كرنتينة نائل الطوخي

مازن مصطفى


لا شك أنك ستصادف الكثير من المرح هناك، فى كرنتينة نائل، ولا شك أنها بلطف شراب بارد عند عطش. لا شك أنها تخالف رؤيتك عن الرواية إذا ما كانت مرجعيتك للرواية أعمال مثل الأبله أو بيدرو بارامو أو حتى أعمال كتاب مثل نجيب محفوظ أو كافكا. لكن، من منهم لا تخالف رؤيته للرواية الرواية؟ ما الرواية؟ كل شىء، الهول المقيم لدى كافكا كما المرح النقدى الساخر وشديد الذكاء كما لدى نائل الطوخى.

لا أحد ينسى سيرفانتس. لقد أسس لفن عجيب صار بعدها يتراقص فى كل اتجاه، يأخذ ما يشاء ويهمل ما يشاء. بات نسبه موزعًا على أعمال تكاثرت بها الغايات والوسائل والألفاظ والرؤى حد تهنا. كان سيرفانتس يسخر من دون كيشوت ومن كتب الفروسية التى تفسد الدماغ، وقام بمنحنا محاكاة ساخرة بديعة عن رجل لم يعد يميز بين طواحين الهواء والفرسان.

فى عمل نائل لا فرسان هناك، الفرسان طواحون هواء. سيرفانتس يحيلنا على امتداده إلى الواقع «الحقيقى» الموجود دائمًا فى نظرة الناس المستخفة بما يفعله دونكيشوت؛ إنه حاضر دائمًا هناك، فى الوعاء الذى يتخذه خوذة كما فى محبوبته الافتراضية. لدى نائل لا وجود لواقع حقيقى: هذا المسخ هو كل شىء، ولا واقع آخر لنقارنه به.

عالم باروكى تقع به جرائم عشواء، عنف ودم وتآمرات مكوكية وتحالفات وفض تحالفات وأجيال خلف أجيال من بلطجة صافية ولغة مسلسلات ومشاهد مسلسلات وميلودرامة طنانة ومفارقات دائمة. هذا هو كل ما هناك: مشهد من العبث المجانى بحيوات تمضى مثل كاريكاتور من دراما إلى أخرى ومن حوار عابث إلى آخر مستهبل لآخر بلا معنى.

ولا نلمح البكاء على العبث والعدم والفوضى: لا بصورة رصينة، مثل بيكيت مثلًا أو نيتشه، ولا بصورة واعظة مثل مصلح اجتماعى. فى هذه الرواية أنت تتمتع بالمرح كاملًا. كأن نائل يخبرنا: كل شىء عبثى ومضطرب وأجوف وبائس كما تصوره هذه اللوحة الكاريكاتورية، لكننى سعيد بهذا العبث، مبسوط بهذا العبث، أكشف لكم عن الجانب المتناقض المهزوز اللا عقلانى من الوجود والأدب والدراما، وأنا أضحك ساخرًا.

أعتقد أن الرواية صفعة لرواية النهر، منذ توماس مان ومرورًا بمحفوظ فى اللغة العربية وسواهما، لأن الرواية تستخدم الأجيال لا لتوضيح التوارث أو التحول أو التغيير أو التطور إلخ من غايات تكنيك رواية الأجيال، بل تستخدمه بالذات لتوضيح أن كل شىء اعتباطى، وأن التاريخ يتحور بسعادة من جيل إلى جيل، وأن الواقع كلها مصيرها أن تتحرف لتغدو وقائع أخرى والأحداث بلا معنى لأنها تولد مشاهد ممسوخة وذكريات مغلوطة.

إن نائل يعمل بمهارة هنا كـ«صياد ركاكات». يصطاد ركاكة الذكريات والمواقف التاريخية وركاكة المسلسلات والروايات الممتدة جيلًا بعد جيل لمجرد أن تتغير ملابس الشخصيات، ركاكة المشهد كاملًا، ركاكة المجرم ومنافسه، ولا توجد ركاكة للبرىء، لأن الروايات خلت من أى شخصية تقود تحررًا ما من ركاكة ما. كل محاولات التحرر، تبصرنا الرواية، جوفاء وفاشية وبلا معنى ومقاصدها ركيكة، وهى فى حقيقتها محاولات للسلطة فقط لا غير.

المنقبة والشيخ يمارسون الجنس، المثقف ركيك وليس مثقفًا فعلًا بل وفاشى يعلم الصبية الهراء بالسلاح، معجنة بديعة من القتل والدعارة والبلطجة لا تنتهى. هذه الأحداث وغيرها تعج بها الرواية كأنما الملحمة ملحمة العالم السفلى الذى لا عالم سواه. تلعب الرواية فى مكان مألوف جدًا بالنسبة لنا، لأنه منذ الأساس عالم بلا أخلاق، وكل شىء مباح خلف المظاهر والتحايلات والعبارة الطنانة والسلوكيات التى تدعى التهذيب وتلك الوقاحة بتأثير سلطتها. أليس المجتمع؟
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on May 25, 2013 06:10
No comments have been added yet.