عشق ما لا يمكن أن يكون
جزء من "زمن الأخطاء"- محمد شكرى الأعمال الكاملة 1-المركز الثقافى العربى
ليست هذه هى المرة الأولى التى تجئ فيها سالية إلى طنجة من مدينتها الصغيرة. تجئ زائرة، لكنها، هذه المرة، تريد أن تقيم. طنجة الحلم، طنجة العارية، الرنانة، الشفافة مثل كأس من البلور، طنجة الأسطورة، والجبل لكل صوت، لكن سالية لا تعرف أن طنجة تسحق من لا يعرف كيف يشرب خمرها المسحور..
جاءت سالية، هذه المرة، من مدينتها لتخسر كل شئ من أجل أن تكسب كل شئ. إنها تراهن بأسفلها على أعلاها الهش.
حضورها، فى الشراب، والحشيش، هوسى. ومثل الفطر الذى يتكاثر ولا ينمو جعلت الرجال يختصمون من أجل صحبتها. فطر مسموم لمن يعشقها. تعشق كل الرجال ولا تريد أحدهم. كم تظاهرت، لتهيج المرتخين جنسيا، أنها تغتصب! إنها ابنة شرف (شاعر مدينتها شاهد).. قالت لصديقتها كارولينا: لقد خاننى كل من وعدنى. يئست من الحب والزواج فتعلمت كيف تجعل الرجال يتشاجرون من أجلها. كتبت فى مذكراتها بخطها العصبى، الردئ: أنت تعترض طريقى فى كل مكان، لكن، أنا، لا طريق لى. إنك تخيفنى مثل وحش أسطورى. أنا أبحث عن حلم ولا أرى فيك أى إيحاء. إنك تريدنى، لكنى أريد نفسى بنفس القوة التى تزعم أنك تريدنى بها..
بين الكؤوس وفراش الليل النابض يقظة ندم. تعود سالية إلى مدينتها لتعيش نقاء الهواء، لتسترجع، فى يقظة حلمها: نزاواتها، وشهواتها، ثم طنجة من جديد بمساحيق زينتها..
زارت سالية استاذها فى منزله ليصحح لها ما تدعوه نصا شعريا. شربا وتحششا معا. وعندما رفضت تنام معه، حسب قولها، مزق ثيابها، وعضها فى عنقها، وكتفها، عضات خرافية. سالية تعترف أنه كان أكثر سكرا منها، وهى أكثر تحششا منه، فى تلك الليلة. كان هو يعيش قصة حب فاشلة مع تلميذة أخرى يريد الزواج منها، وهى، أيضا، كانت تعيش صدمة عندما تزوج رفيقها من سواها..
جاءت سالية إلى طنجة فى زمن بارت فيه أجمل العاهرات. أكثرهن حظا قد يتزوجها عاطل، وهى قد تعمل منظفة فى أحد الفنادق، أو فى مطبخ مطعم. لم يبق إلا مجد الذكريات المهزومة، والجنون الكئيب، والإحباط والسكر، ولغو الحانات.
تتقاذف سالية الليالى بين فندق فاخر أو بائس حسب حظها أو سكرها، وجيب الزبون. لا يهم من يكون. الليل والسكر يخفيان الويل. ومن منزل إلى منزل حتى لم يعد ثمن لسهراتها سوى تسكين هوسها وقلقها. كل ليلة قد يعلكها أكثر من واحد، فى رفاه أو إفلاس، حتى نهاية حلاوتها.
لم تعد لسالية رائحة النهار. كل ليل لا نهار له. يقبحها النهار ويجملها الليل. لم يعد يهمها إلا أن تعيش حتى تعثر على من يهواها وتهواه، لكن العشق فى طنجة ليس من أحلام العذارى. إنها، هنا، فقدت نفسها لتصير مثل الأخريات..
سالية تكره شعاع الصباح فى طنجة.. تحب ليل الشارع والحانات الصاخبة، ويقلقها ليل الوحدة والسكون. إنها تلعب فى خيال الرجال. تغامر من أجل أن تملك أو لا تملك. لم يعد لديها ما تخسره. تتضاءل كل يوم. تتوزع بين من يعرفها ومن لا يعرفها. الأفواه تمصها بثمن أو بدونه. فى الصباح، قد لا تتذكر إلا نبض الفراش وقلما يودعها سيد ليلتها.
جاءت إلى طنجة فى غير أوانها. استطار عقلها. أنساها أسفلها أعلاها فى ليل طنجة. تعلمت كيف تكذّب نفسها وكيف تصدّقها. لا يكذبها أحد لأن الذين تنقاد لهم أكذب منها..
سالية خانها شبابها، وفن العيش. فرقتنا الأهواء فصرنا نتراءى فى الحانات والمراقص نتماس لا نتواجه. كلانا له هواه، لست السابق ولا اللاحق فى حياتها. وظل عشق ما لا يمكن أن يكون هو الأقوى بيننا.
