ياسر عبد اللطيف في الإقامة والترحال: فوق الشهادة بقليل، تحت الأدب بقليل حوار: نائل الطوخي

من الصعوبة بمكان محاولة تصنيف عمل ياسر عبد اللطيف. هو الكاتب الذي يكتب الرواية والقصة والشعر، يكتب المقالة والشهادة، بدون الشعور بمزاج مختلف بين كل هذه الأنواع. دوما ما يكون الموضوع متجانساً، نوع واحد من الماء يسري بين نصوصه. مؤخراً فاز عبد اللطيف بجائزة "كبار الكتاب" في فرع القصة القصيرة عن كتابه "يونس في أحشاء الحوت"، وتلاه كتابه "في الإقامة والترحال"، الذي جاء عنوانه الفرعي "قصص وحكايات". كان لأخبار الأدب هذا الحوار معه.
لم يكن سهلاً الالتقاء بياسر أثناء وجوده في القاهرة. ظروف محددة حالت دون هذا. تم الاتفاق إذن على اللقاء على الفضاء الإلكتروني فور وصوله إلى كندا. في الموعد المحدد ثار سؤال إن كان الحوار سيتم كلاماً، عن طريق السكايب، أو كتابة عن طريق الفيسبوك. اختار هو الفيسبوك لأنه أفضل في التعبير عن نفسه بالكتتابة أكثر من الكلام. هذا يلقي الضوء على شخصيته، هو الخجول الذي لا يتحدث إلا قليلاً ومع الأصدقاء الأكثر حميمية. "الخجول" ليست كلمة مناسبة. ربما الأصح "الذي يبدو خجولا"، من الوهلة الأولى ولدى القراءة الأولى.
كتابه الأخير "في الإقامة والترحال"، والصادر عن دار الكتب خان، يجمع حكايات شخصية ومقالات وشهادات يسري هي أيضاً بينها نفس الماء. نصوص الكتاب كانت تُكتب بشكل أسبوعي للنشر الصحفي، وكل أسبوع كان يقرر طريقاً ما في السرد. سواء عن طريق التخييل أو باستدعاء ذكريات من الماضي القريب أو البعيد، وكل هذا مشروط بمساحة لا تتجاوز الـ800 كلمة. هناك قصتان متخيلتان بالكامل في هذا الكتاب، قصة "احتراق الملف الأصلي"، وقصة "قطار أرياف"، أما في سائر النصوص، فبحسب تعبير ياسر، فالخيال يكمل فيها فجوات الحكي.
هل هذه هي وظيفة الخيال في نصوص ياسر المعتمدة على الذاكرة، إكمال فجوات الحكي؟ يبدو أن للموضوع بعداً جمالياً آخر. في قصة من مجموعة "يونس في أحشاء الحوت"، يلتقي ياسر بوسيطة روحانية، تخبره بأشياء مذهلة عن أهله، هذا ما حدث في الواقع كما يقول. قالت له إن عمه في المستشفى الآن يقوم بعملية وأنه سوف يقوم منها، وقد كان. ولكن القصة تنتهي بأن تطلب منه الوسيطة زيارتها في لندن وتطلب منه دفع مقابل مالي لقاء استكمال الجلسة. تقول "انا بكسب عيشي في لندن كدا يا حبيبي". هكذا تنتهي القصة، أما ما حدث في الحقيقة، فهو أن أخت الوسيطة هي من أفهمت ياسر إنه لو طلب جلسة حقيقية فسوف يضطر لدفع المال.
لماذا غير هذه النهاية إذن؟
يجيب بسخرية: "تفتكر انهي تصلح قفلة أحسن؟!"
ثم يستطرد: "المعيار جمالي بالأساس. إذا كنت تكتب شهادة فأنت ملتزم أخلاقياً بالإبقاء على الحقيقة كما حدثت، ولكن في كل الأحوال يمكنني التعديل من أجل ضبط نبرة الحكي. أعتبر نفسي كاتب أدب بالأساس، حتى لو كان النص شهادة من الذاكرة. مثل نص "فيلسوف في المقابر"، والذي يحكي قصة شخص قرآني يعيش في المقابر، ونشر ضمن الكتاب الأخير". يعمل ياسر عبد اللطيف دائماً على مزيج خاص من الذاكرة والتخييل. يحدده بإنه 60 أو 70 في المائة من الذاكرة والباقي تخييل.
