!حتّى وصلنا إلى هاتف عمومي

public phone


كتبت: فلورا مجدلاوي


عندما فكرت أن أبدأ بكتابة سلسلة للناشئة، قالت لي إحدى صديقاتي المكتبيات القديرات: إذا أردتِ أن تكتبي سلسلة فعليكِ أن تطلقي على الأقل ستة عناوين مرة واحدة. وإلا ستكون انطلاقة ضعيفة، لأن القارئ إذا أحب عنوانا منها، سيأتي  متلهفا للعنوان الذي يليه، ثم الذي يليه، ولن يطيق الانتظار حتى تكتبي وتطبعي وتنشري من جديد


كنت مقتنعة بكلامها تماما. فمن أهم ذكريات طفولتي، تهافتي أنا وأبناء جيلي على ألغاز محمود سالم “المغامرون الخمسة”. أعتقد أنني قرأتها جميعها، وبعضها أكثر من مرة. كنا ما إن ننهي عنوانا، حتى نبدأ بآخر، وهكذا. قدمت لنا هذه السلسلة الكثير من المتعة والإثارة والفائدة، وحفرت ذكريات جميلة في نفوسنا.  وبالفعل كنا نقبل عليها بتهافت ولهفة وشوق. لا نكتفي بقراءتها وتبادلها، بل كانت في كثير من الأحيان محور أحاديث طفولتنا، وعالمنا الخيالي. ومن شدة تعلقنا بها كنّا نمثلها، لا بل ذهبنا إلى أبعد من ذلك، وهو تقليد شخصياتها ومماهاة بيئتها وأحداثها. واللافت في هذه السلسلة أنها كانت معروفة محبوبة أينما سافرنا في الوطن العربي في ذلك الحين، وكأنها عبر شخصياتها وأحداثها وحدّت الكثير   أطفال العرب في اهتماماتهم بعيدا عن الإقليم والدولة.                                                                             ه


قبل سنوات، وعندما كان ابني البكر ما زال في بدايات المرحلة المتوسطة، كنت أبحث عما يمكن أن يجذبه للقراءة من تلقاء نفسه، ولنقل إن القراءة لم تكن هوايته المفضلة. وأنا بالطبع أدرك أن أولادنا خلقوا لزمان غير زماننا، وليس من المنطق أن نفكر بإيقاف عجلة الزمن، ولا أن نلقي اللوم على الحاسوب، أو الإنترنت،  أوالألعاب الالكترونية. ومع أنه كان يفضل كل هذه المغريات الحديثة المثيرة على الكتاب، إلا أنه بقليل من الإقناع، كان مستعدا للجلوس بجانبي للاستماع كي أقرأ له قصة. وفي يوم من الأيام، أرسلت لشراء هذه الألغاز ظنا مني، وبكل سذاجة، أنها ستجذبه وتشده كما شدتني في صغري. وكانت البداية موفقة بالفعل، وكان منصتا صاغيا، ففرحت من صميم قلبي،  وبنيت قصورا في الهواء لأنني ظننت أني أخيرا وُفقت في سعيي لتحبيبه في هذه القصص بعناوينها الكثيرة الكثيرة، والتي ستبقيه يقرأ ويقرأ. فشخصياتها من عمره، وهي مليئة بالإثارة والمغامرة التي يحبها من هم في جيله. ولكن ما إن وصلنا إلى مشهد “تختخ” يقف عند هاتف عمومي يحاول إجراء اتصال هاتفي، أبدى ولدي تبرمه وقال: ” لكن لا يوجد  الآن هاتف عمومي، لم لا يستخدم الهاتف الخلوي؟”


!أدركت عندها ما فاتني وما قد يبحث عنه كثيرون في عمر ولدي.. المعاصرة


بحكم عملي، أعي أن السلاسل الأصيلة باللغة العربية (غير المترجمة) شحيحة جدا لجميع الفئات العمرية. نعم، هناك ازدهار ملحوظ في إنتاج الكتب المصورة لمن هم دون سن التاسعة، وإن كان الطفل العربي لا يزال يحتاج إلى كم أكبر وتنوع أكثر في المواضيع والأجناس والإخراج الفني. وهناك أدب الكبار لمن هم فوق 14 سنة. لكن الإنتاج الإصيل للناشئة  بين عمر 9 و 14 ما زال أرضا بورا،  والسلاسل تحديدا تكاد تكون معدومة. أضف إلى ذلك أن ثقافة الطفل بشكل عام، وأدب الأطفال بشكل خاص قطاع مهمش لم يأخذ حقه في بلادنا في أولويات التخطيط الاستراتيجي، وتخصيص الميزانيات، والتشجيع المعنوي اللائق.  وبالتأكيد هناك حاجة ماسة وطارئة لتغطية هذه الفجوة في الإنتاج لتلبية حاجات الناشئة العرب، بأذواقهم المختلفة، واهتماماتهم المتنوعة، وقدراتهم المتمايزة.  لذا، فإن أي مبادرة تنطلق من الأفراد أو القطاع الخاص، في هذا المجال هي جهد محمود، مطلوب، مبارك. وعندما أطلقت سلسلة “هند وسيف” للناشئة بستة عناوين قبل سنتين (لتصبح عشرة اليوم)، قال لي البعض أنني صببت بعض الماء على أرض جافة قاحلة، فاهتزت قليلا. وللحديث تتمة!                                                                                                        ا


 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 05, 2015 22:39
No comments have been added yet.