلة الخيارات الأخرى، تم قبول عدد كبير من المدرسات للعمل في قرى ومدن بعيدة، وأصبحت ظاهرة اغتراب المدرسات العازبات للعمل في أماكن بعيدة عن ذويهن مقبولة، حتى أنه لم يحدث اعتراض اجتماعي بحجم هذا التغيير الحادث المتمثل في أن تُقيم امرأة شابة في شقة، وحيدة بمدينة تبعد مئات الكيلومترات عن بيت أهلها، لا لتشكل أسرة جديدة – وهو أمرٌ مقبول في مجتمع ذكوري – ولكن للحصول على وظيفة ودخل اقتصادي مستقل. أليس في هذا تغييرًا في بنية الأسرة التقليدية؟ فلم يعد من المحتم على الفتاة ألا تخرج من بيت أهلها إلا لبيت زوجها، بل أصبحت تخرج من بيت أهلها لوظيفة تجعلها تمكث وحيدة وغريبة في مكان تخف فيه سلطة ورقابة الأهل. أليس في هذا تغييرًا صامتًا وهادئًا يحدث داخل بيوتنا، ويكشف عن تغيير خفي في النظر لطبيعة دور المرأة ومفهوم الأسرة؟ وحتى من لم تنتقل من المدرسات للسكن في مكان ناء، وفضلت استخدام التنقل اليومي لتقطع بعضهن يوميا أربع ساعات ذهابا ومثلها عودة، ألا يشكل هذا التنقل تحديًا يوميا للمرأة تكتشف فيه صلابتها وقوة تحملها، وبالتالي إعادة التفكير في التصور التقليدي عن ضعف المرأة؟ ألا تمنح هذه التجربة تصورًا جديدًا للدور، وبالتالي لبنية القيم التقليدية؟ إنه تصور جديد يتشكل في الوعي، مما يجعل عملية تشكله تأخذ مدىً زمنيًا طويلاً نسبيا لكنه عميق. وأيضا، وجود هذا العدد الكبير من المدرسات بمدخولهن الشهري، ألا يشكل قوة اقتصادية تفرض تغييرًا داخل الأسرة وتغييرًا في العلاقة مع الرجل، وإن كان تغييرًا صامتا وناعمًا، أو كما يطلق عليه آصف بيات “الزحف الهادئ”؟


لعل مثالاً آخر يوضح الفكرة من زاوية أخرى، وليكن هذا المثال من عالم النت. هل يمكن أن نعد موقع عالم حواء إحدى أدوات التغيير/النضال في المجتمع؟ في موقع عالم حواء نجد نساء يستعرضن ويبدعن طرقا لطبخ جديد وتقديم موائد بشكل مبهج ومختلف، وكذلك نساء تقدم مشورات للاعتناء بالجسد أو الصحة، وكذلك لتطوير العلاقة مع الرجل إما بنصائح تتعلق بأسلوب التعامل، أو بأدوات تثري العلاقة الحميمية ببن الزوجين كالملابس المثيرة والألعاب الجنسية التي تكسر الطريقة المحافظة في العلاقة الجنسية بين الزوجين. ألا يشكل هذا تغييرا في إدارة العلاقة، وكذلك احتفاءً بالجسد وبتفاصيل اليوم من طعام ولباس وديكور؟ في مجتمع يشتكي أفراده من غياب الترفيه، ألا تشكل الأفكار المطروحة في الموقع ابتهاجا وحالة من الفرح اليومي البسيط؟ أليس في الموقع نموذج للاحتفاء بالبسيط وتفاصيل الأشياء؟ لماذا نحتفي حين نقرأ لأحد الروائيين أو الشعراء حديثه عن تفاصيل الأشياء وعيش اللحظة، وفي المقابل نحتقر هذه التفاصيل ونتعالى عليها حين تمارسها ربات البيوت؟ أيضا، أتذكر ومن تجربة شخصية، طلبي عبر الموقع ذاته وصفة لطبخة معينة، ولأنني عضو جديدة، لم أجد أي تجاوب. لذا لجأت للحيلة، فبعد يومين أعدت نفس الطلب ولكن وضعت عنوانا له: “الحقوني بنات… أنا عروسة جديدة وحماتي القشرا* بتتعشى عندي لأول مرة.” هنا حصلت على أكثر من ٢٠ طريقة لإعداد ذات الوصفة التي سألت عنها سابقًا! هذه التجربة تجعلني أتساءل من منظور سيكيولوجي عن قيمة الموقع، كموقع يقدم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا غير مباشر تمارسه النساء مع بعضهن البعض لمواجهة ضغوط الزوج والأبناء والعائلة. أي أنه يقدم علاجًا نفسيًا جماعيًا لنساء حُكم عليهن البقاء في منازل مغلقة، يفتقدن رفاهية التحرك في مدينة ترى في خروجهن ارتيابًا ما. أليس في هذا تشكيلا لجماعات دعم “مدنية” وإن كانت خلف أسوار النت؟


