عشر ليرات ـ قصة
عشر ليرات
قصة : علياء الداية
جلس سليم في سيارة الأجرة، ولكن هذه المرة في المقعد الخلفي، فإلى جانب السائق كان رجلٌ ومعه كيس كبير. كان الرجلان منصرفين إلى الحديث بينما سليم يضمّ جوانب معطفه، ويسند رأسه إلى ظهر المقعد، يحاول التخفف من أعباء النهار الذي لم ينته، حين لمح إلى يساره ثقباً دائرياً في المقعد. كان الظلام يهبط على الشارع حيث يسير التكسي، وقد غابت الشمس قبل نصف ساعة، وسليم يستسلم إلى الوجوم وشيء من الكآبة. كل ما حوله مهترئ، حياته الصعبة، عمله المضطرب، ومتطلبات أسرته، أصلاً لم يكن ليتأخر بعد مغيب الشمس لولا الحاجة إلى مرور سريع بالصيدلية.
"سأضيع الوقت لو تنقّلت من حافلة إلى أخرى. هكذا بالتكسي أسرع، لكنه ليس أوفر بالتأكيد. والآن ثقب آخر مهترئ إلى جانبي!"
يمدّ سليم أصابعه ناحية الثقب فيفاجأ بأنه ليس ثقباً، بل قطعة نقدية، على الأغلب إنها عشر ليرات. السائق ومرافقه منشغلان بحديثهما، يبدو أن الراكب صديق للسائق أو قريب له. لم يمانعا في توصيله إلى حيث يريد، لا يبدو أن الراكب سينزل قريباً، يستغل سليم فرصة ثرثرتهما ويتلمّس القطعة من جديد. "لها حوافّ بارزة محيطة بها، إنها عشر ليرات، ولكن لماذا هي هنا؟ بالتأكيد انزلقت من جيب أحد الركّاب قبله، واستقرّت هنا." يفكّر سليم. "هل آخذها؟ عشر ليرات ليست مطمعاً لأحد، وليست لا شيء على أية حال. ولكن ماذا سيقول السائق لو التفت فجأة ورآني آخذها؟ أو إذا تنبّه إلى حركتي وأنا ألتقطها وأدسّها في جيبي؟ قد يتجاهلني، وربما يفتعل شجاراً بدعوى أنها له وأني أسرقها من سيارته. احتمال آخر: ماذا لو كانت فخاً؟ نعم، قد يكون صديق السائق ـ بتّ مقتنعاً أكثر الآن بأنه صديق ـ وضع العشر ليرات هنا، واقترحَ على السائق الإيقاع بأول زبون، وترصّده والإمساك به: أيها اللص! وسأعلَق في شجار مع شخصين من أجل عشر ليرات وهما الرابحان حتماً."
يتشاغل سليم عن القطعة النقدية بالتأمل عبر النافذة إلى جانبه. شوارع حلب تنقلب من كآبة الغروب إلى حيوية الليل، مصابيح من هنا وهناك، التماعات زجاج محلات على جانبي الطريق، وتوهّج لافتات بعض المقاهي في عمق أحياء سكنية، وقريباً من مجمعات تجارية حديثة. السيارات من حوله تنتظر أن تفتح الإشارة الخضراء، سيارات أجرة صفراء، وسيارات خاصة منها القديم الباهت، وقليل منها فاره.
يذكر كيف أنه وأصدقاءه ـ مع بداية طرح قطعة العشر ليرات في التداول قبل سنوات ـ حاولوا الاستعاضة عنها في أجهزة الهاتف والألعاب وغيرها بقطعة الليرة الواحدة بنسختها القديمة التي تقاربها في الحجم والوزن، دون أن يفلحوا في ذلك. كانت الآلة ترفض أحياناً إدخال القطعة، أو تلفظها خارجاً، وأحياناً تبتلعها بلا عودة.
عشر ليرات توفر عليّ أجرة الحافلة ذهاباً وإياباً لمرتين، يمكنني أن أوفر بها جزءاً من ثمن ربطة خبز، أو ببساطة تضعها ابنتي في حصّالتها، ليست رقماً تافهاً.
يلتفت مرافق السائق إلى الخلف، فيظنّ سليم أنه سيواجهه، يتحفز، لكن الرجل يشير بيده إلى جهةٍ ما من النافذة اليسرى ويكمل حديثه مع السائق مبتهجاً. يستعيد سليم أنفاسه، ويفطن إلى أنه لم يتابع شيئاً من كلام الرجلين، ويكاد يفوّت الزاوية التي يريد النزول عندها.
يلمح سليم الصيدلية المطلوبة، يقف السائق، يحاسبه سليم وينزل من السيارة، وحين يهمّ بصفق الباب يهرول شابٌ ويمسك بالباب، يفاوض السائق على وجهته ثم يدلف إلى الداخل، وتمضي السيارة، وتمضي خواطر سليم تودّع الراكب الذي سيجد إلى يساره على المقعد قطعة نقدية من فئة عشر ليرات.
