فن الحب وصخرة هانيبال

ستكون قراءة هذا الكتاب تجربة مليئة بخيبة الأمل لأى إنسان يتوقع تعليمات سهلة فى فن الحب. هكذا يصدر إريك فروم كتابه فكل الناس يحتاجون إلى الحب، إلى حب أنفسهم وإلى حب آخرين. وفى البداية هناك بعض الأفكار الشائعة والتى يحاول الكتاب مناقشتها، منها مثلا أن المشكلة الشائعة هى أن الناس دائما تفكر فى الشخص الذى يحبها ويهتم بها وتحاول أن تجذب هذا الشخص بالطرق المعروفة من أول أن يحقق الشخص نجاحا ما أو ثراء ما، إلى أن يحاول أن يكون جذابا جنسيا للطرف الآخر (وتلك عادة هى وصايا مدربى التنمية البشرية التعساء) إليكم تلك التجربة: حاول أو حاولى أن تقدم شخصيتك لمن حولك بأنك تملك أى من تلك المزايا (مثقف/ ناجح/ سكسى/ ثرى نوعا ما/ دمك خفيف وبشوش.. إلخ من المواصفات التى ينصح بها عادة) وشوف كمية الإنجذاب اللى هتحصلك:D
لكنك فى لحظة ما سوف تحتاج إلى اختيار الشخص المناسب، والإنجذاب بينكما ليس إلا مجرد خطوة بسيطة فى العلاقة. فليس كل من ينجذب لنا أو ننجذب له صالح ليكون هو شريكنا فى رحلة الحياة. إن طبيعة العصر الذى نعيش فيه جعلت فكرة الإنجذاب هى السبب الوحيد لكثير من العلاقات، يقول فروم فـ"بالنسبة للرجل تعد الفتاة الجذابة وبالنسبة للمرأة يعد الرجل الجذاب الجائزتين اللتين يسعيان وراءهما" فى سوق السلع الإنسانية. وتلك العلاقات القائمة على هذا النوع من التفكير (بطريقة التسوق) عادة تنتهى بعد وقت قصير بسبب تغير الحال وحتى تغير شكل الموضة نفسها، يقول فروم، مرة أخرى، فقد كان على الرجل فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أن يكون عدوانيا وطموحا- واليوم عليه أن يكون متسامحا واجتماعيا لكى يكون جذابا.

هناك فكرة أخرى سائدة عن أن الحب هو لحظة/ صدفة/ نظرة.. تتبعها قصة رومانسية عظيمة زى أفلام السينما التى تقدم لحظات جميلة وحميمية، لكن مع ذلك ليست حقيقية تماما. فطول البقاء بالضرورة سوف يخفف مع الوقت من تلك الرومانسية التى يحبها المراهقين وبنات الطبقة الوسطى. وتظهر الرتابة والملل مع مرور الوقت بالقرب والاعتياد.
إن شدة الإفتتان بشخص ما لا تعنى بالضرورة أنها حب، فالأغلب أنها تعبير عن درجة الوحدة قبل ظهور هذا الشخص الجديد فى حياتنا.
(بفكر مرة أصدم الناس وأكتب عن تعاسة كافكا وبؤسه الشديد حتى فى عز قربه من ميلينا إحدى صديقاته)

كانت أم كلثوم تغنى بالأمس القريب :أنا كنت إيه قبل ما أشوفك؟؟ فى تجاربنا الأولى نظن أننا خلقنا من جديد، مع أننا نحمل تاريخا ثقيلا فوق ظهورنا هذا التاريخ هو نحن ببساطة شديدة. وما أن تنتهى علاقتنا الأولى حتى نظن أن العالم نفسه قد انتهى أو يجب أن ينتهى احتراما لحزننا!!
يقول ميلان كونديرا فى "غراميات مرحة" إننا نعبر الحاضر بأعين معصوبة، وقصارى ما نستطيعه أن نتنبأ ونحدس بما نعيشه. وفيما بعد فحسب، حين تحل العصابة ونتفحص الماضى، ندرك ما عشناه ونفهم معناه.
إن الحب -بحسب إريك فروم- هو فن يجب أن نتعلمه، وحتى فى حالات الفشل يجب أن نتعلم أن نتجاوز بل وأن نغفر ونسامح أنفسنا وغيرنا، وأن نعيد المحاولة بخبرة جديدة. إن الحب هو نقيض الأنانية وهو القدرة على العطاء وعلى الفهم،وهو عين النضج، وكذلك هوالإيمان بالطرف الآخر.


إن قصة هانيبال والصخرة التى إعترضت طريقه أثناء عبوره جبال الألب تقول لنا أنه يمكن أن نستخدم قوة الصخرة لهزيمتها. وقد كان من مبادئه: دائما هناك حل، أو سنصنعه. إن صخرة الفشل فى علاقات الحب يمكن هزيمتها دائما، فقط يقتضى ذلك التواضع والمعرفة وبذل الجهد والقدرة على العطاء.





يكتب إيريك فروم هنا عن معنى الحب ليس كما هو شائع، وإنما بطريقة عقلانية فلسفية. بالقطع هناك أشكال متعددة وكثيرة لهذا "الحب"، وأحيانا نجد البعض يفهم الحب بمعنى "التملك" والسيطرة على من نحب، واحتوائه، وسجنه. إنها عملية خنق وإهلاك. إلا أن إريك يميز بين مفهوم الحب الناضج وغيره ليتوصل لفكرةتحتاج إلى تأمل، فهو يرى أن الحب ليس علاقة عاطفية ذات انفعالات جياشة ولا يرتبط بعالم الأسرة المسيطر عليه من قبل الذكر وعالم الملكية السائد،(تقوم فلسفة إريك بشكل عام على ثنائية: إما أن تملك وإما أن تكون) لكن الحب -عنده- هو فن يتطلب المسؤولية والاحترام والنظام والتركيز والصبر والاهتمام .وهو موقف عام من الحياة، يتنافى مع الأنانية ويتضمن الموضوعية والعقلانية والتواضع بالضرورة... أي أن الحب يقتضي المعرفة وبذل الجهد والتعلم من الأخطاء. وهو ليس إحساساً تابعاً للذة، بل هو فن، تماما كالحياة، نتعلمه كما نتعلم كل الأشياء.
يقول إريك فروم: إن كلمة الوقوع فى الحب ليست صحيحة، فالمحبة فعل إيجابى، والإنسان فيه ينهض، ويخطو ويسير، ويتعلم.
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on November 01, 2013 11:32
No comments have been added yet.