قلعة حلب في ثلاث قصص ـ مقال
قلعة حلب في ثلاث قصص
مقال: د. علياء الداية
تتمتع قلعة حلب بمكانة أثيرة في نفوس أهل المدينة، ويمتدّ تأثيرها ليأخذ بإعجاب العابرين من زوّار وسياح. هذه القلعة التي تتربع على هضبة مرتفعة تتوسط مدينة حلب، وتتميز بأنها سجلّ تاريخي شهد حقباً من أيام المدينة على مرّ عصور، وتتميز أيضاً بأسلوب عمارتها الجميل المشهور عالمياً، وتطلّ على مدينة حلب أسواقاً وآثاراً وحدائق وأحياء شعبية وحديثة.
وتتجلى مكانة قلعة حلب في الإبداع القصصي السوري المعاصر، في نماذج عدّة، منها القصص الثلاث: "أيها القادم الجميل" لوليد إخلاصي، من مجموعته "الأعشاب السوداء ـ 1980"، و"سهرة" لشهلا العجيلي، من مجموعتها "المشربية ـ 2005"، و"على أهبة الحب" لغفران طحان، من مجموعتها "كحلم أبيض ـ 2009".
القلعة والزمن:
ينشغل السارد في قصة "أيها القادم الجميل" لوليد إخلاصي بالزمن الماضي، وتقترن قلعة حلب في مخيلته بحبيبته عائشة، فالرجل الذي فقد زوجته إثر حادث مفاجئ، يبقى أسير الماضي. إذ يطلّ طيف زوجته في كل زاوية وكل حين، حتى حين يكون مع عائشة، فهو يشفق عليها من ذكرياته وحنينه إلى ماضيه "والآن عليّ أن أعترف بحقيقة اكتشفت أنها تعيش في داخلي مخيفة، وهي خوفي من أن أفقد عائشة فيما لو تزوجت منها كما فقدت زوجتي من قبل". ومن اللافت أن قلعة حلب تؤدي دوراً إيجابياً في انتشال الرجل من خواطره ومن هواجسه أيضاً، ففي بداية القصة، يخيّل إليه أنه يرى رجلاً وسيماً يلُوح أمام القلعة، ثم إنه يشاهد هذا الرجل الوسيم في المقهى، ويكتشف لاحقاً بأنه تجلٍّ لملك الموت يختطف شلّة الرجال المتقاعدين في المقهى، واحداً إثر الآخر، يوماً بعد يوم. إنّ هذا التخييل في شخصية الرجل الوسيم، يرمز إلى هاجس الموت المبهم، الذي يسيطر على السارد منذ موت زوجته، وإلى عدم قدرته على الفكاك من التفكير فيه والخوف منه، فمن الواضح أنه ينكفئ عن الحياة والنظر إلى المستقبل بسبب التوجس من المجهول "وشيئاً فشيئاً كانت عائشة تعود إليّ. وأحسست بحب عظيم للمدينة التي كنت أتصور أنها لن تعرف الموت أبداً. وكنت أفكر بالأيام القادمة". ولكن منذ أن أخذ السارد يتجول حول قلعة حلب مع عائشة، لم يعد الرجل الوسيم يظهر في محيطها، بل إن عائشة صارت تشغل مساحة أكبر من الأمل بالغد، وتمتزج بجمال المدينة، وببهاء القلعة، "والقلعة كانت وجوداً، وتعانقت يدانا أملاً، خطوة فخطوة حول القلعة في الظلام الشفاف، وتتوهج نقاط صغيرة في الداخل، وأحس بما تحت جلد عائشة فأتطلع إلى بطن القلعة المليء بالأسرار والزمن"، وفي كل مرة كان السارد يشعر بأنه يقترب أكثر من الإقبال على الحياة، ومن نسيان المقهى بما فيه من إيحاءات الماضي.
