سيف يبحث عن عمل: قيم العمل ومهاراته واتجاهاته

الدكتور ذوقان عبيدات
نشرت في جريدة الغد 1 حزيران 2016
تحدثت في المقالة الماضية عن التعلم المباشر، والتعليم غير المباشر في المناهج الحديثة، وعن التعليم المباشر دون تعلم يذكر في مناهج مدارس وزارة التربية، وتم عقد مقارنة بين دور الأسرة في المنهجين، ودور الأب وسلطوية الأب في مناهج الوزارة، ودور الأسرة التي تجتمع وتتشاور قبل إصدار القرار. ونتحدث في هذه المقالة عن موضوع العمل وبناء الاتجاهات نحو العمل في كل من المنهجين:
المنهج الأول، يمثله كتاب التربية الوطنية والمدنية بجزأيه الأول والثاني، الصادرين مطلع العام 2015، وهما ضمن سلسلة الكتب الجديدة التي تقول الوزارة إنها متطورة.
والمنهج الثاني، تمثله قصة “سيف يبحث عن عمل”، من إعداد الكاتبة فلورا مجدلاوي، ضمن سلسلة “هند وسيف”، المخصصة لأطفال المدرسة الأساسية، والصادر العام 2013، أي قبل منهج وزارة التربية الجديد.
وتتناول المقارنة عرض موضوع العمل ومبرراته وأهميته والقدرة على بناء اتجاهات إيجابية نحو العمل.
1. وردت في الجزء الأول من كتاب التربية الوطنية أربعة سطور تحت عنوان حق العمل، مركزاً على: حض الإسلام على العمل وربط الإيمان بالعمل.
كما ورد في النص أن العمل وسيلة لتحقيق غايات العبادة والعيش الكريم لتحقيق الخلافة في الأرض، فالعمل ليس عبادة فحسب, إنما وسيلة لتحقيق غايات العبادة والاستخلاف في الأرض.
أما الجزء الثاني من الكتاب، فقد قدّم درساً من أربع صفحات عن العمل، مكررا ان الإسلام يحض على السعي وكسب الحلال، وقد رفع الإسلام من شأن العمل، وجعله بمنزلة العبادة (ص28).
كما كرر ان للعمل قيمة يجب أن يحترمها الإنسان لاتصالها بمبدأ ديني يتعلق بعمارة الأرض والاستخلاف فيها. ثم أضاف أيضاً: “وقد عني الإسلام بأخلاقيات العمل وقيمته”.
إذن، تكررت نفس الأفكار في الجزأين، دون أي اضافة، والملفت أن العمل موضوع ديني، عبادي، وأن العمل يأتي استجابة لنداء إلهي، ويحقق غايات العبادة. كما أن من الملفت ان الكتاب ذكّر بأخلاقيات العمل دون أن يذكر ما هذه الأخلاقيات؟
ومن الإنصاف القول:
– ذكر الكتاب سطراً عن دخول المرأة إلى سوق العمل، مما ساهم في تحسين أوضاع الأسرة (ص29).
– العمل مهم في حياة الإنسان، حيث تظهر قدراته ومهاراته والحفاظ على كرامته (ص29).
ويمكن ملاحظة واستنتاج ما يأتي:
– العمل فريضة دينية. – عمل المرأة مشروع. – غياب أي حديث عن العمل والشباب، والعمل التطوعي، والعمل الاجتماعي، وأنواع العمل، وقيم العمل، والجودة والاتقان والعمل الفردي والجماعي، والتعاون، وساعات العمل وأهميته للفرد حتى لو كان مكتفيا ماديا، وتقسيم العمل والعمل الحر اليدوي والبحث عن العمل. – غياب مهارات العمل مثل: الإعداد والتدريب والتأهيل وعمل الفريق، والعمل الفكري والإبداعي، وتخطيط العمل وتقويمه.
