قصة من التراث الأفريقي
ضرب الطاعون قرية زراعية و أصاب كل أهلها بالحمّى الشديدة التي استمرت أيام توقف فيها كل شيء.. بعدها تشافوا جميعا واحد ورا التاني و رجعت الحياة لأصلها إلا عند إتنين من الفلاحين.. واحد أصابه العمى و التاني أصابه الشلل..
قاعدين قدام بيتهم كل يوم الصبح بيتفرجوا و يسمعوا جيرانهم أهل القرية و هم رايحين لحقولهم يشتغلوا و يزرعوا و هما قاعدين.. و آخر النهار يرجع الفلاحين سعداء مبسوطين و هما الإتنين قاعدين عاجزين متفرجين..
اكتئاب و عجز و عزلة..
في يوم من الأيام بعد مالأهالي راحوا حقولهم، المشلول فاض بيه.. فاتدور ناحية الأعمى و نده له بصوت عالي و قال له لازم نتصرف.. الأعمى ابتسم.. هانعمل إيه يعني..
المشلول قال له أنا معايا البصيرة.. و إنت معاك الصحة..
الأعمى قال له أيوة نعمل إيه يعني..
المشلول قال له تاخدني كل يوم على كتفك.. و أنا شايف الطريق و الدنيا.. هاوجهك.. و توديني أرضي نعمل شغلها سوا، و نطلع على أرضك نشتغل فيها برضه..
بعد كثير من المأمأة و اللألأة اتفقوا إن مافيش مانع يجربوا.. بكرة..
بقليل من الخجل.. و كثير من الأحلام.. اعتلى المشلول كتف الأعمى.. يمشي الأعمى خطوتين.. و يقعوا الإتنين عالأرض.. و أهل القرية عمالين يضحكوا.. إخواننا ماهمهمش.. جربوا تاني.. و المشلول فوق بيعطي توجيهاته "يمين.. شمال.. حاسب طوبة" .. و الأعمى تحت بينقل خطواته ببطء و جهد و هو بيوازن نفسه و صاحبه.. إلى أن وصلا الأرض عند غروب الشمس بعد فوات الأوان..
مانجحوش.. بس مايئسوش.. قضوا يومين في التدريبات و التفاهمات.. لغاية ماقدروا فعلا يكونوا سويا جسد واحد متفاهم بعينيّ المشلول و ساقيّ الأعمى..
بمنتهى السعادة و الحماس مع أول شعاع شمس انطلقا أخيرا و وصلا أرضيهما في وقت مناسب و قاما بالأعمال المطلوبة و يوما بعد يوم بدأت الأرض في الاخضرار.. فظهور المحصول.. فالحصاد فالبيع فالمكسب.. أخيرا!
كانت سعادتهما لا توصف.. لم تسعدهما النقود قدر سعادتهما بقهر العجز.. و اتفقا أن يحتفلا ليلا بذبح فرخة و شيّها و أكلها على العشاء..
نظرا للظلام اتفقا أن يذهب المشلول وحده على عكازيه لشراء الفرخة.. و أثناء طريقه تحرك بداخله العِرق البشري الشهير.. و حدّث نفسه بأنه من دون بصيرته و فكرته ما كان للأعمى أن يحصل على أي شيء.. أنا استحق أكثر منه.. حتى الفرخة أنا اللي رايح أجيبها..
فرأى ضفدعة كبيرة سمينة.. اقترب منها ببطء ثم انقض عليها و أمسكها و قرر أن يطبخها للأعمى بدلا من الفرخة و يحتفظ هو بثمنها..
ذبح الضفدعة و كمحاولة أن يخفي طعمها اضاف عليها كمية فلفل و توابل مهولة.. ثم ذهب لصديقه الأعمى ليدعوه.. و ما أن أمسك الأعمى بها حتى تساءل عن لزوجة ملمسها.. المشلول قال له "هي كدة إحنا بس اللي نسينا الفراخ يا صاحبي" .. حاول الأعمى أنه يقطعها بس كانت متماسكة مبتتقطعش بسهولة.. استمر في الشد بقوة لغاية مالضفدعة اتقطعت فجأة فطارت التوابل مع الفلفل في عينيه فاسترد بصيرته.. و كان أول ما رأته عينيه هو دليل خيانة صديقه.. فاستشاط غضبا و انقض على صديقه ليفتك به.. الذي من شدة خوفه استرد عافيته و وقف و انطلق يجري هربا من صاحبه الغاضب..
استمرت المطاردة في أنحاء القرية إلى أن وجدا شخص كبير، فاحتمى به الهارب و هو يرتعد و يتوسل إليه.. "إلحقني أرجوك عايز يموتني عشان أنا مشلول و عاجز".. الراجل بص له و سأله باستغراب "مشلول؟" .. فوصل الغاضب و قال للراجل "سيبني أموته.. بيستغفلني عشان أنا أعمى مبشوفش".. الراجل بذهول أكبر سأله "أعمى؟".. سكت كلاهما لثوان ثم شرحا له الموضوع باختصار.. فانفجر الرجل ضحكا ثم نظر لهما باحتقار و قال " يعني إنتو ربنا رجعلكم الدنيا كاملة و فتحها قدامكم و إنتو سبتوها و بتتخانقوا بسبب ضفدعة؟ موتوا بعض!"
و سابهم و مشي..
Published on December 07, 2013 06:06
No comments have been added yet.