أما قصة "سهرة" لشهلا العجيلي، فيستولي فيها الزمن الراهن على اللحظات كلها، وتحتوي القلعة حيوية الساردة وأملها في أن تلفت انتباه الرجل الذي تحب، وأن يكون لقاء القلعة وحضورهما المشترك في حفل الطرب مقدمة لأيام آتية تعد بالحب والسعادة؛ "كنت واثقة من أنك ستكون هناك، أجل لا بدّ أن تكون، القصائد والموشحات والمواويل، شيخ الطرب وقلعة حلب! أعرف أنك تعشق كل ذلك، أليس الأدب حرفتك والفن عالمك!" ويتركّز الحدث الأساسي في حماسة الساردة أثناء الحفل، لا لمتابعة شيخ الطرب والانبهار بأدائه مترافقاً بالألحان فحسب، وإنما لترقّب حركة الرجل والتفاتاته من موقعه في الصفوف الأمامية "جلستُ حيث أشرف عليك، وحيث تضطر للالتفات كي تراني، عندها أعرف أنك تتقصد النظر إليّ. لم يهدأ رأسك لحظة، كنت تبحث عني". إن القصة كلها تسير قدماً نحو ما يعتقد المتلقي أنه تحقيق أمنيات الساردة وحلمها باللقاء المنشود "غداً، متى يأتي غداً، سنتكلم على كل شيء من اللحظة التي قررتَ فيها حضور الحفلة"، ولكن أفق التوقعات ينكسر تماماً حين تكتشف الساردة في اليوم التالي أن زميلها في العمل لم يكن هو من رأت في الحفل، بل إنه لم يكن ليكترث بالفن والطرب والقلعة! "هه! ومن قال لكِ بأنني من عشاق شيخ الطرب لأتكبّد مشقّة القلعة ودرَج القلعة وأسهر حتى الصباح أسمع عجوزاً تكاد تخرج روحه مع كل آه".
تَنظر قصة "على أهبة الحبّ" لغفران طحان إلى المستقبل، فمنذ البداية تتوق الساردة إلى موعد قادم تلتقي فيه حبيبها "يومها قلت له: أين أراك؟!! قال: في جميع الأمكنة... فمنذ أن بحت لهذه المدينة بحبي لها، صارت تدعوني بتواطؤٍ صامتٍ لقضاء ليالي الحب أنّى شئت فيها!" وإذ لا تحصل على إجابة محددة، فهي تقرر أن تكتشف بنفسها جمال المدينة التي تشترك مع حبيبها في الانتماء إليها "كانت مدينتي أيضاً، ولكنني لم أرها كما وصفها يوماً... كان يقول وشوق مغتربٍ لسنين طويلة يسكن فيه: أُحبها كما لم يحب أحد... دققي الإحساس فيها... تابعي تفاصيلها... سترين الحنان ينضح من كل جزءٍ فيها". ويصل بها المطاف إلى قلعة حلب، المكان الذي قلّما نسائل أنفسنا عن مكانته الحقيقية عندنا، فهو على الرغم من ألفته الشديدة يستحق الاكتشاف مرة بعد مرة، وهذا ما قامت به الساردة. إذ أخذت تطوف بالقلعة، منذ الصباح الباكر، تستطلع أبهاءها، وتتأمل أبعادها وأسوارها، وتعانق حجارتها التي يفوح منها عبق التاريخ "السياح يتجمّعون حولي، ويلتقطون الصور... وهم مستغربون من ذلك التآلف الغريب بين لون الحجارة ولون بشرتي... بين شموخها وبين ما يفيض به جسدي من كبرياء". وهي تمعن في التوجه نحو المستقبل، فتتخذ مهنة جديدة هي الدليلة السياحية في المنطقة، تحيي التاريخ بمنحه إمكانية السفر عبر الزمن والمكان إلى عقول وقلوب روّاد المكان، ولتكون على أهبة الحب والاستعداد للقاء حبيبها وحبيب القلعة، "وقف لدقائق يحدق بي وكأنه لا يعرفني... بينما كنت أتشاغل عنه بشرح تفاصيل التاريخ لبعض السياح... فقد أضحى هذا عملي منذ أن تركني قبل ثلاثة أشهر على أهبة الحب".
