العجوز الشقراء التي لا تحبني- 19



غير أن كلّ ما حدث لم يكن البداية. كما أنه لم يكن النهاية أيضاً. ثم ما البداية والنهاية؟، أليست كل نهاية هي تحضير لبداية جديدة؟، أليست بداية شيء ما هي في الحقيقة تصريح لنهاية ما قبله؟. إذن أين تقع بداية البدايات. هكذا أحياناً أتتبع خيط الذكريات لأنتهي دائماً عند نفس النقطة؛ سواد…سواد وصمت. أكتشف حينها أنني لستُ سوى حلقة صغيرة في سلسلة طويلة لا نهائية. الحدثُ ليس فعلاً مجرداً يحدث بذاته في منأى عن أحداث أخرى تحيط به أو تسبقه؛ بل هو فعلٌ يحدث في سياق...في زمان ومكان معينين، نتج عن أحداث سبقته، وسينتج عن حدوثه أفعال ما تتبعه. لكن لو سمعنا كلام علماء الفيزياء، وقمنا بتتبع السياق الزمني للأحداث بشكل رجعي، فسننتهي عند نقطة لا نهائية الصغر بدأ عندها الزمان والمكان في الإنفجار العظيم (Big Bang) قبل 13.7 بليون سنة !.
لكن لماذا أحشو رأسي بهذا الكلام وهذه النظريات؟. أنا الإنسان البسيط محدود المواهب والمهارات، محدود الطموح، الذي لا يتعلم من تجاربه، والذي عاش حياته كمقعد وحيد في محطة قطارات يستقبل ويودّع العابرين والحالمين والمغامرين واللصوص؛ لماذا أحاول أحياناً أن أتحدى محدودية أفقي وقدراتي؟. ثم لماذا أزعج القارئ -الذي جلبه حظه العاثر لقراءة هذه الكلمات- بهذه الأفكار والهواجس التي لا تعني شيئاً خارج العلبة العظمية التي تحوي دماغ كاتبها !. لكنني سأتطاول قليلاً، سأغامر بكل ما أعلمه لأشير لنقطة ما في حكايتي، لأقول أنها كانت Big Bang حياتي !!

الوقت: ظهر يوم صيفي خانق
المكان: معمل الباراسيتولوجي بكلية الطب

---------------------------------
-تتحاشى (إيلينا) النظر مباشرة إليّ، فتخفض رأسها، ثم تنزع فتيل القنبلة قائلة:" (ڤاسيليوس) يمتلك بعض الڤيديوات"…
-أصاب بالصدمة والذهول، فأقول بعصبية:" ڤيديوات ماذا (إيلينا)؟"...
-فترد بحزن:"ڤيديوات لي معه في وضعيات حميمية"….
-"هل تقصدين بأنه كان يقوم بتصويرك وأنتما………..، هل فقدت عقلك؟"
-"ليس هو فقط من قام بالتصوير، بل أنا أيضاً فعلت. لقد أحببته بجنون، كما أنني أكون مخمورة في أغلب الأحيان عندما أكون نائمة معه"…
-"هذا الوغد الحقير لم يرد أن يستأثر بالقذارة لنفسه، بل أراد أن يسبغها على كل من حوله. لقد أراد أن يجعل منك عاهرة"…
لست من النوع الذي يجامل أو يطبطب على الآخرين عندما يتعلق الأمر بأشياء حساسة أو حاسمة. أعلم أن كلمتي كانت قاسية؛ لكن كان من الضروري لـ(إيلينا) أن تدرك حجم مستنقع الوحل الذي غرقت فيه. غير أنها تقبلت كلمتي فتجاوزنها، وكأنها تحضر لشيء ما، فتقول ببرود:
-"ليس تلك الڤيديوات ما يقلقني، فقد كنت أمارس حقاً طبيعياً يمارسه مليارات البشر والدواب. إن ما يقلقني هو ڤيديو واحد فقط"…
-"وما هو ذلك الڤيديو؟" أسأل مستغرباً من صراحة (إيلينا) وعدم إكتراثها ببقية الڤيديوات.
-" قبل عدة أشهر كنا في حفلة أقامتها إحدى الصديقات. حضرت الحفلة أنا و (ڤاسيليوس)، وخلالها سكرتُ حتى الثمالة، فقمت بفضح كل ما أعرفه عن الأطباء والممرضات وغيرهم من العاملين في المركز. لقد قلت كلاماً خطيراً لو وصل السلطات سيؤدي إلى فتح تحقيقات، وسيقضي على المستقبل المهني للكثيرين، ومستقبلي المهني أنا أيضاً"…

أصمت محاولاً استيعاب ما سمعته. أشعر بالحزن على هذه الفتاة اللامعة التي كان بإمكانها أن تصل لأعلى المراتب مهنياً واجتماعياً، بل إن كل ما يحيط بها كان يدل على أنها كانت تسير بهذا الإتجاه، ولكنها في لحظة ضعف أنثوي تخلت عن كل شيء، وارتمت في أحضان وحش بشري قذر قضى على أحلامها.
-"وما المطلوب مني الآن (إيلينا)؟"..أسأل ونبرة الإحباط تعلو صوتي.
-"لاشيء يا عزيزي. لقد احتجت لشخص أثق فيه لأنفّس قليلاً ولم أجد غيرك"، تصمت قليلاً ثم تواصل:"كما أن لدي طلباً صغيراً منك"…
-"طلب صغير؟ ما هو؟"…
-"هل يمكنني أن أنتقل للإقامة معك لبعض الأيام؟. أحتاج أن أبتعد قليلاً عن الجميع لأعيد ترتيب أوراقي"...
 
1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 07, 2013 07:53
No comments have been added yet.


عبدالدائم اكواص's Blog

عبدالدائم اكواص
عبدالدائم اكواص isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبدالدائم اكواص's blog with rss.