ملتقى قصيدة النثر العربية بقفصة

اختتمت صبيحة الاحد 30 نوفمبر بفضاء دار الثقافة ابن منظور بقفصة، فعاليات الدورة الاولى لملتقى قصيدة النثر العربية، وقد اشرف على تنظيم هذه التظاهرة النوعية والجديدة فرع اتحاد الكتاب التونسيين بقفصة بالتعاون مع المندوبية الجهوية للثقافة والمحافظة على التراث وتوزعت فعاليات الملتقى على اربع جلسات مساء السبت 29 نوفمبر وصبيحة الاحد 30 نوفمبر راوحت بين المداخلات الفكرية والقراءات الشعرية التي تابعها جمهور نوعي من المثقفين والاساتذة بولاية قفصة، ساهموا بجدية في اثراء النقاش والحوار حول الاشكاليات والقضايا المتصلة بقصيدة النثر وبالشعر عموما.


ويمكن القول دون مبالغة ان فرع اتحاد الكتاب التونسيين بقفصة قد غامر بتنظيم ملتقى يعنى بنمط مخصوص من الكتابة الشعرية، وهو قصيدة النثر، لان الجمهور المستهدف من هذه التظاهرات تعود على ملتقيات تعنى بالشعر عموما دون تحديد لنمط دون آخر، هذا فضلا عن كون تسمية «قصيدة النثر» غير مستساغة من الذائقة العامة، المطمئنة للتقسيم التقليدي بين الشعر والنثر، كما انها ما تزال موضوع خلاف بين المناصرين والمتحمسين لها والرافضين المستائين من وجودها ومن دلائل ذلك انه برغم مرور نصف قرن تقريبا على ظهورها وما راكمته من تجارب وبحوث صدر منذ ايام قليلة كتاب للشاعر احمد عبد المعطي حجازي يصفها فيه بالقصيدة الخرساء ويعبر بوضوح عن رفضه لها.
الرهان والآفاق
منظمو الملتقى، اختاروا عنوانا صائبا للملتقى في دورته الاولى وهو «الرهان والآفاق» وتقديرنا ان الملتقى نجح في اعادة التساؤل المتواصل حول رهان قصيدة النثر، او مشروعها اذا جازت العبارة. ما الذي تحقق من رهان او رهانات قصيدة النثر العربية اين نجحت؟ وفيما اخفقت ولماذا؟ وماهي الآفاق الممكنة لهذه القصيدة مستقبلا؟ كانت هذه الاسئلة حاضرة في جميع المداخلات والردود والنقاشات داخل فضاء دار الثقافة ابن منظور وخارجها.
مداخلة الشاعر والجامعي العراقي المقيم بتونس شاكر لعيبي، رواد قصيدة النثر في العراق محاولة للتأصيل والتي قدمت في الجلسة الاولى مساء السبت 29 نوفمبر، اعادت الجدل حول مسألة الريادة في كتابة قصيدة النثر، اذ بين في بحثه ان شعراء عراقيين من امثال معروف الرصافي ورفائيل بطي، وشكري الفضلي ومير صبري، وانور شاؤول ومحمد بسيم الذويب وحسين تيمور، وغيرهم قد هيأوا الارضية الفكرية والنظرية القوية لاستتباب قصيدة النثر، في مرحلة الستينات وذكر الباحث ان الشاعر فاضل العزاوي يقف على رأس من بلوروا هذه الكتابة الجديدة ورسخوها مع كوكبة من الشعراء العراقيين من امثال سركون بولص وغيره.
مداخلة اللعيبي اثارت نقاشا بين المتدخلين والمحاورين ومما قيل ان الاختلاف حول الريادة يؤكد ان تاريخ الادب العربي المعاصر لم يكتب بعد بشكل علمي وموضوعي، ومن علامات ذلك الاضطراب السائد في البحوث حول رواد التجديد والتحديث لا في قصيدة النثر فحسب بل في القصة والرواية والمسرحية وغيرها من الانماط الادبية والفنية.
وأكد احد المتدخلين على ضرورة التفريق بين وجود الكتابة والتنظيم لها والوعي بخصوصيتها اذ بامكان القول ان قصيدة النثر موجودة منذ القديم، اي قبل الاعلان عن وجوب التفريق بين النثر والشعر، موجودة في النصوص الدينية والميثيولوجية وفي كتابات المتصوفة ونثر التوحيدي وغيرهم وصولا الى كتابات الرومنطيقيين العرب.