القلعة واكتشاف الآخر:
يشكّل الآخر/ الرجل محور الاهتمام في القصص الثلاث، ففي قصة "أيها القادم الجميل" يكون السارد قلقاً بشأن الرجل الوسيم الشاب الذي أطلّ من جهة القلعة، ثم صار يبرز خفية من باب المقهى الذي يتردد عليه. وقد استغرق السارد فترة حتى ينسى هذا الرجل، الذي هو صدى لأفكاره السوداوية حول الموت، ويستبدله بالفرح والحلم بالمستقبل مع الحبيبة عائشة "عن بُعد كانت عائشة تتقدم فتهللت لها بشراً، وفي الطرف المقابل كان القادم الجميل يقف تحت عمود للنور محدقاً وعيناه ترسلان إحساساً بالجذب لا يقاوم. ظلت قدماي ملتصقتين بالأرض زمناً رجراجاً وكأنني أتمايل بين قطبين هما عائشة والرجل الجميل". وكانت قلعة حلب معيناً له على الانتقال من الخوف من الرجل الوسيم، إلى الاطمئنان إلى عائشة.
وفي قصة "سهرة" شكّلت الأجواء الطربيّة الساحرة في قلعة حلب عاملاً مخاتلاً، جعل الساردة تقع تحت تأثير تهويمات أفكارها وأحلامها بلقاء من تحب، ففرضت تخيّلاتها نفسها على الواقع، وبات الحلم هو الأساس أما الواقع فإطارٌ هشٌّ له. وقد انقلب الأمر في اليوم التالي، ففي النهار كشفت أوهام الليل، وبدت حقيقة أن الساردة عاشت ما هو أشبه بالحلم من الواقع.
سعت الساردة في "على أهبة الحبّ" إلى الاكتشاف، ولكنه كان مغايراً لما في القصتين السابقتين، في أنها اتجهت إلى الرغبة في معرفة سرّ القلعة الذي يجعل حبيبها مأخوذاً بها، وعاشقاً لمدينته حلب. ولذلك كانت النتائج التي تتوصل إليها أقرب إلى اليقين، فالرجل غائب في كل القصص عن القلعة، وإن حضر فهو حضور جزئي متخيل في النفس. ومن ثنائية الحضور والغياب وطّدت الساردة حضور حبيبها في روحها رغم غيابه وسفره، وحضور مدينتها في شخصها وحياتها التي تصل الماضي بالمستقبل.
السرد والتماهي بالقلعة:
يتيح السرد لشخصيات القصص فرصة للتماهي مع قلعة حلب، وهم في المحصّلة يصبحون جزءاً من القلعة بشكل مباشر أو غير مباشر. فالسارد في "أيها القادم الجميل" يجعل من حبيبته عائشة والقلعة شيئاً واحداً، وهما تشتركان في العديد من الصفات. ومن الملحوظ أن حبّ القلعة الذي يسكن السارد، يقوده إلى إسباغ الصفات المحببة رقّةً وجمالاً على عائشة.
أما الساردة في "سهرة" فتُعايش الحفل الطربي، وتنفعل معه حباً وبهجة إلى الدرجة التي تنسى فيها نفسها، ويصبح حلم اليقظة سيد الموقف، وتخلو الساحة للتهيؤات بكل ما هو بعيد المنال، وحلم أثير. فكأنّ الساردة تتحول إلى لحن من الألحان أو بيت من الشعر المغنى تستحضره إلى اللحظة الراهنة كي تعيشها بكل بهائها، "وأمتدّ بين ضفاف وجودك وضفاف ذلك الصوت، شيخ الطرب: جلّ من قد صوّرك/ بدر من ماء وطين/ وجعل في منظرك/ بهجة للناظرين".
ويتحقق الأمر ذاته في قصة "على أهبة الحب"، فحضور الحبيب لا يتعدى لحظات ماضية قليلة، يتلوها زمن مفعم بالانتظار والغياب، ويكون مفتاح الشوق هو تماهي الساردة مع القلعة ومحيطها من الأحياء الشعبية "في الصباح سابقت ذلك البريق لتقبيل جوانب الحارات القديمة التي يسكن إحداها"، والامتزاج بتراث المدينة وصولاً إلى حقيقة عمق الانتماء الذي تحسّ به وتختبره بالتجربة التي تعطي معنى جديداً لوجودها وحياتها.
