الحبيبة الغائبة

copyrighted-photo-kids-at-bookstoreفي سعيها نحو الحداثة، اجتاحت معظم المدن العربية خلال العشرين سنة الماضية، ظاهرة “المولات”، أو مراكز التسوق التجارية الكبيرة المغلقة، حيث تتزاحم مواطىء الأقدام لكثرة وتنوع المتاجر فيها، بالإضافة إلى المطاعم والمقاهي، وأحيانا مسارح السينما، ولكنها وفي معظم مدننا العربية تغيب فيها “المكتبة العامة”.


ولكن ما حاجتنا اليوم إلى مكتبات عامة في هذا العصر المتخم بالحداثة والتطور التكنولوجي المتسارع ووصول الإنترنت إلى كثير من البيوت؟


فمع زخم المعلومات المتوفرة على الإنترنت وسهولة الوصول إليها، قد يرى كثيرون أن كل من تصله الإنترنت، لديه أيضا مكتبة عامة بطريقة أو بأخرى يستسقي منها معلوماته، وينهل منها كثيرا من العلوم، بسرعة وسهولة ويسر.  ولا يخفى على أحد، أن طالب اليوم يعتمد على الإنترنت بشكل كبير ويستسهل استخدامها، والبحث فيها والنقل منها، ليس فقط في كتابة البحوث، وإنما أيضا في تيسير عملية التعلّم وفهم كثير من المواضيع التي قد تستعصي عليه في محاضرة أو كتاب. وبناء عليه، قد يزعم البعض إن الإنترنت أفقدت المكتبة العامة الكثير من قيمتها المجتمعية. وتفنيد هذا الزعم بسيط جدا، لأن ما قد يغفل عنه هؤلاء أن الإنترنت وعبر محركات البحث المختلفة كجوجل وغيرها، تزخر أيضا بمواد تفتقر إلى الصحة والمصداقية العلمية والأكاديمية. ومن واجبات المكتبة العامة تزويد وتوفير مصادر معلوماتية موثقة معتمدة، أكانت بوعاء ورقي أو إلكتروني أو غيره. كما أنه في وطننا العربي الكبيرما زال هناك الكثير من البيوت والأفراد بلا إنترنت وبلا حواسيب وبلا مكتبات وبلا أساسيات كثيرة أخرى.


والحقيقة أن المكتبة العامة، قبل كل شيء، هي مركز لخدمة المجتمع أولا، ثم تلبية احتياجاته المعلوتاتية ثانيا. وكما قال المكتبي الأميريكي الراحل جون دانا في تشبيه رومانسي: دور المكتبات العامة هو السعي نحو سعادة المجتمعات التي تخدمها أولا، والتعليم ثانيا.


في إحدى الدول الإسكندنافية التي بهرت العالم بتفوق تجربتها التعليمية، أشار تقرير  أعدّه مجلس التعليم في فنلندا (عام 2012)، أن العامل الأول والأهم الذي ساهم في تفوق طلاب فنلندا عالميا على الرغم من الوتيرة الهادئة في الدراسة، وساعات الدراسة الأقل، والجدول الدراسي المريح الذي يتمتع به الطالب الفنلندي هو: لا.. ليس كفاءة المعلمين،  ولا تجهيزات الغرفة الصفية، ولا الرواتب المرتفعة للمدرس أوالاحترام الاجتماعي العالي له. إن السبب الأول الذي خلص إليه التقرير هو: “أن فنلندا تمتلك إحدى أفضل نظم المكتبات في العالم، وأن المكتبة هي أحبّ الأماكن لدى قلوب الأطفال وآبائهم.”


في دول كثيرة، تطورت خدمات المكتبات العامة لتعكس المتطلبات والمتغيرات في المجتمعات التي تخدمها. ففي لندن مثلا، أعيد تعريف المكتبات العامة لتواكب متطلبات الحداثة ليصبح اسمها “متاجر الأفكار”، وأصبحت هذه الأماكن، ليست مجرد مزود تقليدي للكتب والمصادر والمعلومات فحسب، وإنما أيضا مكان يجتمع فيه الناس لاحتساء القهوة وتبادل الأفكار، وتتوفر فيه صفوف تعليمية مجانية للكبار لدعم مسارهم المهني أو للترفيه عنهم. وهناك بعض النماذج النادرة في عالمنا العربي على مفهوم “متاجر الأفكار” اللندني هذا، ولكن ماذا عن جل ّ مكتباتنا العامة؟ هل هي الحبيبة كما هو الحال عند الفنلنديين، أم الغائبة النائمة؟ أخشى أننا جميعا لن نختلف على الجواب!


 


 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 06, 2016 10:41
No comments have been added yet.