العجوز الشقراء التي لا تحبني- 25
أستغرق بقية اليوم في التفكير في هذه الفتاة التي لم أقابلها من قبل، والتي استطاعت أن تحرك شيئاً ما خفياً في أعماقي. لم أتمكن ولو لحظة أن أبعد طيفها عن خيالي. أقضي يومي نزقاً متململاً، وفي اليوم التالي-وكان جمعة- أقرر التجول قليلاً بسيارتي في شوارع (طرابلس) بعد العصر، لعلي أستطيع أن أخرج هذه الفتاة من رأسي. كان هدفي الذهاب لإحدى المقاهي في (باب بحر) بالمدينة القديمة والإستمتاع ببعض العزلة بعيداً عن شلة العبث. بينما أنا أسير في طريق (قرقارش) جاءتني مكالمة من (مودة). قررت أنا لا أرد عليها، ولكن بعد معاودتها الإتصال بي وإلحاحها، قررت على مضض أن أرد عليها:-" آلو…نعم"
-"آلو خالد…وين أنتَ توّا؟" تسألني (مودة) بنوع من الإستعجال
-"في طريق قرقارش…علاش؟"…
-"نبي نشوفك توا ضروري"…
-"توا؟؟؟ خير شنو فيه؟"….
-"ما تنخلعش ما فيش شي…غير عندي حاجة نبي نعطيهالك"
-"حاجة؟ حاجة شني؟"
-"توا تعرف لما نتلاقوا. وين إنتَ توا بالزبط؟"
-"قريب من قاعة الشعب"….
-"خلاص درّس في جنبها لين نجيك. مش ح نعطّل عليك. مسافة الطريق"…
(مودة) هذي قصة لوحدها. تعرفت عليها الصيف قبل الماضي في (نادي الرمال) في منطقة (حي الأندلس) بطرابلس. كنتُ أتردد عليه في الصيف لأقضي فيه بعض الوقت الممتع. بل قل بالأحرى للمعاكسة و "التلخبيط". كان (نادي الرمال) من الأماكن القليلة التي يمكن للشباب في ليبيا الذهاب إليه لقضاء وقت الفراغ، ففي بلاد كـ(ليبيا) ليس هناك الكثير من الخيارات للترفيه والترويح أمام الشباب. في أحد الأيام جئت متأخراً للنادي، فلم أجد أياً من عصابة العبث. أحسست بالملل والوحدة بسرعة، فقررت المغادرة. لكن، وبينما كنت أهم ُّ باالمغادرة، لمحت (حنان) قريبة (الزمرينة) وهي تجلس مع إحدى صاحباتها بالقرب من الشاطئ. توجهت إليها مباشرة لأسألها عنه، وبينما أنا أحادثها، قالت لي "أود أن أعرفك على صديقتي مودة فهي تدرس معكم في نفس الكلية". بالفعل تعرفت على (مودة)، وأصبحت أسلم عليها و أحادثها لوقت قصير كلما رأيتها في النادي. ثم تطور الأمر ليصبح علاقة من نوع ما !. أقول من نوع ما لأنه وبالرغم من أن هناك نوع الإنجذاب داخلي لهذه الفتاة؛ إلا أنه لم يكن حباً. بينما كان شعور (مودة) ناحيتي هو حب، حب حقيقي.
(مودة) تسكن في ڤيلا فخمة في منطقة (أبونواس)، وهي تنتمي لعائلة ثرية جداً، فوالدها رجل أعمال من الذين أثروا ثراءً فاحشاً خلال فترة الحصار التي عانت منها البلاد، كما أنه كوّن علاقات وروابط قوية بشخصيات نافذة في نظام القذافي من الذين كنا نسميهم (رجال الخيمة). أما أمها في سليلة إحدى العائلات الأقطاعية في عهد الملك (إدريس) والتي تضررت وخسرت نفوذها وأملاكها داخل البلاد بعد مجيء القذافي للحكم؛ ولكنها حافظت على ثروتها وأملاكها في الخارج، ثم استطاعت أن تعود بها تدريجياً بعد "الإنفتاح" الظاهري الذي شهدته البلاد خلال بداية الإلفينات، وذلك بالتعاون مع بعض النافذين من المرتشين الذين ضمتهم منظومة الفساد من الذين يعملون كـ"عوّالة" لدى بعض الرؤوس الكبيرة داخل النظام. عائلة (مودة) صغيرة جداً تتكون منها ووالدها الدائم السفر وأمها وأختها (مرام) التي تدرس في الصيدلة وتكبرها بسنة. فــ(مودة) بالتالي فتاة ثرية جداً وقد تجلى ذلك في ملابسها وأنواع الهواتف التي تقتنيها وتبدلها باستمرار. كما كانت دائماً تقود سيارة آخر موديل (عادة ما تكون ألمانية)، ولا تستمر معها تلك السيارة معها أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر. كانت أيضاً دائمة السفر حتى خلال العام الدراسي، فكانت-مثلاً- تسافر لعدة أيام لتقضي فترة الكريسمس في إحدى العواصم الأوربية. أما فترة الصيف فعادة ما تكون سفراتها طويلة تزور خلالها عدة دول، ولكنها كانت تقضي الجزء الأكبر في أحد منتجعات (شرم الشيخ) في مصر، أو (أنتاليا) في تركيا.
