انجيل الأدب ... كل شيء على ما يرام
كتاب "صلاة تشرنوبل" لسفيتلانا أليكسييفيتش هو لسان حال هؤلاء،صرخة الضحايا والمكلومين، ليس في وجه السلطة في روسيا فحسب، إنما صرخة في وجه العالم بأكمله. من ينظر لكتاب "صلاة تشرنوبل” على أنه مجرد حديث عن حادث أعتقد أنه مخطيء، الكتاب يتجاوز الحادث وتفاصيله إلى أبعاد أخرى أكثر عمقا ومأساوية. نعلم جميعا أن سفيتلانا جمعت شهادات على مدار فترة ربما تجاوزت الأعوام العشرين، شهادات أنطلقت فيها ألسنة بشر عاديين يتذكرون ويحكون، ليس حكيا بغرض التوثيق، أو سرد أحداث تاريخية جافة، إنما فيضا من مشاعر تنساب لتشكل صورا متعددة الأوجه للحظات انسانية خاصة، تفاصيل كثيرة شكل الواقع مادتها، بأصوات شديدة التنوع، تأرجحت بين الجماعية والفردية، فرأينا الكورس ورأينا كذلك المونولوج. وقد جذبني موضوع الكتاب نظرا لأنه شديد الانسانية، ذو أبعاد فلسفية، فكرية، سياسية، وربما ثيولوجية أيضاً. الأمر ليس له علاقة بكون صاحبة الكتاب حاصلة على جائزة نوبل للآداب، لكن المطلع على الكتاب يستمتع بقراءته، لحكايات داخل الزمن وخارجه، حيث يرى الانسان نفسه في كل حكاية منها، تنتقل به بين حالات شديدة التباين، فمن دمعة حزن، إلى ابتسامة أمل، أو ضحكة تملأ الفضاء اليائس، لحظات تأمل عميق، فراق، حب، خيانة. كتاب "صلاة تشرنوبل" لوحة تشكيلية من حكايات الانسان الصغير في عالم واسع يقرر فيه بعض الأشخاص مصير البشرية، وفي النهاية يدفع هو الثمن وحده وينجو الفاعل الحقيقي، إنها حكايات الوحوش التي يخترعها الانسان نفسه، حتى المدينة الفاضلة بدت كأنها هي الأخرى وحش من هذه الوحوش. وقد أكدت سفيتلانا هذا المعنى بقولها: أنا مهتمة ببسطاء الناس، البسطاء العظماء، تلك طريقتي، فبالمعاناة يتمدد البشر. وأضافت: في كتبي، يحكي هؤلاء البشر تواريخهم الصغيرة، فيتشكل التاريخ الكبير في الطريق، ولم تتح لنا الفرصة لفهم ما جرى ويجري لنا، نحتاج فقط أن نحكيه، ولنبدأ، علينا على أقل تقدير أن نوضح ما جرى، نخاف هذا، لا يمكننا الانسجام مع الماضي.
مجلة عالم الكتاب، نوفمبر 2016
مجلة عالم الكتاب، نوفمبر 2016
Published on December 04, 2016 14:42
No comments have been added yet.


