المتحرشة

لم تستيقظ...لأنها لم تنم!...لم يكن هناك مجالا للنوم و لا لأي شئ آخر سوي التفكير في خطتها!...كلما أغمضت عينيها رأت أمامها المشهد الذي اعتزمت تنفيذه غدا و كل مرة بتفاصيل مختلفة عن المرات الماضية فتفتح عينيها و تمد يدها داخل حقيبتها الموضوعة بجانب فراشها لتتأكد من وجود الاسطوانة المعدنية الصغيرة بغطاؤها الأحمر البلاستيكي فتبتسم في تردد قبل أن تغمض عينيها مرة أخري...عندما أشرقت الشمس نهضت من فراشها و قد امتلأت حماسا طغي علي خوفها و دفعها الي ارتداء ملابسها بسرعة...ملابس مشابهة لما كانت ترتديه البارحة كما عقصت شعرها بنفس الطريقة...تأملت نفسها في المرآة محاولة ايجاد هذا الشئ الملفت أو المثير في شكلها!...مطت شفتيها في ضيق و حنق...لا مجال لتلك الأفكار الآن ولا تحتاج لمزيد من الأسباب لاقناع نفسها بما تعتزم فعله...لقد قررت و انتهي الأمر!...استقلت سيارة أجرة حتي تصل مسرعة فلا يكون هناك متسعا من الوقت لتعيد التفكير أو تسمح للخوف و التراجع بملاعبتها!...انزوت خلف أحد الجدران ترقب موقع حادثة البارحة بعيني صقر يستعد للانقضاض علي فريسته...لم يتغير شئ!...كأن كل ما حدث البارحة لم يكن!...الحافلات الصغيرة تدخل و تخرج من أماكن وقوفها بنفس الفوضي المعتادة و قد انتشر حولها الركاب المنتظرين أو الباحثين عن غاية ما و السائقين الذين تركوا سياراتهم ليستريحوا قليلا أو ليتناولوا طعام الافطار أو كوبا من الشاي...اتسعت ابتسامتها عندما لمحته واقفا بجانب حافلته الصغيرة و قد ارتدي نفس ملابس البارحة!...كأن الله قد رتب كل شئ ليعيد ما حدث البارحة كما كان و لكن تلك المرة في صالحها هي!...تأكدت من وجود جنود الشرطة في مكانهم بالقرب منه و من وجود هذا الجندي الذي تتذكر اسمه جيدا منذ البارحة!...تعلم أنها ستتلقي ضربا شديدا و اهانة ربما أكثر مما تلقت البارحة عندما كانت تدافع عن نفسها لكنها تأمل في نجاح خطتها فيصل هؤلاء الجنود اليها مسرعين و يخلصونها و يذهبون جميعا الي قسم الشرطة كما حدث البارحة قبل أن تؤذي ايذاءا شديدا!...توكلت علي الله و اقتربت منه في خطوات سريعة و يدها المختبئة داخل حقيبتها تقبض بشدة علي الاسطوانة المعدنية بينما التصقت سبابتها بالبخاخ البلاستيكي المثبت أعلاها!...عندما أصبحت خلفه مباشرة نظرت نحو الجنود صائحة:
- يا عبد المجيد....
... كان الجنود يحاولون تخليصها من أيدي السائقين الذين التفوا بسرعة حولها و حول صديقهم و قد تغطي وجهه باللون الأحمر الملتهب بعدما استطاعت أن تفرغ نصف محتوي الاسطوانة عليه في أقل من الثانية التي تبعت نداءها!...
توالت الأحداث مسرعة كما حدث البارحة لتجد نفسها واقفة في نفس الغرفة و حولها نفس الناس منتظرين نفس الرجل!... بعد دقائق دخل الغرفة رجلا مختلفا و ان كان يرتدي نفس الزي الرسمي الأبيض و علي كتفيه نفس عدد النجوم المعدنية!...جلس خلف المكتب و هو يرمقهم في ضيق قبل أن يهتف سائلا اياها:
- انت يا بت انت مش جيتي امبارح انت و الناس دي؟!...