– غياب أي اهتمام ببناء اتجاهات نحو العمل اليدوي، والعمل الوظيفي المكتبي، وإثبات الذات من خلال العمل، ومحاربة “ثقافة العيب”، وتشجيع العمل المهني، والعمل المستقبلي، علما بأن الطالب في هذا الصف بحاجة الى ثقافة مهنية واسعة لأنه سيواجه مشكلة الاختيار المهني، بعد سنة حيث يتوزع الطلاب الى المسارات المهنية المختلفة.
2. وفي المقابل، ماذا قدمت مناهجنا للعمل؟.
لقد تحدثت قصة سيف يبحث عن عمل، عن طالب يبدو من شكله أنه في عمر الحادية عشرة، واجه مشكلة قضاء العطلة الصيفية والحصول على ألعاب إلكترونية –وهي لغة العصر والحداثة – وأنه قرر العمل لزيادة دخله، وعدم الاعتماد على المصروف المقدّم من أهله، لينجح في النهاية في حلّ المشكلتين: المالية والفراغ من خلال العمل.
وقدمت القصة\ الكتاب، والذي أسميته بمناهجنا، عددا من القيم والمهارات والاتجاهات نحو العمل، وفي ما يأتي تفصيل لمناهجنا:
أولا: في مجال القيم: ركز الكتاب على القيم الآتية:
إشباع الرغبات، إشباع الحاجات، العمل طريق إشباع حاجات، الصداقة، التعاون، العلاقات الأسرية التشاورية، الجيران واحترامهم، الربط بين العمل وحل المشكلة، مشكلات الدّيْن وسداد الدَّيْن، قيمة التجارة، الجمال والأناقة، الإعلام، قيمة الدعاية، الجودة.. وتكاد ترى قيمة في كل سطر، فالكتاب القصة قاموس قيم!!
ثانيا: في مجال المهارات: ركز الكتاب على المهارات الآتية:
– التفكير والتأمل. – البحث عن عمل. – مهارات التواصل مع الرفاق. -العمل الإضافي (ص45). – الموازنة بين العمل والراحة (ص 58). – البحث عن العمل الذي يناسب الشخصية. -مهارة مناقشة الأهل (ص27 ). -مناقشة التعامل مع شروط الأهل (ص27). – مهارات استثمار الخبرة السابقة (ص45). – مهارة التعلم مع الأخطاء (ص52 ).
-الهوايات (ص45).
ثالثا: الاتجاهات: ركزت القصة “الكتاب” على الاتجاهات الآتية:
-التمييز بين الرغبات والحاجات، فالحاجات مسؤولية الأهل، أما الرغبات فنحن مسؤولون عن تنظيمها واشباعها (ص13).
-ربط الادخار بالحاجات والرغبات، وليس بتكوين الثروات (ص10).
– رفض الدين والاستقراض من الآخرين لإشباع الرغبات (ص14).
– التمثل بسلوك النملة: المثابرة والإدخار والخزن (ص18).
– مساعدة الأهل في أعمال منزلية مأجورة، كغسل السيارات (ص25).
– استشارة الأهل ومناقشتهم حول مكان العمل (ص28).
– أناقة ونظافة مكان العمل (ص32).
– ربط الإعلام والإنتشار بالجودة (ص59).
– التوجه نحو العمل المهني (منتشرة عبر الكتاب).
– عدم التأثر بثقافة العيب (منتشرة عبر الكتاب).
-الاستقلال وعدم الاعتماد على الأهل.
– الإنفاق على مستوى الدخل.
-ربط الدخل بالجد والاجتهاد.
-ممارسة الهوايات الفردية.
-الرغبة في العمل (ص24).
-تأجيل إشباع الرغبات.
-الإخلاص في العمل.
-الموازنة بين متعة العمل وتعبه.
-الوقوف في وجه تزايد الرغبات ص63.
-حب قراءة القصص.
هذه بعض أمثلة من القيم والمهارات والاتجاهات. وهي هنا موجهة نحو بناء الذات أو بناء الشخصية، فالشخصية المنشودة في هذه القصة هي:
– شخصية مستقلة تحافظ على كرامتها.
– شخصية جريئة تبحث عن عمل دون النظر إلى مستوى العمل.
– شخصية تدير وقتها بنجاح وتستغل أوقات العطلة.