جزء من "زمن الأخطاء"- محمد شكرى
الأعمال الكاملة 1-المركز الثقافى العربى
ليست هذه هى المرة الأولى التى تجئ فيها سالية إلى طنجة من مدينتها الصغيرة. تجئ زائرة، لكنها، هذه المرة، تريد أن تقيم. طنجة الحلم، طنجة العارية، الرنانة، الشفافة مثل كأس من البلور، طنجة الأسطورة، والجبل لكل صوت، لكن سالية لا تعرف أن طنجة تسحق من لا يعرف كيف يشرب خمرها المسحور..
جاءت سالية، هذه المرة، من مدينتها لتخسر كل شئ من أجل أن تكسب كل شئ. إنها تراهن بأسفلها على أعلاها الهش.
حضورها، فى الشراب، والحشيش، هوسى. ومثل الفطر الذى يتكاثر ولا ينمو جعلت الرجال يختصمون من أجل صحبتها. فطر مسموم لمن يعشقها. تعشق كل الرجال ولا تريد أحدهم. كم تظاهرت، لتهيج المرتخين جنسيا، أنها تغتصب! إنها ابنة شرف (شاعر مدينتها شاهد).. قالت لصديقتها كارولينا: لقد خاننى كل من وعدنى. يئست من الحب والزواج فتعلمت كيف تجعل الرجال يتشاجرون من أجلها. كتبت فى مذكراتها بخطها العصبى، الردئ: أنت تعترض طريقى فى كل مكان، لكن، أنا، لا طريق لى. إنك تخيفنى مثل وحش أسطورى. أنا أبحث عن حلم ولا أرى فيك أى إيحاء. إنك تريدنى، لكنى أريد نفسى بنفس القوة التى تزعم أنك تريدنى بها..
بين الكؤوس وفراش الليل النابض يقظة ندم. تعود سالية إلى مدينتها لتعيش نقاء الهواء، لتسترجع، فى يقظة حلمها: نزاواتها، وشهواتها، ثم طنجة من جديد بمساحيق زينتها..
زارت سالية استاذها فى منزله ليصحح لها ما تدعوه نصا شعريا. شربا وتحششا معا. وعندما رفضت تنام معه، حسب قولها، مزق ثيابها، وعضها فى عنقها، وكتفها، عضات خرافية. سالية تعترف أنه كان أكثر سكرا منها، وهى أكثر تحششا منه، فى تلك الليلة. كان هو يعيش قصة حب فاشلة مع تلميذة أخرى يريد الزواج منها، وهى، أيضا، كانت تعيش صدمة عندما تزوج رفيقها من سواها..
جاءت سالية إلى طنجة فى زمن بارت فيه أجمل العاهرات. أكثرهن حظا قد يتزوجها عاطل، وهى قد تعمل منظفة فى أحد الفنادق، أو فى مطبخ مطعم. لم يبق إلا مجد الذكريات المهزومة، والجنون الكئيب، والإحباط والسكر، ولغو الحانات.
تتقاذف سالية الليالى بين فندق فاخر أو بائس حسب حظها أو سكرها، وجيب الزبون. لا يهم من يكون. الليل والسكر يخفيان الويل. ومن منزل إلى منزل حتى لم يعد ثمن لسهراتها سوى تسكين هوسها وقلقها. كل ليلة قد يعلكها أكثر من واحد، فى رفاه أو إفلاس، حتى نهاية حلاوتها.
لم تعد لسالية رائحة النهار. كل ليل لا نهار له. يقبحها النهار ويجملها الليل. لم يعد يهمها إلا أن تعيش حتى تعثر على من يهواها وتهواه، لكن العشق فى طنجة ليس من أحلام العذارى. إنها، هنا، فقدت نفسها لتصير مثل الأخريات..
سالية تكره شعاع الصباح فى طنجة.. تحب ليل الشارع والحانات الصاخبة، ويقلقها ليل الوحدة والسكون. إنها تلعب فى خيال الرجال. تغامر من أجل أن تملك أو لا تملك. لم يعد لديها ما تخسره. تتضاءل كل يوم. تتوزع بين من يعرفها ومن لا يعرفها. الأفواه تمصها بثمن أو بدونه. فى الصباح، قد لا تتذكر إلا نبض الفراش وقلما يودعها سيد ليلتها.
جاءت إلى طنجة فى غير أوانها. استطار عقلها. أنساها أسفلها أعلاها فى ليل طنجة. تعلمت كيف تكذّب نفسها وكيف تصدّقها. لا يكذبها أحد لأن الذين تنقاد لهم أكذب منها..
سالية خانها شبابها، وفن العيش. فرقتنا الأهواء فصرنا نتراءى فى الحانات والمراقص نتماس لا نتواجه. كلانا له هواه، لست السابق ولا اللاحق فى حياتها. وظل عشق ما لا يمكن أن يكون هو الأقوى بيننا.
جزء من "زمن الأخطاء"- محمد شكرى
الأعمال الكاملة 1-المركز الثقافى العربى
Published on June 01, 2013 04:13
No comments have been added yet.