حاولت ترتيب شعرها المشعث و ملابسها المجعدة و هي تتساءل مستنكرة:
- أيوة يا فندم...بس مش حضرتك اللي كنت قاعد هنا امبارح!...
أجابها مبتسما في سخرية:
- لا ياختي ما أنا لمحتكوا و انتوا داخلين القسم!...
أجابت في قلة اكتراث:
- مخدتش بالي!...
أسرع السائق مشيرا نحو وجهه المغطي بطبقة من اللون الأحمر ليصبح شكله مضحكا و هو يهتف في عصبية:
- الحقني يا باشا!...بت الحرام دي شوهتني!...
هتفت مجيبة اياه بنبرة لا تخلو من شماتة:
- شوهتك لية؟!...هو أنا رشيت عليك مية نار ولا غزيتك بمطوة؟! دي شوية ألوان مية من اللي بيرشوها ع الحيطة...
- أيوة بس مبتطلعش بالغسيل يا بنت ال...
قاطعه الضابط صائحا في حدة و هو يضرب بكفه علي سطح المكتب:
- بس يالا!...
التفت نحوها متساءلا في ضيق:
- اية اللي وداكي هناك؟!...
أجابت في ثبات:
- روحت أركب الميكروباص...مش دة برضة موقف عام؟!...
هتف السائق بنفس العصبية:
- كدابة يا باشا!...دي كانت جاية و ناوية علي اللي عملته دة بالقصد!...
صرخ الضابط و قد اتسعت حدقتيه في حدة:
- أنا مش قولت لك تخرس انت؟!....
صمت السائق مطأطئا رأسه في حنق بينما زفر الضابط محاولا التخلص من عصبيته قبل أن يسألها محاولا العودة الي هدوءه:
- ما دام هما بيضايقوكي هناك روحتي تاني لية؟!...
اتسعت حدقتيها في دهشة شديدة و هي تتساءل مستنكرة:
- يعني حضرتك عارف ان هما بيضايقوني و بدل ما تقبض عليهم و تأدبهم بتطلب مني ان أنا اللي ماروحش ناحيتهم؟
صمت مأخوذا بكلامها و جرأتها و منطقها!...لم يعرف بم يجيب بعدما أيقن أنه لم يكن صحيحا أن يتفوه بما قاله هذا!...تساءل متظاهرا بالضيق في محاولة للهروب من هذا الموقف المحرج الذي وضعته فيه:
- قصري و هاتي من الآخر!...روحتي عشان تركبي الميكروباص ولا عشان حاجة تانية؟!...
صمتت قليلا و هي تفكر في عبوس قبل أن تتغلب علي دقات قلبها المتسارعة و هي تهتف مستميتة لتحافظ علي ثباتها:
- روحت عشان أتحرش بيه!...
ارتفعت الهمهمات من حولها بينما هتف هو غير مصدقا و قد اتسعت حدقتيه في دهشة:
- نعم؟!....
أعادت اجابتها بنفس الثبات و هي تشير نحو السائق:
- روحت عشان أتحرش بيه!...
ضرب بيده علي المكتب عدة مرات لتخفت همهمات الاستنكار قبل أن يتمالك نفسه و يسيطر علي دهشته متساءلا:
- لية؟!...
قالت و هي ترفع كتفيها في بساطة:
- من غير سبب!...
عقد حاجبيه و هو يتساءل مستنكرا:
- انت هتستهبلي؟!...مفيش حاجة بتحصل من غير سبب!....
أجابته و قد ازدادت نبرتها تحديا:
- و هو لما اتحرش بيا امبارح في الموقف كان اية السبب؟!...ان شكلي عجبه؟!...فليكن...انا اتحرشت بيه النهاردة عشان شكله معجبنيش!...و زي ما هو خرج امبارح أنا كمان لازم أخرج النهاردة!...
ما كادت تنهي كلمتها حتي انبري من بين الواقفين رجلا ممن شهدوا ضدها ظلما البارحة و قال في أسف مصطنع:
- يا باشا دي بت قليلة الحيا!...امبارح فضحت نفسها و انهاردة جاية تقول بالفم المليان انها بت*** لامؤاخذة يعني بقصد مع الرجالة!....
