وكأني زرتُ هذه المدينة مِرارا

بينما أُدرِّسُ اللغة العربية لسيدة أجنبية في الخمسين ـ وإن كانت تبدو أصغر من ذلك بكثير ـ سرحتُ مع ذراعها الأبيض الطويل وارتكزت عيناي على شامةٍ صغيرةٍ سمراء بتلك الصفحة الناصعة المشربة بالحمرة.. استغرقني النظر إلى الشامة فرأيت صفحة الذراع طريقاً والشامة هي رأسي تسير فوق ذلك الطريق، وأنا أشرف من مكان علوي على المشهد البعيد وكأن بيني وبين نفسي غيوم.. أراقب نفسي من علٍ بإحساس بالشفقة عليها، بتعال ميتافيزيقي.. ووصلت في نهاية الطريق بلدةً صغيرةً، خُيِّل إليّ أنني زرتها قبل ذلك مراراً. بيوت البلدة صغيرة، لا تعلو أسوارها طول قامة الإنسان، تنبثق من داخلها أشجارٌ ترمي ظلالها على الشوارع الرملية الضيقة التي تتخلل البيوت. كل البيوت بيضاء، أبوابها وشبابيكها مطلية بألوان وقورة.
كأنني في إجازة طويلة؛ طالت حتى صارت قانوناً، وبدت وكأنه لا نهاية لها. وكنت لا أحمل لذلك هماً. أعيش في تلك البيوت الوادعة مع قوم كما لو كانوا أعماماً أو أخوال. يدخلون عليّ بالطعام والشراب، ولا يخلو الأمر أحيانا من قليل من النبيذ. يبتسمون في وجهي، ونتبادل حوارات خفيفة حول الطقس ومدى جودة الطعام و عدد ساعات النوم طالت أم قصرت. وكنت أجد نفسي متنقلاً من بيت إلى آخر متى عنّ لي ذلك، وبي زهد في أن أستفسر عن أي شيء.. لا زلت أتذكرهم: ذلك السمين الضاحك، والسيدة العجوز ذات الشعر الرمادي، والتي فكرت بيني وبين نفسي أنها ربما تكون مسيحية. وتلك الفتاة، صديقتي، لساعات طويلة كانت تجلس معي بالغرفة التي أعدّوها لي في بيتهم لتشتكي لي من عدم استطاعتها الزواج من الشاب الذي تحبه. وكانت تلامسني طالبة الحنان، ولم أكن لأبخل بتلك المشاعر، مع زيادات من عندي لا تخرجني عن طوري كمجرد مستمع للشكوى. فكرت أن هذا المكان لم يكن الجنة إذ تعجز هذه الفتاة عن الزواج من حبيبها.
وفي صباح أحد الأيام التي لا تنتهي استيقظت نشيطاً في منزل السيدة ذات الشعر الرمادي، وتناولت إفطاراً شهياً من بيض مقلي وخبز وعسل نحل مع كوب من القهوة الثقيلة بالحليب، وقررت أن أخرج لأزور القصر. كنت قد عثرت عليه مصادفةً في أولى جولاتي بالبلدة، إذ كنت أسير في شارع شبه رئيسي متسع، البيوت على جانبيه أكبر قليلا من البيوت الأخرى التي ألفتها بأرجاء المدينة مع احتفاظها بالطابع نفسه للأسوار والحدائق، وبينما كنت أتأمل تلك الفوارق انحرفت في أحد الشوارع الجانبية الصغيرة، ثم انحرفت مرة أخرى في شارع مواز للشارع المتسع الذي كنت أسير فيه، فإذا بي مباشرة أمام القصر. لم يكن قصراً بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن عندما تذكر القصور، أي قباب وردهات ذات عقود وأقواس، لكنه كان مجرد فيللا كبيرة نوعاً ما على طراز أوروبي غير معين. كان الشارع خالياً إلا من ذلك القصر، جانباه محفوفان بأسوار لحدائق مغلقة لاشخصية لها من كثرة ما بتلك المدينة من الحدائق، وغير القصر لم يكن هناك أي أثر لبيت آخر. وبدا الشارع كما لو كان شارعا خلفياً للشارع الرئيسي الذي كنت أسير فيه قبلها بلحظات. وقفت أتأمل القصر من على الرصيف المقابل. كان ساكناً مغلق الشرفات والنوافذ. وسوى تغريدة لبلبل أو شقشقة عصفورين يتشاكسان على أغصانه الوارفة لا تسمع أي صوت يصدر من داخله، ومع ذلك لم يكن يبدو مهجوراً، وقدرت أن سكانه كباقي أهل البلدة هادئون إلى تلك الدرجة التي لم نعهدها في القاهرة. ولما كان متاحاً لي أن أزور كل البيوت دون حرج فقد قررت أن أؤجل زيارة القصر إلى وقت لاحق، ومضيت مواصلاً جولتي يدفعني الفضول لاكتشاف المدينة.. ولأرجعن ذات يوم إلى ذلك القصر وأزور سكانه وربما قضيت بينهم بعض أيامي هنا. وها أنا في هذا الصباح الرائق أقرر زيارة القصر واكتشاف أي نوع من الناس يسكنونه.