يرى “بيات” أن التحدي الحقيقي يكمن في فن الحضور، والذي يتمثل بـ “الشجاعة والإبداع لتأكيد الإرادة الجماعية على الرغم من كل الصعاب للتحايل على القيود، وذلك باستخدام ما هو متاح واكتشاف مساحات جديدة يمكن من خلالها الإنصات ورؤية وشعور وإدراك النفس.” فإن كان التحدي الحقيقي هو فن الحضور، فإن هذا لا يجعلنا فقط نعيد تعريفنا لمفهوم المناضل ليشمل آخرين لم ننتبه لهم سابقا – فقط لأن صوتهم ليس عاليًا – بل يمنحنا تفاؤلا بمستقبل نرى فيه أن للتغيير أشكالاً عديدة، وليس علينا انتظار “البطل” ليصنعه لنا، فنحن المبتسمون في وجه هذه الصعاب قد نكون أبطالاً قادرين.


*القشرا: باللهجة السعودية تعني المرأة المتسلطه



-3-.


 النموذج” كشكل للنضال



في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولنا مفهوم النضال باعتباره مظلة تندرج تحتها أطيافًا متعددة للنضال. وفي الجزء الثاني تناولنا شكلاً للنضال يُمارس بشكل غير مخطط وغير مقصود وذلك من خلال العيش وفق منطق “فن الحضور” كما أسماه آصف بيات. في هذا الجزء الأخير، سنتناول شكلاً آخرًا للنضال تتم ممارسته بوعي وتخطيط مسبق، ولكنه يختلف عن التصور التقليدي للنضال.


بداية، حتى لا نُتهم بالرومنسية – إن اعتبرنا الرومانسية تهمة – فالابتسام في وجه الحياة كشكل للنضال لا يعني استسلاما وقبولا سلبيا، بقدر ما هو نضال يومي يرتكز على توجيه الطاقة لتفاصيل اليوم لجعله يومًا أفضل للذات وللمحيطين. كما أن الحديث عن طريق آخر للنضال لا يُقصد به التوجه إلى الفن كخيار بديل باعتبار الفن وحده هو الحل كشكل من النضال الخلاق. فشخصية بإجرام وقسوة هتلر كانت مستهلكة ومنتجة للفن! الإشكالية التي نقع فيها دوما هي في تقديم حلول أحادية الجانب، فمرة نرى التغيير الذي نطمح إليه سيأتي عبر دعوات للنضال تحمل اللافتات بمطالب سياسية محددة، ومرة عبر المطالبة بتدريس الفلسفة، ومرة أخرى بتكريس الفنون والموسيقى في حياتنا. جميعها نحتاجها وستضفي شكلا لحياتنا وتغييرا، ولكن نحتاجها ضمن منظومة تحوي كل هذا وأكثر، وهذا موضوع لمقال آخر، فسنكتفي هنا بهذا، لنعود لتناول مفهومًا وشكلًا آخرًا للنضال يغيب جزئيا عن واقعنا.


