ليس دستوريا
وسط هتافات المؤيدين لقرارات الرئيس -التي لم تكن صدرت بعد- امام دار القضاء العالي خرج علينا الدكتور ياسر علي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية ليقرا على مسامعنا الاعلان "الدستوري" -على حد قوله- والذي اصدره السيد رئيس الجمهورية دون التشاور مع اي من مساعديه او مستشاريه ناهيك عن القوى الوطنية مما يطرح تساؤلات عدة حول ماهية الشورى التي يؤمن بها الرئيس واخرى تتعلق بمن يصدر القرارات نيابة عن الرئيس.
لست في معرض للحديث عن حجم المعارضة التي لاقاها الاعلان فور صدوره بقدر ما ارغب في عرض الاسس التي بنينا عليها جميعا رفضنا لمثل هذا الاعلان.
بالنظر للمادة الاولى من الاعلان الدستوري والتي تنص على "تُعاد التحقيقات والمحاكمات في جرائم القتل والشروع في قتل وإصابة المتظاهرين وجرائم الإرهاب التي ارتُكبت ضد الثوار بواسطة كل من تولى منصبًا سياسيًا أو تنفيذيًا في ظل النظام السابق، وذلك وفقًا لقانون حماية الثورة وغيره من القوانين" فان تلك المادة سليمة المظهر فاسدة الجوهر اذ انها تخالف الفقرة السابعة من المادة الرابعة عشر من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تنص على "لا يجوز تعريض أحد مجددا للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقا للقانون وللإجراءات الجنائية في كل بلد".
اما بالنسبة للمادة الثانية من الاعلان الدستوري والتي تنص على "الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد تكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض بقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية" فان تلك المادة ايضا خرق واضح للفقرة الثالثة من المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية والتي تنص على :
تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد:
(أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا
العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية،
(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعى انتهاكها سلطة قضائية أو
إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن
تنمى إمكانيات التظلم القضائي،
(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.
ناهيك عن كونها تكرس لاله جديد يجمع بين سلطتين ويضرب بالثالثة عرض الحائط ليكون بذلك فوق القانون والمساءلة.
اما المادة الثالثة والتي تنص على "يعين النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية بقرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، تبدأ من تاريخ شغل المنصب ويشترط فيه الشروط العامة لتولي القضاء، وألا يقل سنه عن 40 سنة ميلادية ويسري هذا النص على من يشغل المنصب الحالي بأثر فوري" فاني لا اجد حرجا في اقالة النائب العام عبد المجيد محمود حتى وان كان المبرر واهيا ولكني اجد غضاضة في ان يعين رئيس الجمهورية البديل الذي يختاره وكان تعيين مبارك للمستشار عبد المجيد محمود لم تكن ذريعة لاقالته. وكان من الاحرى ان يدعو مجلس القضاء الاعلى لاختيار نائب عام جديد عبر انتخابات حرة تتم بين القضاة الراغبين في الترشح لهذا المنصب بما يحفظ للقضاء هيبته واستقلاله في المقام الاول.
اما المادة الرابعة والتي تنص على "تُستبدل عبارة تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته 8 أشهر من تاريخ تشكيله، بعبارة تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته 6 أشهر من تاريخ تشكيلها الواردة في المادة 60 من الإعلان الدستوري، الصادر في 30 مارس 2011" فلا انكر انها كانت صادمة لطموحات الكثيرين من الناقمين على اللجنة التاسيسية وتشكيلها والذين املوا في قرار يصدره الرئيس بحلها.
اما المادة الخامسة والتي تنص على "لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور" فانا اعجب حقا من تحصين اللجنة التاسيسية المطعون على صحتها ضد الحل وكاننا نعلم بفساد تكوينها ونقبل به وبدستورها محل الشك والرفض الشعبي. واني مع ذلك قد افهم الهدف من تحصينها ولكني اعجز عن ذلك في حالة الشورى الذي لم ينتخبه الا 7 % من مجموع الشعب المصري ولا اظن ان احدا يعرف اختصاصاته على وجه التحديد اضافة لما به من اعضاء عينهم المجلس العسكري اثناء توليه ادارة البلاد.
اما المادة السادسة والتي تنص على "لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد ثورة 25 يناير أو حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها، أن يتخذ الإجراءات والتدابير الواجبة لمواجهة هذا الخطر على النحو الذي ينظمه القانون" فان احدا لم يطلعنا على ماهية الاخطار التي قد تهدد الثورة والتي تستوجب حينها تدخل الرئيس وما حجم التدابير التي قد يلجا لاتخاذها مما يفتح الباب واسعا امام عودة قانون الطوارئ في ثوب جديد.
ان احدا يحلم بالحرية لا يقبل بمثل هذا الاعلان الغير دستوري وان معارضته واجبة وليست انتقاصا من هيبة الرئيس ولا من صلاحياته. وان كان الرئيس يسعى جديا لاعادة استقرار الاوضاع والعبور من هذا النفق المظلم فيتحتم عليه سحب الاعلان الدستوري ودعوة القوى الوطنية للحوار لا فتح الباب امام دستور لا يكفل امام الشعب حق قبوله او رفضه.
Published on December 01, 2012 16:35
No comments have been added yet.