خرجت بعد تناول إفطاري وتبادل الأحاديث الصباحية المعتادة مع السيدة ذات الشعر الرمادي. بعد مسيرة ما يقرب من عشرين دقيقة وصلت إلى المنطقة التي كنت قد وجدت بها القصر، وأخذت أبحث عن الانعطافة التي ولجت منها إلى ذلك الشارع الخلفي الذي يقع به، لكني لم استطع تحديدها. وفي كل مرة كنت انعطف من الشارع الرئيسي كانت الشوارع الفرعية تقودني إلى شارع رئيسي آخر مواز، ولم استطع أبداً العثور على ذلك الشارع الخلفي الذي يقع به القصر.. قدرت أنه يقع قطعاً بين الشارعين الرئيسيين . وبعد وقت طويل استطعت أن أرى السقف القرميدي الأحمر للقصر يلوح مرتفعاً خلف بعض البيوت، وهكذا فكرت أني استطعت أخيراً الوصول، ولكني أيضاً لم استطع العثور على الانعطافة التي تقودني إليه. وهكذا أخذت أجرب كل الشوارع الفرعية التي تصل ما بين الشارعين الكبيرين ولكن دون جدوى. كان القصر يفر من يدي كلما ظننت أني اقتربت من الوصول إليه. تذكرت الحكمة القديمة: أن من يسأل لا يتوه، فسرت باحثاً في الشارع الرئيسي عن أي شخص أسأله عن كيفية الوصول إلى القصر، في مكان يبدو البحث فيه عن شخص يسير بالطريق كالبحث عن الحقيقة. وفي النهاية وجدت بناصية أحد الشوارع الفرعية كشكاً يبيع الجرائد. وللمرة الأولى أصادف ذلك الاختراع الورقي الذي يدونون فيه التاريخ اليومي والمنفلت بصدقه وكذبه في تلك المدينة. سألت صاحب الكشك عن الطريق إلى القصر، لم يرد على سؤالي و قال لي أنهم للتو حرموه من عشرة قروش من دخله اليومي هي مكسبه في ثمن جريدة واحدة.. فقلت له كيف هذا.. فأجابني بأن أحدهم قد جاء إليه بيدين ملطختين بالدماء يطلب جريدةً ليغطي بها جثة رجل قتلته سيارة مسرعة، ولم ينتظر الرجل جوابه وجذب جريدة ومشى. قلت له ما هذه القسوة اتغضب من أجل عشرة قروش سيغطى بها رجل مات، وتغطية الجثث لها ضرورة دينية وأخلاقية وفوق ذلك هي رحمة للمارة من أن تتأذى أعينهم من رؤية الأشلاء.. فقال لي أن قوت أولاده فوق تلك الاعتبارات وأغلق باب الحوار نهائياً.. وبدا أنه لن يجيب أبداً عن سؤالي عن القصر.. طفا حينئذ إلى سطح اهتمامي شأن الجرائد التي يبيعها.. ما نوعها، وأسماؤها وعناوينها الرئيسية.. سحبت جريدةً لأطالع عناوانيها فإذا بي لا أستطيع القراءة وإن كنت أميز حروف العربية.. كانت الكتابة غائمة كما لو كان بعيني بعض الزيغ، فقربت الصحيفة من عيني فإذا بالكتابة تزداد انطماساً كما لو كنت انظر إليها من خلال الماء.. لم أكد أواصل محاولاتي للقراءة حتى جذب مني البائع الجريدة بعنف وردها إلى مكانها على طاولة البيع، وللمفاجأة صار الكلام واضحاً، واستطعت أن أميز بعض المفردات، إلا إن نظرات البائع وسلوكه الفظ كانا يرغمانني على مغادرة المكان، فلم تكن تبدو عليَّ أي نية للشراء.. وفوق ذلك لم أكن من الأصل أحمل نقوداً.



(جزء من رواية تحت الإنشاء)
6 likes ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 16, 2014 18:49
No comments have been added yet.