– شخصية تسعى لإشباع الحاجات أولاً وعدم اللهاث وراء الرغبات.
– شخصية لا تهتم بثقافة العيب.
– شخصية تستطلع سوق العمل وتخطط للمستقبل.
وهذه كلها من أهداف قانون التربية والتعليم، تمكنت المؤلفة من تحقيقها تلقائيا، ودون جهد، لانها نقلتها إلى الأطفال بإخلاص وضمير، فقانون التربية والتعليم رقم 3 لعام 94، حدد أهدافا التزمت بها المؤلفة والقصة –الكتاب- لكن لم تلتزم بها وزارة التربية ولا مؤلفوها.
في الشخصية التي سعت لها وزارة التربية في كتاب التربية الوطنية المدنية الجديد –المتطور– للصف التاسع! سأتحدث هنا دون أحكام مسبقة!
إن من ينظر إلى كيفية تقديم الوزارة لموضوع العمل أو أية موضوعات أخرى، يرى أنها تسير وفق النهج الآتي:
تكلف أناسا –غير مختصين- وغير تربويين في الإشراف على تأليف الكتب، وفي تأليفها، فيقدمون معلومات متناثرة ومشتتة، لا ترتبط برؤيا ولا رسالة ولا هدف، فيقدمون معلومة قد تكون صحيحة، ولكنها قد تدمّر اتجاهات تربوية. وهؤلاء المؤلفون لا يزودون أبدا بفلسفة التربية، ولا بأهدافها ولا بأهداف مراحلها ولا يزودون بما قدمته الكتب للصفوف السابقة، أو ما ستقدمه للصفوف اللاحقة، وبذلك تكون منتجاتهم عشوائية، وهذه أدلتي:
1- تقدم الوزارة كتبها وموضوعاتها دون ربطها بحاجات الطالب، ودون أن تشعره بعلاقته بالموضوع.
أولا: ففي كتاب الصف التاسع الجزء الأول، بدأ موضوع العمل بما يأتي “العمل هو الطريق الأساس لسد الحاجات. وهو وسيلة لتحقيق غايات العبادة والعيش الكريم”.(ص16). إذن العمل وسيلة للعبادة. وحض الإسلام على العمل، وربطه في معظم الآيات القرانية (ص16).
ثانياً: في الجزء الثاني من كتاب التربية الوطنية بدأ درس العمل بما يأتي: العمل من عناصر الإنتاج (ولم يقل ما هذه العناصر)، يهدف إلى إشباع حاجات الفرد والمجتمع من السلع، يقول تعالى: “وقل اعملوا …” (ص28).
ثالثاً: العمل حق للمواطنين جميعا (الدستور الأردني).
رابعا: اهمية العمل: للعمل قيمة يجب احترامها لاتصالها بمبدأ ديني يتعلق بالاستخلاف، “وهو الذي جعلكم خلائف …” (ص28).
وقد عني الإسلام بأخلاقيات العمل وقيمته (لم يذكر أية قيمة أو أخلاقيات).
ثم تحدث عن أهمية العمل للفرد حيث تظهر القدرات والمهارات (ص29)، وأهميته للمجتمع في توفير السلع والخدمات والأمن المجتمعي (ص29).
وقد سبق أن أوضحت انفا، غياب القيم والمهارات والاتجاهات، ولكن أركز هنا على نوع الشخصية المطلوبة التي يسعى لها الكتاب والمؤلفون:
– شخصية ترى أن العمل من عناصر الإنتاج دون معرفة هذه العناصر.
– شخصية ترى أن العمل متصل بمبدأ ديني، وهو الاستخلاف في الأرض، ولا أناقش هذه الشخصية أبداً، لكن تثور أسئلة؟
-ماذا عن تخطيط العمل؟ وما مهارات البحث عن العمل؟
– ماذا عن الحاجة إلى العمل؟ والعمل التطوعي؟
– ماذا عن إدارة الوقت؟
– ماذا عن ثقافة العيب؟
وكلها بالمناسبة أهداف وردت في قانون التربية والتعليم.