رابط المقال في موقع آراء الإلكتروني :
http://www.araa.com/article/74066
مقال: د. علياء الداية
تتمتع قلعة حلب بمكانة أثيرة في نفوس أهل المدينة، ويمتدّ تأثيرها ليأخذ بإعجاب العابرين من زوّار وسياح. هذه القلعة التي تتربع على هضبة مرتفعة تتوسط مدينة حلب، وتتميز بأنها سجلّ تاريخي شهد حقباً من أيام المدينة على مرّ عصور، وتتميز أيضاً بأسلوب عمارتها الجميل المشهور عالمياً، وتطلّ على مدينة حلب أسواقاً وآثاراً وحدائق وأحياء شعبية وحديثة.
وتتجلى مكانة قلعة حلب في الإبداع القصصي السوري المعاصر، في نماذج عدّة، منها القصص الثلاث: "أيها القادم الجميل" لوليد إخلاصي، من مجموعته "الأعشاب السوداء ـ 1980"، و"سهرة" لشهلا العجيلي، من مجموعتها "المشربية ـ 2005"، و"على أهبة الحب" لغفران طحان، من مجموعتها "كحلم أبيض ـ 2009".
القلعة والزمن:
ينشغل السارد في قصة "أيها القادم الجميل" لوليد إخلاصي بالزمن الماضي، وتقترن قلعة حلب في مخيلته بحبيبته عائشة، فالرجل الذي فقد زوجته إثر حادث مفاجئ، يبقى أسير الماضي. إذ يطلّ طيف زوجته في كل زاوية وكل حين، حتى حين يكون مع عائشة، فهو يشفق عليها من ذكرياته وحنينه إلى ماضيه "والآن عليّ أن أعترف بحقيقة اكتشفت أنها تعيش في داخلي مخيفة، وهي خوفي من أن أفقد عائشة فيما لو تزوجت منها كما فقدت زوجتي من قبل". ومن اللافت أن قلعة حلب تؤدي دوراً إيجابياً في انتشال الرجل من خواطره ومن هواجسه أيضاً، ففي بداية القصة، يخيّل إليه أنه يرى رجلاً وسيماً يلُوح أمام القلعة، ثم إنه يشاهد هذا الرجل الوسيم في المقهى، ويكتشف لاحقاً بأنه تجلٍّ لملك الموت يختطف شلّة الرجال المتقاعدين في المقهى، واحداً إثر الآخر، يوماً بعد يوم. إنّ هذا التخييل في شخصية الرجل الوسيم، يرمز إلى هاجس الموت المبهم، الذي يسيطر على السارد منذ موت زوجته، وإلى عدم قدرته على الفكاك من التفكير فيه والخوف منه، فمن الواضح أنه ينكفئ عن الحياة والنظر إلى المستقبل بسبب التوجس من المجهول "وشيئاً فشيئاً كانت عائشة تعود إليّ. وأحسست بحب عظيم للمدينة التي كنت أتصور أنها لن تعرف الموت أبداً. وكنت أفكر بالأيام القادمة". ولكن منذ أن أخذ السارد يتجول حول قلعة حلب مع عائشة، لم يعد الرجل الوسيم يظهر في محيطها، بل إن عائشة صارت تشغل مساحة أكبر من الأمل بالغد، وتمتزج بجمال المدينة، وببهاء القلعة، "والقلعة كانت وجوداً، وتعانقت يدانا أملاً، خطوة فخطوة حول القلعة في الظلام الشفاف، وتتوهج نقاط صغيرة في الداخل، وأحس بما تحت جلد عائشة فأتطلع إلى بطن القلعة المليء بالأسرار والزمن"، وفي كل مرة كان السارد يشعر بأنه يقترب أكثر من الإقبال على الحياة، ومن نسيان المقهى بما فيه من إيحاءات الماضي.