(مودة) فتاة ذات جمال عادي، ليس لديها مواهب، كما أنها كانت تعاني من فراغ-أو نقص في الحنان- كانت تحاول تعويضه بالسفر والتسوق، وبإحاطة نفسها بشلّة من البنات المنافقات اللاتي يصاحبنها لثرائها، فيتجولنّ معها في سيارتها حيثما ذهبت، وينعمون بهداياها وعزوماتها، بل إن بعضهن كن يسافرن معها وعلى حسابها في عدة مناسبات. لقد كان لـ(مودة) صفتان جميلتان، ولكنهما كانتا نقطتي ضعفها: الطيبة والكرم…خصوصاً معي !.
كانت (مودة) كريمةً ومتسامحةً لأبعد الحدود، فلم تمضِ مناسبة ما دون هدية راقية. موبايل في عيد ميلادي (الذي لا يعرفه أحد على وجه التحديد، والذي يتكرر عبر العام حسب الظروف ونوع وحجم التلخبيطة)، وهناك لابتوب في بداية العام الدراسي (مع اشتراك إنترنت لمدة عام)، وساعة أو نظارة غالية الثمن في عيد الحب، إلى جانب العديد من زجاجات العطر وديسكات الموسيقى والروايات وعلب الشوكلاته بمناسبة وبدون مناسبة. بل لقد وصل بها الكرم معي، أن تكفلت بمصاريف رحلة كاملة مع الإقامة في فندق خمس نجوم في (دبي)، وذلك كنوع من "النقاهة" لي بعد أن رسبت في مادة الكيمياء الحيوية واضطررت لدخول امتحان الدور الثاني (خصوصاً بعد أن عرفت أن الزمرينة والمهف نجحوا).
في يوم من الأيام بعد أن أجريت امتحان الدور الثاني بفترة، كنت أجلس مع أصدقاء تحت المكتبة نمارس رياضة التكحيل، جائتني (مودة) وهي تبتسم، وقفت على بعد خطوات وأشارت لي أن آتيها. تقدمت ناحيتها، وما أن سلمت عليها حتى بادرتني بالقول:
-"عندي ليك حاجتين يفرحوا" قالت لي بابتسامة عريضة...
-"باصي" قلت لها باقتضاب…
-"تي شني باصي؟..قول حاجة عِدلة، تفاعل معاي، بينّ لي أنك ملهوف حتى بالكذب"…
-"أوكي ما تباصيش…برّي أوقفي غادي وعلّقي ركنية" أقول لها مستفزاً…
-"أنت عمرك ما تتغير. المهم مبروك صفيت البيو"
-" والله؟ شكون قالك؟" أسألها بلهفة هذه المرة...
-"بابا كلم واحد طلعلي نتيجتك أنت وواحدة ثانية صاحبتي"
-"بارك الله فيك وفيه. منورة والله"…
-"راجي مازال فيه حاجة ثانية مهمة" قالت (مودة) ثم مدت لي مظروفاً…
-"شن هي الحاجة الثانية؟ وشن الظرف هذا؟" أسأل (مودة) متفاجئاً…
-"الظرف أفتحه في الحوش. فيه رقم علي الظرف ياريت تتصل بيه اليوم، ح يرد عليك واحد اسمه (عبدالسلام) ياريت تعطيه اسمك بالإنجليزي زي ما مكتوب في الجواز ورقم جوازك، أو تبعثله منه صورة بالفاكس"، تتكلم (مودة) بكل أريحية وثقة…
-"لكن مازال ما فهمتش…ممكن تقوليلي شن هذا" أسأل (مودة) في ملحاً…
-"أوكي. لأنك ما نجحتش في الدور الأول وقعدت تقرا بروحك في الصيف، فأنا قررت أني نحجزلك تمشي لـ(دبي) لمدة أسبوعين كنوع من الترفيه والنقاهة بمجرد ما تكمل الدور الثاني وتطلع النتيجة"
-"باهي والظرف؟"…
-"ما تشغلش بالك بيه. مبلغ بسيط بيش تلقى ما تصرف غادي، خير من يقولوا عزماته عزومة نص كم"…
-"مودة !….علاش هكي؟" أقول محتجاً ومعاتباً…
-"مش قلت لك ما تشغلش بالك. خود الظرف ودير اللي قولت عليه. أول ما توصل غادي ح يجيك سواق من طرفنا ح يوصلك للفندق. ثاني يوم عازماتك علي عشي وسينما" تقول (مودة) وهي تخفي ابتسامة فرحة وارتياح
غير أنه في زمن ومكان مختلفين كان اللقاء مختلفاً….
-"إن شاء الله ما عطلتش عليك بس" تقول لي (مودة) وهي تنحني لتتمكن من مخاطبتي وأنا أجلس خلف المقود.
-"لا مش هلبة" أرد باقتضاب، ثم أواصل متسائلاً:"خير… علاش تبي تشوفيني؟"
-"لا سلامتك" تجيب (مودة) وهي تمد لي مظروفاً
-"شني هذا؟" أسأل مستغرباً
-"مش حاجة كبيرة…لما توصل للحوش أفتحه" ترد (مودة)، ثم تودعني وتركب سيارتها وتغادر.
أستمر في جلوسي صامتاً خلف مقود السيارة-دون أن أديرها- لعدة دقائق محاولاً فهم ما جرى. غير أنني بعد هنيهة من التردد أقرر ألا أنتظر أن أصل إلى البيت لللإطلاع على محتوى المظروف، فأقرر فتحه الآن. أكتشف أن ما بداخل المظروف لم يكن شيئاً مميزاً، بل لقد ازدادت حيرتي وفضولي بعد رؤيته، فلم يكن سوى قرص دي ڤي دي بدون عنوان.
Published on December 24, 2013 09:31
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.