إن ما نفتقده في واقعنا هو وجود نماذج تشكل من خلال نمط عيشها وممارستها اليومية سواء في العمل أو في علاقتها الإنسانية نموذجا يجعل لإمكانية تحقيق شيء ما وسط كل هذه الرداءة أمرًا ممكنًا. نعم نحتاج “فسحة أمل” بتعبير زياد الرحباني، فلو تأملنا الشخوص الذين نلتقي بهم في حياتنا اليومية، نجد أنه يمكن تصنيفهم إلى أربعة نماذج متمايزة، قد توجد نماذج أخرى، ولكن التناول هنا للأبرز منها:

1- نموذج يعيش في قوقعة تفاصيل العيش ولا يكترث للشأن العام.

2- نموذج يعي رداءة الواقع، ولكنه مصاب باليأس، فيمارس العيش بسلبية أو بسخرية مريرة.

3- نموذج يجد نفسه في هذا الواقع، فيحاول الانتفاع انتهازًا منه بأقصى ما يستطيع.

4- نموذج واع للواقع ويحاول تغييره قسرا وبحدية، فينتهي مسجونا داخلا أو خارجا كلاجئ.

إن تأملنا هذه النماذج، نجدها نماذج لا تفتح بابا للأمل. فإما هروب أو إنكار ساخر أو عيش يضيّع المرء فيه بوصلته القيمية أو انتحار بطيء. ما يحتاجه واقعنا وجود نماذج لأفراد يعيشون وفق منطق أخلاقي واضح وصلب، ويحققون مع هذا نجاحا مقبولا وسعادة ممكنة. إنها نماذج لبث روح الأمل لمجتمعات تعيش أزمات داخلية وخارجية على مدى قرون، أزمات نخرت في روح أهلها لتتشكل طبقات وطبقات من التراكمات النفسية، ليصبح التغيير السياسي المباشر ليس حلا كافيا لها. ليس من المطلوب أن تصرخ هذه النماذج بمطالب محددة، أو أن تمتلك مشروعا لتغيير سياسي ما، لكنها بعيشها ونمط عيشها فقط تزيل هالة اليأس المحيطة، وتكسر قاعدة “ليس بالإمكان أفضل مما كان”. وليصبح طرحنا أكثر وضوحًا، فإن مثالا قد يساعد. فمثلا كنساء، نعاني التهميش ومحاولات الإقصاء الواعية وغير الواعية عن المجال العام، والتي تؤدي إلى خلق واقع غير متوازن وضياع لحقوق النساء، فيصبح النضال ليس مقتصرا فقط على الخروج للشارع للمطالبة بتلك الحقوق، ولكن خلق واقع يصبح فيه تواجد المرأة في الفضاء العام أكثر قبولاً.


بعبارة أخرى، تقوم أغلب دعاوى إقصاء المرأة، على فكرة الخوف من فتنة المرأة وما قد تسببه تلك الفتنة من إرباكات وفوضى اجتماعية وأخلاقية، أي أن المبرر – وبمصطلح نفسي – هو “قلق عصابي” من مجهول يُتوقع منه السوء. فلعل العلاج هنا عبر الاشتغال على هذا القلق بمبضع السيكولوجي الذي يُعرّض المريض لمصدر القلق وسط بيئة آمنة، ليختبر المريض خوفه بشكل جديد لا يشعر فيه بنفس مستوى القلق والتوتر الذي تخيله، حتى يصل لمرحلة التخلص من القلق العصبي وتقبل الواقع الجديد.