أما قصة "سهرة" لشهلا العجيلي، فيستولي فيها الزمن الراهن على اللحظات كلها، وتحتوي القلعة حيوية الساردة وأملها في أن تلفت انتباه الرجل الذي تحب، وأن يكون لقاء القلعة وحضورهما المشترك في حفل الطرب مقدمة لأيام آتية تعد بالحب والسعادة؛ "كنت واثقة من أنك ستكون هناك، أجل لا بدّ أن تكون، القصائد والموشحات والمواويل، شيخ الطرب وقلعة حلب! أعرف أنك تعشق كل ذلك، أليس الأدب حرفتك والفن عالمك!" ويتركّز الحدث الأساسي في حماسة الساردة أثناء الحفل، لا لمتابعة شيخ الطرب والانبهار بأدائه مترافقاً بالألحان فحسب، وإنما لترقّب حركة الرجل والتفاتاته من موقعه في الصفوف الأمامية "جلستُ حيث أشرف عليك، وحيث تضطر للالتفات كي تراني، عندها أعرف أنك تتقصد النظر إليّ. لم يهدأ رأسك لحظة، كنت تبحث عني". إن القصة كلها تسير قدماً نحو ما يعتقد المتلقي أنه تحقيق أمنيات الساردة وحلمها باللقاء المنشود "غداً، متى يأتي غداً، سنتكلم على كل شيء من اللحظة التي قررتَ فيها حضور الحفلة"، ولكن أفق التوقعات ينكسر تماماً حين تكتشف الساردة في اليوم التالي أن زميلها في العمل لم يكن هو من رأت في الحفل، بل إنه لم يكن ليكترث بالفن والطرب والقلعة! "هه! ومن قال لكِ بأنني من عشاق شيخ الطرب لأتكبّد مشقّة القلعة ودرَج القلعة وأسهر حتى الصباح أسمع عجوزاً تكاد تخرج روحه مع كل آه".
تَنظر قصة "على أهبة الحبّ" لغفران طحان إلى المستقبل، فمنذ البداية تتوق الساردة إلى موعد قادم تلتقي فيه حبيبها "يومها قلت له: أين أراك؟!! قال: في جميع الأمكنة... فمنذ أن بحت لهذه المدينة بحبي لها، صارت تدعوني بتواطؤٍ صامتٍ لقضاء ليالي الحب أنّى شئت فيها!" وإذ لا تحصل على إجابة محددة، فهي تقرر أن تكتشف بنفسها جمال المدينة التي تشترك مع حبيبها في الانتماء إليها "كانت مدينتي أيضاً، ولكنني لم أرها كما وصفها يوماً... كان يقول وشوق مغتربٍ لسنين طويلة يسكن فيه: أُحبها كما لم يحب أحد... دققي الإحساس فيها... تابعي تفاصيلها... سترين الحنان ينضح من كل جزءٍ فيها". ويصل بها المطاف إلى قلعة حلب، المكان الذي قلّما نسائل أنفسنا عن مكانته الحقيقية عندنا، فهو على الرغم من ألفته الشديدة يستحق الاكتشاف مرة بعد مرة، وهذا ما قامت به الساردة. إذ أخذت تطوف بالقلعة، منذ الصباح الباكر، تستطلع أبهاءها، وتتأمل أبعادها وأسوارها، وتعانق حجارتها التي يفوح منها عبق التاريخ "السياح يتجمّعون حولي، ويلتقطون الصور... وهم مستغربون من ذلك التآلف الغريب بين لون الحجارة ولون بشرتي... بين شموخها وبين ما يفيض به جسدي من كبرياء". وهي تمعن في التوجه نحو المستقبل، فتتخذ مهنة جديدة هي الدليلة السياحية في المنطقة، تحيي التاريخ بمنحه إمكانية السفر عبر الزمن والمكان إلى عقول وقلوب روّاد المكان، ولتكون على أهبة الحب والاستعداد للقاء حبيبها وحبيب القلعة، "وقف لدقائق يحدق بي وكأنه لا يعرفني... بينما كنت أتشاغل عنه بشرح تفاصيل التاريخ لبعض السياح... فقد أضحى هذا عملي منذ أن تركني قبل ثلاثة أشهر على أهبة الحب".
القلعة واكتشاف الآخر:
يشكّل الآخر/ الرجل محور الاهتمام في القصص الثلاث، ففي قصة "أيها القادم الجميل" يكون السارد قلقاً بشأن الرجل الوسيم الشاب الذي أطلّ من جهة القلعة، ثم صار يبرز خفية من باب المقهى الذي يتردد عليه. وقد استغرق السارد فترة حتى ينسى هذا الرجل، الذي هو صدى لأفكاره السوداوية حول الموت، ويستبدله بالفرح والحلم بالمستقبل مع الحبيبة عائشة "عن بُعد كانت عائشة تتقدم فتهللت لها بشراً، وفي الطرف المقابل كان القادم الجميل يقف تحت عمود للنور محدقاً وعيناه ترسلان إحساساً بالجذب لا يقاوم. ظلت قدماي ملتصقتين بالأرض زمناً رجراجاً وكأنني أتمايل بين قطبين هما عائشة والرجل الجميل". وكانت قلعة حلب معيناً له على الانتقال من الخوف من الرجل الوسيم، إلى الاطمئنان إلى عائشة.