نشرت هذه القصة ضمن المجموعة القصصية “شهرزاد الكواكب”، تأليف: علياء الداية، دار الحوار، سوريا، 2013
قصة : علياء الداية
جلس سليم في سيارة الأجرة، ولكن هذه المرة في المقعد الخلفي، فإلى جانب السائق كان رجلٌ ومعه كيس كبير. كان الرجلان منصرفين إلى الحديث بينما سليم يضمّ جوانب معطفه، ويسند رأسه إلى ظهر المقعد، يحاول التخفف من أعباء النهار الذي لم ينته، حين لمح إلى يساره ثقباً دائرياً في المقعد. كان الظلام يهبط على الشارع حيث يسير التكسي، وقد غابت الشمس قبل نصف ساعة، وسليم يستسلم إلى الوجوم وشيء من الكآبة. كل ما حوله مهترئ، حياته الصعبة، عمله المضطرب، ومتطلبات أسرته، أصلاً لم يكن ليتأخر بعد مغيب الشمس لولا الحاجة إلى مرور سريع بالصيدلية.
"سأضيع الوقت لو تنقّلت من حافلة إلى أخرى. هكذا بالتكسي أسرع، لكنه ليس أوفر بالتأكيد. والآن ثقب آخر مهترئ إلى جانبي!"
يمدّ سليم أصابعه ناحية الثقب فيفاجأ بأنه ليس ثقباً، بل قطعة نقدية، على الأغلب إنها عشر ليرات. السائق ومرافقه منشغلان بحديثهما، يبدو أن الراكب صديق للسائق أو قريب له. لم يمانعا في توصيله إلى حيث يريد، لا يبدو أن الراكب سينزل قريباً، يستغل سليم فرصة ثرثرتهما ويتلمّس القطعة من جديد. "لها حوافّ بارزة محيطة بها، إنها عشر ليرات، ولكن لماذا هي هنا؟ بالتأكيد انزلقت من جيب أحد الركّاب قبله، واستقرّت هنا." يفكّر سليم. "هل آخذها؟ عشر ليرات ليست مطمعاً لأحد، وليست لا شيء على أية حال. ولكن ماذا سيقول السائق لو التفت فجأة ورآني آخذها؟ أو إذا تنبّه إلى حركتي وأنا ألتقطها وأدسّها في جيبي؟ قد يتجاهلني، وربما يفتعل شجاراً بدعوى أنها له وأني أسرقها من سيارته. احتمال آخر: ماذا لو كانت فخاً؟ نعم، قد يكون صديق السائق ـ بتّ مقتنعاً أكثر الآن بأنه صديق ـ وضع العشر ليرات هنا، واقترحَ على السائق الإيقاع بأول زبون، وترصّده والإمساك به: أيها اللص! وسأعلَق في شجار مع شخصين من أجل عشر ليرات وهما الرابحان حتماً."
يتشاغل سليم عن القطعة النقدية بالتأمل عبر النافذة إلى جانبه. شوارع حلب تنقلب من كآبة الغروب إلى حيوية الليل، مصابيح من هنا وهناك، التماعات زجاج محلات على جانبي الطريق، وتوهّج لافتات بعض المقاهي في عمق أحياء سكنية، وقريباً من مجمعات تجارية حديثة. السيارات من حوله تنتظر أن تفتح الإشارة الخضراء، سيارات أجرة صفراء، وسيارات خاصة منها القديم الباهت، وقليل منها فاره.
يذكر كيف أنه وأصدقاءه ـ مع بداية طرح قطعة العشر ليرات في التداول قبل سنوات ـ حاولوا الاستعاضة عنها في أجهزة الهاتف والألعاب وغيرها بقطعة الليرة الواحدة بنسختها القديمة التي تقاربها في الحجم والوزن، دون أن يفلحوا في ذلك. كانت الآلة ترفض أحياناً إدخال القطعة، أو تلفظها خارجاً، وأحياناً تبتلعها بلا عودة.
عشر ليرات توفر عليّ أجرة الحافلة ذهاباً وإياباً لمرتين، يمكنني أن أوفر بها جزءاً من ثمن ربطة خبز، أو ببساطة تضعها ابنتي في حصّالتها، ليست رقماً تافهاً.
يلتفت مرافق السائق إلى الخلف، فيظنّ سليم أنه سيواجهه، يتحفز، لكن الرجل يشير بيده إلى جهةٍ ما من النافذة اليسرى ويكمل حديثه مع السائق مبتهجاً. يستعيد سليم أنفاسه، ويفطن إلى أنه لم يتابع شيئاً من كلام الرجلين، ويكاد يفوّت الزاوية التي يريد النزول عندها.
يلمح سليم الصيدلية المطلوبة، يقف السائق، يحاسبه سليم وينزل من السيارة، وحين يهمّ بصفق الباب يهرول شابٌ ويمسك بالباب، يفاوض السائق على وجهته ثم يدلف إلى الداخل، وتمضي السيارة، وتمضي خواطر سليم تودّع الراكب الذي سيجد إلى يساره على المقعد قطعة نقدية من فئة عشر ليرات.
نشرت هذه القصة ضمن المجموعة القصصية “شهرزاد الكواكب”، تأليف: علياء الداية، دار الحوار، سوريا، 2013
Published on November 23, 2013 12:29
•
Tags:
ليرة-ليرات-حلب-قصة-تكسي
No comments have been added yet.
علياء الداية's Blog
- علياء الداية's profile
- 775 followers
علياء الداية isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
