إدارة المخاطر
جزء من كتاب
فن الحرب و إدارة المشروعات
إدارة المخاطر
أنت في مكتبك أو موقع عملك أو حتي بيتك... و بينما أنت منهمكا فيما أنت فيه... اشتممت رائحة دخان.. ثم تأكدت الرائحة و ازدادت كثافة.. ثم تعالى الصراخ من مكان ما.. و بدأ تدافع الجميع راكضين مهللين "حريق.. حريق".
أنت ممن أكرمهم الله بثبات الأعصاب و سرعة التفكير – و هي صفات يمكن اكتسابها بالمناسبة – و كنت من هؤلاء المتحضرين المؤمنين بأهمية إمتلاك مطفئة حريق في العمل و المنزل و السيارة، و كانت لديك اثنتان بالفعل في موقع هذا الحادث.
قمت بعجلة و لكن بثبات تُحسد عليه، و ذهبت باتجاه هاتين المطفئتين، و الفخر يملأ صدرك - على الرغم من التوتر العام في الجو- لأنك لم تبخل و اشتريت ما قد يفيد لاحقا.. و ها قد جاء وقت استخدامهما فعلا.
واجهتك أول مشكلة أن مكانهما موجود في ظهور الهاربين من الحريق.. أي أنك لكي تصل إليهما عليك الركض عكس اتجاه الجموع الفارّة الشبيهة بطوفان لا يعطي أي امكانية للعبور من خلاله.. مضطرا تنحيت جانبا منتظرا أول فرجة تنفذ منها للوصول لمقصدك.. و في أثناء هرب الجموع سقط ثلاثة افراد أرضا بسبب التدافع و الذعر.. و لم يكن لدي مَن وراءهما مِن فرصة لتجنبهما فبدأ فاصل من الدهس و التعثر و الإصابات.. صارت لديك مشكلتان.. الحريق و إصابات التدافع.
اخترت أن تكافح الحريق أولا حتي لا يتضخم.. و عندما وصلت بصعوبة لمطفئتي الحريق.. أمسكت بفوهة إحداهما و صوّبتها للنيران و سحبت زر الأمان و ضغطت الزناد... و لم يحدث اي شيء.. لم تخرج الرغاوَى الكيميائية مندفعة لتنقض علي النار.. ألقيت بالمطفئة جانبا و أمسكت الأخري و كررت الخطوات... و تكررت النتيجة: لا شيء.
رججت المطفئة بعنف و أعدت المحاولة.. لا شيء.
قبل أن تلقي بالمطفئة جانبا و تلوذ بالفرار تلمح ملصقا عليها به مواعيد الصيانة الدورية للمطفئة، و تكتشف أن هذه المطفئة لم تتم صيانتها الدورية منذ عام كامل، و هي بالتأكيد تحتوي علي عطل حاليا. تمسك المطفئة الأولي و تجد مطبوعا عليها قائمة بالإرشادات المهمة.. و أولها أنك يجب أن تقلب وضع المطفئة (رأسا علي عقب) كل شهرين حتي لا يحدث انفصال كيميائي للمواد الداخلة في خلطة الإطفاء و تصير مجرد مجموعة من العناصر متجاورة و ليست متفاعلة.. تتذكر أن هذا لم يحدث أبدا فتلقي بالمطفئتين و تهرول لتنجو بحياتك.
تخرج هاتفك المحمول أثناء الجري لتطلب المطافئ.. هل المطافئ رقمها 123 أم 124 أم تم تغيير الرقم أساسا؟ هل أطلب الشرطة على 122 و أسألهم عن رقم المطافي؟ هل قام أحد الزملاء بالاتصال بها؟
تصل للخارج و تجد زملاءك و تطمئن علي الجميع فيخبرونك أن زميلين أخذا المصابين الثلاثة من جرّاء التدافع للمستشفى، و أن المطافئ في الطريق فعلا بعد أن اتصلوا بها. تتذكر "عماد" - عامل البوفيه الواقع خلف مكان الحريق - لا تراه في الجموع الواقفة.. تسأل زملاءك عنه فيقول هذا: "غالبا ذهب معهم إلي المستشفي".. و يقول ذاك: "هو لم يجيء اليوم أساسا".. فيرد آخر: "جاء و أعدّ لي قهوة.. غالبا هو انصرف مبكرا".. هذا كله هذا ضاعف قلقك أضعافا عما إذا كان هو بالداخل أم لا.
تبدأ في حصر الواقفين فيخبرك أحدهم أن البعض انصرف إلي بيوتهم و البعض غائب لم يجيء من أول اليوم بالاساس، بالتالي لن تستطيع أن تقف علي العدد الدقيق.
تجيء المطافئ و تطفيء النيران و يتضح أن "عماد" كان بالداخل و لم تصبه حروق، لكنه نُقل إلي المستشفي من جرّاء إصابته باختناق حاد.
بعد أن انتهيت من كتابة استقالتك متحملا المسئولية، قررت أن تخرج من هذه التجربة بدروس مستفادة. فاستنتجت ما يلي:
- يجب توفير عدد كاف من مطفئات الحريق و وضعها في أماكن ظاهرة.