فإن كان الخوف من المرأة هو خوف من فتنتها وغوايتها، فلتظهر النساء على الملأ دون تحدّ أو حركات احتجاج جماعية، ولنر إن كانت الفوضى الأخلاقية التي يُخشى منها ستحدث أم لا. فمثلاً، كون أكبر فضاء عام في السعودية الآن هو وسائل التواصل الاجتماعي، فإن تواجد النساء باسمائهن الصريحة وبصورهن التي تمت محاولة طمسها طويلاً، قد يكون طريقة لإثبات وجود محاولات تغييب مازالت موجودة. أن تضع إحداهن صورتها، ولتكن صورتها فاتنة – وهو ما يُصعد من درجة القلق – وفوق هذا أن تُعبر المرأة عن ذاتها فكرًا ومشاعر وجسدًا، فإنها بهذا لامست منبع القلق من المرأة، ولكن أن تفعل المرأة ذلك وبذات الوقت تمتلك أُطرها القيمية الصارمة من احترام الذات والآخر وجسدها، فإنها تطرح نموذجا جديدا لم يكن مطروحا كنموذج نسوي. ويصبح حضور المرأة بفتنتها (منبع القلق العصابي)، نموذجًا جديدًا يمكن تقديمه للمجتمع وبشكل ناعم عن إمكانية فتح فضاءات للمرأة دون خوف متوهم ومُضخم من انهيار أخلاقي ومجتمعي.


مثال آخر مهني هذي المرة، أحد أساتذة الجامعة يُعدّ نابغة في مجاله، وله عدد من الكتب والمقالات والتراجم في مجال تخصصه، له رأي يقول فيه: على أستاذ الجامعة أن ينظر للعمل في الجامعة كمصدر رزق فقط للحصول على راتب آخر الشهر، مع تركيز الجهد على الأبحاث وتأليف الكتب. ولكن لو تأملنا الأثر للمنتج النهائي لعطاء هذا البروفيسور الجامعي: تأليف كتب فكرية نخبوية متميزة يطلع عليها العشرات لتُلامس وتؤثر على عدد يقارب عدد أصابع يده. في المقابل، في الفصل الدراسي الواحد يُدرس الأستاذ ما يُقارب ٣٠٠ طالب جامعي. فأيهما أجدى بالاشتغال عليه؟ وحين نقول اشتغالاً، لا نطالب الأستاذ بمحاولة لتنوير وتثوير الطلاب واختلاق حالة وعي ثقافي، أو الدخول معهم في نقاش سياسي، أو تحريض على قراءة كتب فلسفية متعمقة. لا، فمن حق الطالب أن يعيش تجربته الخاصة كما يريد، ودورنا ليس في تشكيل عقولهم أو ذواتهم دون إرادتهم، بل أن نكون نموذجًا، والطالب عندها يقرر أي نموذج يريد أن يكون، وبذا – نسعى بكل حسن نية وبصدق – لأن نكون نموذجًا جميلاً في حياة الطالب.


أن يختبر طالب الجامعة أستاذا متمكنا علميًا من مادته، يشرح المادة بإخلاص وبصدق، ويحترم الطلبة بحيث يعاملهم بندية، وأيضًا يلتزم بمتطلبات مهنته من حضور في الموعد، وتواجد مستمر بالجامعة، ومساعدة الطلاب على المستوى الإنساني والعلمي، وفوق هذا صرامة أخلاقية ومهنية في التعامل مع الطلاب عند التجاوز في حالات الغش أو التلاعب، هنا يُقدم الأستاذ ذاته كنموذج للشخص المنتج الذي يعمل بإخلاص وقيم واضحة. هذا النموذج هو ما ينقصنا. ألا نسمع – وبشكل متكرر – العبارة التبريرية: “كلهم يغشون، كلهم يكذبون…”؟ وجود شخص يخلق هذا الاستثناء – وينجح صامدًا في ذلك – يفكك هذا التبرير ويضعفه. ليس مطلوبًا من أستاذ الجامعة أن يقف ليخطب أمام طلبته عن مفهوم الأخلاق عند نيتشه، أو فلسفة الجمال عند كانط، أو مفهوم الإرادة عند شوبنهاور، بل أن يكون هو النموذج لذلك كله. ولأن هذه عملية ليست سهلة، فلعلها النضال الأصعب ولكنه الأهم حاليا.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 08, 2016 10:39
No comments have been added yet.