نص الذبذبات الرقيقة
شغل ياسر لفترة طويلة الفارق بين الصيغة الرقمية والصيغة العادية للملفات، منذ أيام عمله في الفيديو. وصل لقناعة إن الإم بي ثري هو وسيط حقير. في الكتاب الأخير يحكي قصة موسيقاه المفضلة التي يضطر لحملها معه كلما سافر إحدى سفراته الطويلة. مع الثورة الرقمية، تمكن من الاحتفاظ بـ16 جيجا بايت من موسيقاه المفضلة على جهازه المحمول، وذلك حتى أخبره أحد أصدقاءه أن نقل الأغنية من شريط الكاسيت إلى الصيغة الرقمية يضيع آلاف الذبذبات الرقيقة التي من دونها تفقد الموسيقى عمقها الصوتي. الفارق لا يمكن ملاحظته عند الاستماع، ولكن، بحسب تعريف الصديق، فهو الآن يستمع إلى شبح الموسيقى وليس إلى الموسيقى نفسها، بما يعني أن أرشيفه ميت. هذه القصة تصلح مجازاً عن كتابة ياسر عبد اللطيف أيضاً، الكتابة التي تكتسب عمقها من آلاف الذبذبات الرقيقة التي لا يمكن تعريفها ولا "وضع اليد عليها". إذا مددنا المجاز على استقامته فيمكن لنا التفكير في أن جهاز الذاكرة الخاص بياسر هو جهاز التقاط شديد الحساسية، ما الذي يلتقطه هذا الجهاز ولا يلتقطه جهاز آخر؟ لا يمكن شرح هذا باستخدام تعريفات دقيقة.
طيب، لو كان ياسر يرى أن هناك فارقاً بين الشهادة والمقال، فلماذا وضع النوعين في كتاب واحد؟ يجيب بأن "هذه النصوص هي تجارب أدبية، وهذا هو المهم بالنسبة لي، تجارب في السرد، ولا يعنيني كثيراً مطابقة المحتوى للواقع التاريخي، حتى لو كان النص شكله أقرب للشهادة التاريخية. يمكنك أن تعتبرها تجارب تحت الأدب بقليل وفوق الشهادة بقليل".
وهل فكرت في حدود التعديل داخل الشهادة؟
"أنت تلجأ لكتابة الشهادة لأن هناك شيئاً قويا حدث في الواقع وتريد تسجيله، وهذا هو قلب فكرة الحكاية، يمكن بعدها اللعب في التفاصيل الفرعية إن لم تكن مثلي ملتزما بسرد الحقائق كما كانت".
ما بين الأنواع
في عام 95 نشر ياسر ديوانه "ناس وأحجار"، والذي نفد وتستعد دار الكتب خان لإعادة طبعه مجدداً، وفي عام 2002 نشر روايته "قانون الوراثة"، تلاها نشر ديوانه "جولة ليلية"، في 2009، ثم مجموعته القصصية "يونس في أحشاء الحوت"، هكذا بدأ بكتابة الشعر، ثم تخطاه سريعا إلى الرواية، ثم كتب قصصا قصيرة، وعاد إلى الشعر. في هذا مفارقة، فالتسعينيات قد تميزت بالفصل الصارم بين النوعين، الشعر والسرد، كان لكل نوع أدباؤه اللامعون. من البداية كان ياسر يكتب النوعين، لم يكن لديه ذلك الفصل الحاد. كان يكتب القصة من البداية ولكن مع بدايات قصيدة النثر وجد إنها ليست مختلفة تماما عما يكتبه فقرر تجربة نفسه فيها. يعتقد هو أن الفصل الحاد بين الجنسين لم يبدأ مع التسعينيات وإنما مع نجيب محفوظ. قبل محفوظ كان كتّاب مثل العقاد والمازني يكتبون أنواعا مختلفة من السيرة والسرد والشعر بحرية أكبر. ولكن ظهور الرواية بالنمط المحفوظي، وكون محفوظ كان ينشر رواية كل سنة، أدى إلى الفصل بين ما هو شعري وماهو سردي. لم يكن هناك تنظير ساعتها حول هذا الموضوع، وإنما تمت الأمور بشكل تلقائي. يستدرك ياسر قائلاً إنه ربما قرأ عن محاولة لرفع قيمة القص فوق قيمة الشعر، وعن محاولة لإضفاء قيمة أرفع على المقال، نظرا لأن القص والمقال كانا يعنيان أكثر بالنقد الاجتماعي وكشف تناقضات المجتمع. كتابات سيد قطب وأنور المعداوي كما يتذكرها كانت معنية مثلا بهذه الناحية.