- يجب توفير صيانة دورية مع إضافة توقيع مدير الأمن و السلامة علي كل زيارة.
- تجب قراءة الإرشادات علي المطفئات و تنفيذها بانتظام.
- تجب كتابة أرقام الطوارئ جميعها و تعليقها في مكان واضح للجميع.
- يجب عمل دورة تدريبية للعاملين جميعا علي طريقة التعامل مع الحرائق.
- يجب عمل بروفة أو محاكاة لحريق زائف لتدريب العاملين علي كيفية الهروب و ضبط النفس معا، و الالتزام بنقطة تجميع آمنة يتفق عليها يتجمع الجميع عندها بعد الهروب.
- يجب تحضير كشف حضور يومي لضمان الوقوف بالضبط في أسرع وقت علي عدد الموجودين فعليا، للبحث عن أو نجدة المفقودين (بعد أن يتم حصر عدد الفارّين عند نقطة التجمع).
تسلمت عملك الجديد و نفذت فعلا تلك الخطة الوقائية المبنية علي تجربتك السابقة. بعد فترة في العمل تذهب صباحا في يوم جديد لتفاجأ بأن عملية سرقة تمت ليلا تم الاستيلاء فيها علي جميع أجهزة الكمبيوتر في الشركة، مخلفة خسارة مادية كبيرة و خسارة كارثية في كل بيانات و معلومات الشركة.
بعد أن انتهيت من كتابة استقالتك الثانية، تتناقش مع صديقك الذي يقنعك أنه في عالم إدارة المشروعات لا يوجد ما يسمي "نحس" أو سوء حظ، و أن حادثتي الحريق و السرقة هما من الأشياء الوارد حدوثها حتي لو بنسبة ضعيفة. المشكلة الحقيقية تكمن في عدم تجهيزك مسبقا لخطة مواجهة الكوارث.
هذا بالظبط ما يهدف إليه علم إدارة المخاطر Risk Management ، معرفتك المسبقة لجميع المخاطر و تخطيطك للتعامل معها حال حدوثها يعيدان تسمية المتغيرات الفجائية من "كارثة" إلي "موقف" و ينقلان تعاملك معها من "رد فعل مذعور" إلي "تنفيذ خطوات مدروسة معَدّة سلفا".
علم مهم بهذا الشكل لا يمكن اختزاله في صفحات قليلة، لذلك ما سيلي ذكره بخصوصه هو نبذة وجبت عليك قراءة دراسات تفصيلية أكثر بخصوصها.
تعريف المخاطر:
فن الحرب و إدارة المشروعات
إدارة المخاطر
أنت في مكتبك أو موقع عملك أو حتي بيتك... و بينما أنت منهمكا فيما أنت فيه... اشتممت رائحة دخان.. ثم تأكدت الرائحة و ازدادت كثافة.. ثم تعالى الصراخ من مكان ما.. و بدأ تدافع الجميع راكضين مهللين "حريق.. حريق".
أنت ممن أكرمهم الله بثبات الأعصاب و سرعة التفكير – و هي صفات يمكن اكتسابها بالمناسبة – و كنت من هؤلاء المتحضرين المؤمنين بأهمية إمتلاك مطفئة حريق في العمل و المنزل و السيارة، و كانت لديك اثنتان بالفعل في موقع هذا الحادث.
قمت بعجلة و لكن بثبات تُحسد عليه، و ذهبت باتجاه هاتين المطفئتين، و الفخر يملأ صدرك - على الرغم من التوتر العام في الجو- لأنك لم تبخل و اشتريت ما قد يفيد لاحقا.. و ها قد جاء وقت استخدامهما فعلا.
واجهتك أول مشكلة أن مكانهما موجود في ظهور الهاربين من الحريق.. أي أنك لكي تصل إليهما عليك الركض عكس اتجاه الجموع الفارّة الشبيهة بطوفان لا يعطي أي امكانية للعبور من خلاله.. مضطرا تنحيت جانبا منتظرا أول فرجة تنفذ منها للوصول لمقصدك.. و في أثناء هرب الجموع سقط ثلاثة افراد أرضا بسبب التدافع و الذعر.. و لم يكن لدي مَن وراءهما مِن فرصة لتجنبهما فبدأ فاصل من الدهس و التعثر و الإصابات.. صارت لديك مشكلتان.. الحريق و إصابات التدافع.
اخترت أن تكافح الحريق أولا حتي لا يتضخم.. و عندما وصلت بصعوبة لمطفئتي الحريق.. أمسكت بفوهة إحداهما و صوّبتها للنيران و سحبت زر الأمان و ضغطت الزناد... و لم يحدث اي شيء.. لم تخرج الرغاوَى الكيميائية مندفعة لتنقض علي النار.. ألقيت بالمطفئة جانبا و أمسكت الأخري و كررت الخطوات... و تكررت النتيجة: لا شيء.
رججت المطفئة بعنف و أعدت المحاولة.. لا شيء.