تطاير الشرر من عينيها و هي تهتف نحوه في غيظ:
- لا و انت الصادق يا عم الحاج...دة اذا كنت عايز ربنا يرضي عليك و يكتب لك زيارة بيته و تبقي حاج بجد...التحرش مش معناه بس الحاجات اللامؤاخذة اللي في دماغك...البصة تحرش و الكلمة تحرش و مد الايد و شد الهدوم و المضايقة تحرش...حتي رش المية تحرش و زي ما هو اتحرش بطريقته امبارح أنا كمان اتحرشت بطريقتي النهاردة!...
ارتفعت صيحات و ألفاظ نابية من السائق و أصدقاؤه بعدما قالته و لم يوقفهم سوي ضربات الضابط العنيفة علي مكتبه ليصمتوا قبل أن يلتفت لها و هو يقول مستميتا ليخفي هذا التعاطف الذي بدأ يشعر به نحوها:
- يا بنتي الدنيا مش غابة!...مش كل واحد يروح ياخد حقه بدراعه!...
هتفت في حنق شديد و قد بدت آثار القهر واضحة علي قسماتها:
- ما هو الضابط اللي كان قاعد هنا مطرح حضرتك امبارح مجابليش حقي!...صدقهم و كدبني و طلعني أنا اللي غلطانة!...
لعن في سره هذا الذي تتحدث عنه و الذي فرضته المهنة عليه زميلا بكل أخلاقه الدنيئة و انتهازيته و صلفه و تجبره و الذي لا يستبعد أن يكون قد فعل ما فعله البارحة ليحافظ علي مصالحه مع سائقي و بلطجية الموقف بينما استطردت الفتاة و هي ترمق الدبلة الفضية في بنصر يده اليمني:
- لو الراجل دة اتحرش بخطيبة حضرتك و راحت القسم و مجابولهاش حقها مش حضرتك هتروح تاني يوم تديله بالجزمة؟!...بس خطيبة حضرتك لو حصل لها كدة الناس في القسم هيدوا له ستين جزمة علي دماغه مش عشان دة حقها انما عشان هي خطيبة حضرتك!...
كان يتأملها مذهولا و قد تسارعت دقات قلبه عندما استطردت هي وقد تجمعت بعض الدموع في عينيها:
- بس أنا مش خطيبة ضابط!...و مش مخطوبة أصلا ولا متجوزة!...و معنديش اخوات!...و أبويا راجل كبير و الحكومة مجابتليش حقي!...يبقي مفيش قدامي غير اني أجيبه بدراعي!....
ساد صمت ثقيل في الغرفة حاولت هي خلاله السيطرة علي دموعها و أنفاسها المتلاحقة بينما كان هو لا يزال يتأملها مأخوذا و قد أخذ عقله يعمل بسرعة شديدة محاولا تحاشي تخيل خطيبته و هي تقف مكان تلك الفتاة و قد تجعدت ملابسها و تشعث شعرها و امتلأت عينيها بدموع القهر!...
انتزع نفسه من خواطره ليهتف في صوت مرتفع:
- يا محمد!...
دخل أحد الجنود مسرعا و وقف في احترام بعد أن أدي التحية العسكرية...نظر الضابط نحوها متساءلا في هدوء:
- حد عمل لك محضر باللي حصل امبارح؟!...
ترددت قليلا قبل أن تقول:
- لأ...
التفت نحو الجندي آمرا في اقتضاب:
- خدهم اعمل لهم محضرين....واحد باللي حصل امبارح و التاني باللي حصل النهاردة...
أدي الجندي التحية و التفت مصطحبا اياهم الي الخارج قبل أن تتوقف الفتاة و تلتفت نحو الضابط قائلة في تردد:
- ممكن أسأل حضرتك سؤال؟!...
تأملها قليلا في ترقب قبل أن يقول:
- اسألي...
- لو كنت جيت النهاردة لقيت سعادته اللي كان موجود امبارح بدال حضرتك...كان اية اللي هيحصل؟!...
حاول اخفاء ابتسامة صفراء و هو يجيبها ساخرا:
- كان زمان قانون التحرش اتطبق بجد...بس عليكي انت!...
9 likes ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on June 18, 2014 13:01
No comments have been added yet.