وفي قصة "سهرة" شكّلت الأجواء الطربيّة الساحرة في قلعة حلب عاملاً مخاتلاً، جعل الساردة تقع تحت تأثير تهويمات أفكارها وأحلامها بلقاء من تحب، ففرضت تخيّلاتها نفسها على الواقع، وبات الحلم هو الأساس أما الواقع فإطارٌ هشٌّ له. وقد انقلب الأمر في اليوم التالي، ففي النهار كشفت أوهام الليل، وبدت حقيقة أن الساردة عاشت ما هو أشبه بالحلم من الواقع.
سعت الساردة في "على أهبة الحبّ" إلى الاكتشاف، ولكنه كان مغايراً لما في القصتين السابقتين، في أنها اتجهت إلى الرغبة في معرفة سرّ القلعة الذي يجعل حبيبها مأخوذاً بها، وعاشقاً لمدينته حلب. ولذلك كانت النتائج التي تتوصل إليها أقرب إلى اليقين، فالرجل غائب في كل القصص عن القلعة، وإن حضر فهو حضور جزئي متخيل في النفس. ومن ثنائية الحضور والغياب وطّدت الساردة حضور حبيبها في روحها رغم غيابه وسفره، وحضور مدينتها في شخصها وحياتها التي تصل الماضي بالمستقبل.
السرد والتماهي بالقلعة:
يتيح السرد لشخصيات القصص فرصة للتماهي مع قلعة حلب، وهم في المحصّلة يصبحون جزءاً من القلعة بشكل مباشر أو غير مباشر. فالسارد في "أيها القادم الجميل" يجعل من حبيبته عائشة والقلعة شيئاً واحداً، وهما تشتركان في العديد من الصفات. ومن الملحوظ أن حبّ القلعة الذي يسكن السارد، يقوده إلى إسباغ الصفات المحببة رقّةً وجمالاً على عائشة.
أما الساردة في "سهرة" فتُعايش الحفل الطربي، وتنفعل معه حباً وبهجة إلى الدرجة التي تنسى فيها نفسها، ويصبح حلم اليقظة سيد الموقف، وتخلو الساحة للتهيؤات بكل ما هو بعيد المنال، وحلم أثير. فكأنّ الساردة تتحول إلى لحن من الألحان أو بيت من الشعر المغنى تستحضره إلى اللحظة الراهنة كي تعيشها بكل بهائها، "وأمتدّ بين ضفاف وجودك وضفاف ذلك الصوت، شيخ الطرب: جلّ من قد صوّرك/ بدر من ماء وطين/ وجعل في منظرك/ بهجة للناظرين".
ويتحقق الأمر ذاته في قصة "على أهبة الحب"، فحضور الحبيب لا يتعدى لحظات ماضية قليلة، يتلوها زمن مفعم بالانتظار والغياب، ويكون مفتاح الشوق هو تماهي الساردة مع القلعة ومحيطها من الأحياء الشعبية "في الصباح سابقت ذلك البريق لتقبيل جوانب الحارات القديمة التي يسكن إحداها"، والامتزاج بتراث المدينة وصولاً إلى حقيقة عمق الانتماء الذي تحسّ به وتختبره بالتجربة التي تعطي معنى جديداً لوجودها وحياتها.
رابط المقال في موقع آراء الإلكتروني :
http://www.araa.com/article/74066
Published on October 16, 2013 18:21
•
Tags:
قلعة-حلب-قصص-سوري
No comments have been added yet.
علياء الداية's Blog
- علياء الداية's profile
- 775 followers
علياء الداية isn't a Goodreads Author
(yet),
but they
do have a blog,
so here are some recent posts imported from
their feed.