قبل أن تلقي بالمطفئة جانبا و تلوذ بالفرار تلمح ملصقا عليها به مواعيد الصيانة الدورية للمطفئة، و تكتشف أن هذه المطفئة لم تتم صيانتها الدورية منذ عام كامل، و هي بالتأكيد تحتوي علي عطل حاليا. تمسك المطفئة الأولي و تجد مطبوعا عليها قائمة بالإرشادات المهمة.. و أولها أنك يجب أن تقلب وضع المطفئة (رأسا علي عقب) كل شهرين حتي لا يحدث انفصال كيميائي للمواد الداخلة في خلطة الإطفاء و تصير مجرد مجموعة من العناصر متجاورة و ليست متفاعلة.. تتذكر أن هذا لم يحدث أبدا فتلقي بالمطفئتين و تهرول لتنجو بحياتك.
تخرج هاتفك المحمول أثناء الجري لتطلب المطافئ.. هل المطافئ رقمها 123 أم 124 أم تم تغيير الرقم أساسا؟ هل أطلب الشرطة على 122 و أسألهم عن رقم المطافي؟ هل قام أحد الزملاء بالاتصال بها؟
تصل للخارج و تجد زملاءك و تطمئن علي الجميع فيخبرونك أن زميلين أخذا المصابين الثلاثة من جرّاء التدافع للمستشفى، و أن المطافئ في الطريق فعلا بعد أن اتصلوا بها. تتذكر "عماد" - عامل البوفيه الواقع خلف مكان الحريق - لا تراه في الجموع الواقفة.. تسأل زملاءك عنه فيقول هذا: "غالبا ذهب معهم إلي المستشفي".. و يقول ذاك: "هو لم يجيء اليوم أساسا".. فيرد آخر: "جاء و أعدّ لي قهوة.. غالبا هو انصرف مبكرا".. هذا كله هذا ضاعف قلقك أضعافا عما إذا كان هو بالداخل أم لا.
تبدأ في حصر الواقفين فيخبرك أحدهم أن البعض انصرف إلي بيوتهم و البعض غائب لم يجيء من أول اليوم بالاساس، بالتالي لن تستطيع أن تقف علي العدد الدقيق.
تجيء المطافئ و تطفيء النيران و يتضح أن "عماد" كان بالداخل و لم تصبه حروق، لكنه نُقل إلي المستشفي من جرّاء إصابته باختناق حاد.
بعد أن انتهيت من كتابة استقالتك متحملا المسئولية، قررت أن تخرج من هذه التجربة بدروس مستفادة. فاستنتجت ما يلي:
- يجب توفير عدد كاف من مطفئات الحريق و وضعها في أماكن ظاهرة.
- يجب توفير صيانة دورية مع إضافة توقيع مدير الأمن و السلامة علي كل زيارة.
- تجب قراءة الإرشادات علي المطفئات و تنفيذها بانتظام.
- تجب كتابة أرقام الطوارئ جميعها و تعليقها في مكان واضح للجميع.
- يجب عمل دورة تدريبية للعاملين جميعا علي طريقة التعامل مع الحرائق.
- يجب عمل بروفة أو محاكاة لحريق زائف لتدريب العاملين علي كيفية الهروب و ضبط النفس معا، و الالتزام بنقطة تجميع آمنة يتفق عليها يتجمع الجميع عندها بعد الهروب.
- يجب تحضير كشف حضور يومي لضمان الوقوف بالضبط في أسرع وقت علي عدد الموجودين فعليا، للبحث عن أو نجدة المفقودين (بعد أن يتم حصر عدد الفارّين عند نقطة التجمع).
تسلمت عملك الجديد و نفذت فعلا تلك الخطة الوقائية المبنية علي تجربتك السابقة. بعد فترة في العمل تذهب صباحا في يوم جديد لتفاجأ بأن عملية سرقة تمت ليلا تم الاستيلاء فيها علي جميع أجهزة الكمبيوتر في الشركة، مخلفة خسارة مادية كبيرة و خسارة كارثية في كل بيانات و معلومات الشركة.
بعد أن انتهيت من كتابة استقالتك الثانية، تتناقش مع صديقك الذي يقنعك أنه في عالم إدارة المشروعات لا يوجد ما يسمي "نحس" أو سوء حظ، و أن حادثتي الحريق و السرقة هما من الأشياء الوارد حدوثها حتي لو بنسبة ضعيفة. المشكلة الحقيقية تكمن في عدم تجهيزك مسبقا لخطة مواجهة الكوارث.
هذا بالظبط ما يهدف إليه علم إدارة المخاطر Risk Management ، معرفتك المسبقة لجميع المخاطر و تخطيطك للتعامل معها حال حدوثها يعيدان تسمية المتغيرات الفجائية من "كارثة" إلي "موقف" و ينقلان تعاملك معها من "رد فعل مذعور" إلي "تنفيذ خطوات مدروسة معَدّة سلفا".
علم مهم بهذا الشكل لا يمكن اختزاله في صفحات قليلة، لذلك ما سيلي ذكره بخصوصه هو نبذة وجبت عليك قراءة دراسات تفصيلية أكثر بخصوصها.
تعريف المخاطر:
Published on June 01, 2013 12:16
No comments have been added yet.