وقد كانت مداخلة الشاعر والجامعي المنصف الوهايبي التي قدمت صبيحة الاحد 30 نوفمبر في الاتجاه الذي يعتبر التقسيم الصارم بين النثر والشعر مجرد تقسيم اجرائي ومنهجي لان كلا النثر والشعر يتكونان من نفس المادة وهي اللغة، فما هو ضد الشعر ليس النثر يقول الوهايبي ولكن «اللاشعر».
ومع أن الوهايبي ليس من كتاب قصيدة النثر الا انه قدم مداخلة عبرت بصدق عن اعجابه بعديد التجارب التونسية التي اختارت هذا النمط من الكتابة، مثل باسط بن حسن ويوسف خديم الله وعبد الوهاب الملوح وفضيلة الشابي وآمال موسى وبين ان مشكل قصيدة النثر انها تكتب في بيئة ادبية عربية ما تزال تطرب للايقاع وتطلبه، وان ذلك يعود الى سطوة الثقافة الشفوية ومقتضياتها والحال اننا في زمن الكتابة والقراءة ولسنا في زمن الالقاء المنبري والانشادي القديمين، ومما يقوله في هذا السياق «لعل في قصيدة النثر ما يدل على ان ذيوع انماط من الكتابة الشعرية ليس الا طريقة في تطعيم اللغة، وتغيير نمط المعرفة السائد وارساء الكينونة وتحرير الذائقة من ثقافة الذاكرة، اعني ثقافة الاذن حيث كل سمع طاعة اعني ثقافة السلطة والتقليد والوثوق…»
ويرى الباحث محمد الهادي بوقرة ان ضررا كبيرا لحق بهذا الافق الجديد من الكتابة الشعرية عبر الاصرار على تسميته بقصيدة النثر فهذه التسمية يقول ابقت النص بلا جنس، نصا لقيطا منبوذا.. طريد المرجعية الثقافية فيضطر طوعا او كرها، الى الاقامة الدائمة في الهامش مكتفيا بشرف المناوأة على الجانبين ويؤكد في مداخلته ان هذا النص الجديد ينبغي ان يبقى مستعصيا على التسمية والاصطلاح ليظل مشاكسا لكل قواعد ومناهج واغراض الكتابة.
وقد كان لصاحب هذه الاسطر مساهمة في الندوة، بينت حيرة المنظرين العرب في تسمية هذا النمط الجديد من الكتابة من قصيدة النثر الى النص الشعري والابداعي الى القصيدة الضد فالقصيدة الاجد فالجنس الخنثى وصولا الى الافق الكشفي والعمل المفتوح.
وبين من خلال قراءة تحليلية فيما يصطلح عليه بالايقاع الداخلي في نماذج شعرية تونسية ان هناك اربعة مولدات ايقاعية يستخدمها شعراء قصيدة النثر وهي الايقاع التركيبي والذي يتم بتكرار بنى نحوية وصيغ تركيبية متماثلة والايقاع البصري الذي يظهر في تناسب مقصود بين الاسطر والكلمات والحروف والايقاع اللغوي في تكرار الفاظمتجانسة صوتيا عن طريق الاشتقاق او الجناس او الترديد او القافية والايقاع الدلالي والذي يتجلى في قدرة الشاعر على ابتكار آفاق دلالية مبتكرة وصادمة.
وفي مداخلته المقدمة صبيحة الاحد 30 نوفمبر اكد عمر حفيظ ان الفصل بين مفهوم الشعر، كنوع ادبي ومفهوم الشعرية، المتجاوز لحدود الانواع يساعد نظريا في توفير غطاء شرعي لقصيدة النثر واضاف في مداخلته ان قصيدة النثر هي جوهريا عقلية ثقافية اكثر من كونها نمطا مخصوصا من الكتابة.
ونشير الى ان الجلسات الشعرية أثثها عدد من الشعراء هم المنصف الوهايبي ويوسف خديم الله وعبد الفتاح بن حمودة وصلاح بن عياد وعلياء رحيم وضحى بوترعة وشكري بوترعة.

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on March 12, 2008 13:50
No comments have been added yet.


عبد الوهاب الملوح's Blog

عبد الوهاب الملوح
عبد الوهاب الملوح isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عبد الوهاب الملوح's blog with rss.