طيب، تقول أنه لم يكن لديك ذلك التمييز الدقيق بين السرد والشعر، إذن متى تكتب السرد ومتى تكتب الشعر؟
الموضوع هو ما يملي شكله، ولكن بالنسبة لي فكتابة السرد أسهل كثيراً، وبين فراغات السرد تتولد القصائد عندي. هذا يحدث في وقت الكتابة الطويل وليس الوقت الفعلي، أي في الوقت الذي يستغرقه الكتاب منذ التفكير فيه وحتى تنفيذه. ربما يكون الفارق الأساسي بين السرد والشعر يكمن في وظيفة اللغة. اللغة في السرد لها وظيفة محددة وهي أن تسرد، أما في الشعر فتكون اللغة محملة بطاقات وحدوس وعلاقات أخرى مختلفة عن علاقة السببية. هذا لا ينفي وجود العوامل الأخيرة في السرد، ولكنها لا تحدث بنفس الكثافة لدى كتابة القصيدة.
وعندما قلت أنه لم يكن عندك فارق بين الشعر والسرد، هل كنت تقصد أن لديك هاتين الحساسيتين ناحية اللغة؟
أعتقد. وشكل قصيدة النثر بالتحديد كما تطورت في التسعينيات لم تكن بعيدة تماما عن فن السرد. كانت قصيدة حكائية بالأساس.
المفارق هو الانسجام بين جميع ما يكتبه ياسر. ربما لأنه في جميع الفنون التي يمارسها، يبدو ميالاً لقيمة الرهافة في مقابل قيمة الإدهاش. حتى حكاياته العجيبة يحكيها وكانها شيء عابر. هذا يجعل من كتابته شيئا قابل للإعجاب من المرة الثانية، هي ليست الكتابة الصاخبة التي تدهشك للوهلة الأولى، وإنما الكتابة ذات المزاج الرائق والحساس، والجاهز لالتقاط آلاف الذبذبات الصوتية التي لا يمكن التعبير عنها بالكلام. يوافقني على هذا ويخبرني إن كثيراً من قراء "يونس في أحشاء الحوت"، قد أحبوا المجموعة من القراءة الثانية وليس الأولى.

تكريس الكاتب
في الأسابيع الماضية حدثت ثلاثة أشياء، فاز ياسر عبد اللطيف بجائزة ساويرس لفرع كبار الكتاب، ووأعد موقع "كتابة" ملفاً كاملا عنه، كما صدر له كتابه الأخير. السؤال هنا. هل يشعر بأنه أصبح كاتباً مكرساً، وما الذي يعنيه التكريس بالنسبة له؟
في البداية يقول إن الجائزة كان لها فضل تسليط الضوء على مجموعة "يونس في أحشاء الحوت"، التي يرى أنها ظُلمت نسبياً وقت صدورها.
"لا أعتقد إن ساويرس تكرس للكتاب بالمعنى السلبي. ولكن الثابت هو أنني لم أصبح كاتباً شاباً، لأن هناك جيلان أدبيان جاءا من بعد جيلي. في نفس الوقت أعتقد أن فكرة التكريس كما تعنيها قد ارتبطت دائما بعلاقة الكاتب بالمؤسسة الثقافية الرسمية، وليس لها علاقة بكتابة الكاتب نفسه. مثلا ثروت أباظة ظل لعقود هو الوجه المعبر عن الأدب على الرغم من أنه لم تكن له علاقة فعلية بالواقع الأدبي. ولكن التزامن بين الجائزة وملف كتابة كان مخيفاً لي بعض الشيء. خاصة أن الملف كان يتم إعداده من قبل ظهور نتيجة الجائزة بوقت طويل. حتى أهرب من هذا الارتباك كنت أقول لنفسي "الفقي لما يسعد". ربما أكون من النوع الذي يرتبك عندما يكون في بؤرة الضوء. يضاف لذلك بالطبع أن فكرة التكريس فكرة مربكة بالنسبة لنوع من الكتابة تربى في الهامش.
في نفس الوقت فالكتابة مهنة مرتبطة بالضوء. لماذا ينشر الكاتب ما كتبه إن كان يخاف من الضوء؟
الخوف هنا ليس من الضوء بالتحديد وإنما أن تكون كثافة حضور الكاتب نوعا من الإلحاح السخيف على القراء، خاصة أن الكاتب يجرب أثر هذا الحضور الملح لدى القراء بالنظر إلى كتّاب آخرين. هذا الإلحاح يترك أثراً سخيفاً على الملتقين. ليس فقط أن المتلقين يملون الكاتب ولكن يتحول الموضوع إلى نوع من عدم التعاطي الجاد مع المنتج. بالطبع ليست لدي مشكلة مع اتساع رقعة القراء. ولكنني قد أرتبك لو كان عليّ حضور ندوتين ولقاء تليفزيوني وحوار صحفي. الكاتب وفقا للكليشيه المعتاد هو كائن في الظل، حتى لو أصبح قراؤه بالآلاف. لأن الكاتب ببساطة غير مضطر للتواجد الإعلامي المكثف، على النقيض مثلا من الممثل أو لاعب الكرة.
3 likes ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 22, 2014 22:19
No comments have been added yet.