العجوز الشقراء التي لا تحبني- 27
"وأنا وأنتِ بلا زمان
جئنا ولم نأتِ أتينا
فالماضي قد يأتي غداً
أو لا يكون الآنُ آن"
ع.ك
غير أن الحكاية بدأت قبل ذلك….
الوقت منتصف النهار، ومعمل مادة الـ(باراسيتولوجي) يعجّ بعدد كبير من الطلبة يفوق المئة يطوفون حول عدد قليل من الشرائح التي تبين أشكالاً غريبة لديدان مقرفة بأسماء معقدة،. الجو خانق ومتوتر، ولا شيء في هذا المكان يبعث الرغبة في التعلم. أتجول في المعمل بلا هدف محدد، والملل والضجر يعصر كل خلية في جسمي. ليس لدي رغبة في الوقوف في "طابور" أحد المجاهر لأشاهد شريجة كائن ما لم وربما لن أراه أبداً في حياتي. أسير ببطء متحاشياً أن أصطدم بأحد، موزعاً إبتسامات صفراء مقتضبة على بعض ممن أعرفهم من الطلبة والطالبات. وبينما كنت في قمة ضجري سائراً بالقرب من النوافذ الكبيرة، لفت انتباهي يدٌ ترسم بشكل رائع، وكأنها تنسخ ما تراه تحت المجهر. ما شد انتباهي أيضاً أن اليد كانت يسرى، بضةً بيضاء تحيط بها ساعة أنيقة عند الرسغ. اليد كانت لفتاة (ما) متحجبة تلبس جلباباً، تلصق رأسها بالمجهر في انهماك تام بما يعرضه، بينما ترسم يدها في مهارة ما تراه عيناها. ولأنني مصنف من نوع "الطلبة الطفيليين" الذين يتغذون على جهد الطلبة الآخرين، أقرر أن أكون ثقيل الظل (مرة أخرى)، ودن أية لباقة أقترب من تلك الطالبة، ثم أقول:"عفواً…ممكن نصور منك مذكرة المعمل بعدما تكملي اليوم؟". ترفع الطالبة رأسها عن المجهر، ثم تلفت إلى قائلة باقتضاب وكأنها مستعجلة للرجوع لمجهرها:"طبعاً…تفضل"، ثم تعود بسرعة لما كانت تفعله.
في المواقف العادية ذات الإخراج الرديء، وفي توقيت ومكان كهذا، كان ذلك الموقف سيعتبر موقفاً هامشياً، ينتهي حيث بدأ. غير أن ذلك لم يحدث…
دعونا نرجع بالشريط قليلاً….
-"عفواً ممكن نصور منك مذكرة المعمل بعدما تكملي؟". أقول مخاطباً تلك الطالبة.
-"طبعاً…تفضل" ترد عليا باقتضاب ثم تعود في عجلة لما كانت تفعله، وكأنها كانت تخشى انقطاع حبل أفكارها.
غير أن هناك جزءً أو تفصيلاً مفقوداً هنا، وهو الفترة منذ أن رفعت رأسها عن المجهر وحتى قالت لي تفضل. فعندما رفعت الزميلة رأسها عن المجهر، ونظرت إليّ، لم أعتقد أنني-"الخيبرة"-لم أرَ في حياتي وجهاً بهذا النقاء والجمال. عينان خضراوتان كبيرتان، رموش طويلة، أنف مذبب، شفتان وردية كالكرز. وجه ذو جمال جذاب تطفو على سطحه علامات التسامح والسكينة، ولا تعكر نقاءه أي مسحة كدر أو مكياج. هو هكذا الجمال الأنثوي النقي في قمة روعته بلا رتوش أو ألوان مصطنعة.
تعود زميلتي إلى رسمها، بينما أقف أنا على بعد خطوتين مشدوهاً غير قادر على الحركة لبضع دقائق. لم أكن أحسب يوماً ما أنني سأصاب بهذه اللسعة التي تشبه لسعة الكهرباء، والتي قرأت عنها كثيراً في روايات عبير (وكنت أضحك عليها أنا والمهف والزمرينة وبقية الشلة العابثة). هل هو الحب من أول نظرة؟. بل لنقل أنه الحب من أول رسمة؟. أنا الطالب العابث "الخيبرة"، والذي تشهد له بمهارة "التلخبيط" وعلاقات "الخت فت" كل بقعة في (طرابلس)، من بركيدجوات الطب والصيدلة وجامعة ناصر، إلى شارع (المأمون) و فندق (الصفوة)، إلى منتجعات جربة و (بوجبة) في مالطا، إلى مولات (دبي)، إلى شوارع (أغادير) و(فاس) و(مراكش) في المغرب. تُرى ما الذي حدث لي؟ وهكذا فجأةً؟، ما الذي جعل "الفارس" يهوي من على جواده، ماذا سيكون موقفي أمام "دول أمريكا اليونانية" كما يقول الزمرينة؟.
لقد تمكنت خلال السنوات السابقة من تكوين علاقات مع عدد كبير من الفتيات، من مختلف الكليات، ومن مختلف الأشكال والألوان والأحجام؛ لكنني لم أدخل إطلاقاً في أية علاقة جدية أو طويلة، بل كان شعاري في هذه العلاقات أغنية رسوم زينة:"من وردةٍ لوردةٍ أطير"، بلا إلتزامات وجو لوم ونفخ…
لكن لحظة !…توا البنت قالت لي بنعطيك المذكرة، لكن وين بنلقاها وأني حتى اسمها ما نعرفاش؟؟؟؟
Published on December 24, 2013 09:41
No comments have been added yet.
عبدالدائم اكواص's Blog
- عبدالدائم اكواص's profile
- 10 followers
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.

